ورقة – عسكرة الهيمنة الأمريكية

مستقبل البشرية مرتبط بالتحرر من التبعية للهيمنة العسكرية الأمريكية

ــــــــــ

المحتوى
تمهيد
الخطر الأمريكي بعيون غربية 
نهج ثابت وحكومات متعاقبة 
مقدمات عتيقة وهجمات جديدة 
المواجهة مع الإسلام
نظام عالمي جديد؟ 

تمهيد (٥ / ٢ / ٢٠١٧م)

كلما اعتلى منصب الرئاسة الأمريكية رئيس جديد تكرر أسلوب التعامل مع سياساته وممارساته كما لو أننا أمام “ولايات أمريكية متحدة” جديدة، كما يجري هذه الأيام بعد وصول ترامب للمنصب الرئاسي. والمشكلة الأكبر مع الدولة الأمريكية هي مشكلة الهيمنة التي تعمل لفرضها ونشرها عالميا منذ تأسيسها، فتتبدل الوسائل ويتبدل “طلاؤها” ولا يتبدل جوهر المشكلة، وهذا ما تتناوله هذه الورقة البحثية، وهي منشورة في جزئين من قبل، الأول بتاريخ ١٤ / ٥ / ٢٠٠٤م بعنوان “تطرف السياسية الأمنية الأمريكية”، في موقع “إسلام أون لاين” الشبكي، والثاني بتاريخ ٩ / ٦ / ٢٠٠٤م بعنوان “جذور الآلة العسكرية الأمريكية” في موقع “شبكة الجزيرة”.

الخطر الأمريكي بعيون غربية

يوجد عدد كبير من التحليلات الغربية، الأمريكية والأوروبية، التي رافقت وصول بوش الابن إلى السلطة، (وهذا ما تكرر في هذه الأثناء مع وصول ترامب إلى السلطة) ونأت بنفسها عن اعتبار سياساته مع فريقه من المحافظين الجدد، سياسات مؤقتة، منفصلة عن السياسات الأمريكية عموما، فمع النقد الشديد لها من حيث تجاوزها للخطوط الحمراء الدولية أكثر من قبل، ومع ربطها بما صنع ويصنع تيار المحافظين الجدد بالذات منذ أواسط السبعينات الميلادية، لا يغيب في تلك التحليلات البعدُ الاستراتيجي، الذي يبين أن التبدل السياسي المحتمل من خلال تبدل فريق الإدارة، يمكن أن يشمل الأساليب والوسائل، ولكنه لا يغير كثيرا من الجوهر والأهداف والنتائج، وفي هذا تحذير مباشر لمن يعلقون الكثير على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ويربطون قرارهم السياسي بها، أو يؤجّلونه بانتظارها.

الأستاذ الجامعي الفرنسي فيليب جولوب يعيد السياسات الأمريكية الحالية إلى عهد رونالد ريجان، وتحوله عن الانفراج الدولي إلى الهيمنة الإمبراطورية، دون أن يقف عند هذه الحقبة التاريخية، في حديثه عن “تحولات السياسة الامبراطورية” في “لوموند ديبلوماتيك”.

بروفيسور إرنست أوتو تشيمبيل، أحد المراجع في العلوم السياسية بألمانيا، يرى أن السياسة الأمريكية تعمّدت نشر تصورات غير صحيحة في قضية “الإرهاب” لتنفيذ سياسة مخطط لها من قبل، كما ورد في كتاب له طرح فيه تفجيرات نيويورك وواشنطون والرد الأمريكي بمنظور منهج “العلوم السياسية”.

المفكر الموسوعي المسلم روجيه جارودي يعيد سياسة الهيمنة الأمريكية التي صنعت وتصنع “فوضى عالمية جديدة” إلى البعد المادي المسيطر على صناعة القرار في منظومة الحضارة الغربية، والذي يرسخ ما يعتبره ديانة جديدة يطلق عليها وصف “وحدانية السوق” الناجمة عن تطور اقتصاد السوق باتجاه السيطرة على صناعة القرار وطنيا وعالميا في مختلف الميادين في إطار حضارة مادية احتكارية تلغي الآخر “الحضاري”، كما يفصل حول ذلك في كتابه “أمريكا طليعة الانحطاط”.

ويمكن تعداد المزيد بالرجوع إلى ما أثاره فكر هينينجتون تحت عنوان صدام الحضارات، وفوكوياما تحت عنوان نهاية التاريخ، أو ما كتبه ويكتبه نعوم تشومسكي الأمريكي، وإيريك لوران الفرنسي، وكونراد زايس الألماني، وغيرهم، فضلا عن مقالات إعلامية بأقلام غربية لم تعد تنقطع عن الحديث حول قاسم مشترك، لا يبتعد كثيرا عما يعبر عنه قلم روبرت فيسك البريطاني المعروف أكثر من سواه في المنطقة العربية، وهو التحذير من الخطورة الناجمة على المدى القريب والبعيد من سياسات عسكرة الهيمنة الأمريكية، على الحضارة الغربية نفسها، وعلى أمن الأسرة البشرية وسلامتها، وهو ما يلتقي عليه أيضا مفكرون أمريكيون عبروا عن أنفسهم في رسالة ١٣٠ مثقفا (آذار / مارس ٢٠٠٢م) وآخرون أوروبيون بمواقف مشابهة، كما تلتقي عليه غالبية الرأي العام الأوروبي وفق نتائج استطلاع الرأي الرسمي للاتحاد الأوروبي عام ٢٠٠٣م، والرأي العام الشعبي في البلدان العربية والإسلامية، الذي لا يحتاج إلى استطلاع لتأكيده.

إن عسكرة الهيمنة الأمريكية ليست سياسة مستحدثة، بل هي صادرة عن “أسطورة الإحساس الأمريكي بالتفرد في صفات يختلف بها عن سواه، وأدّت لديه إلى أسطورة أخطر، هي الوهم بأنه يتفوق على الآخرين”.. على حد تعبير المؤرخ الأمريكي هنري ستيل كوامنيا.

نهج ثابت وحكومات متعاقبة

لم يولد الفكر المتطرف سياسيا ودينيا في تيار المحافظين الجدد والمسيحية التوراتية من فراغ، وكان من أوائل من نبّه إليه الأستاذ اسماعيل الكيلاني في كتابه “الخلفية التوراتية للموقف الأمريكي”، بل كان ذلك الفكر حصيلة تطور تاريخي أخذ -إلى جانب الجذور العقائدية له- مجراه الفكري من قبل ظهور هذا التيار بزمن طويل، وضرب جذوره في تصور “حضاري” منحرف، يكمن محوره في تطويع التقدم المادي والتقني بعلومه وآلياته وثماره لأغراض الهيمنة الاحتكارية المطلقة، كما أخذ أبعاده السياسية التطبيقية في منحنى التصعيد المتواصل، مرحلة بعد أخرى، وميدانا بعد ميدان، وانتشارا جغرافيا بالقوة، اعتمادا على أحداث يصنعها أو يحركها صانع القرار الأمريكي من وراء واجهة الأجهزة السياسية، وأخرى تقع عالميا، فيعمل على توظيفها في إطار الاتجاه نحو هدف ثابت هو الهيمنة عالميا.

تفاوتت الأساليب والوسائل، ولغة الخطاب السياسي، بما في ذلك استغلال متواصل لصياغة القيم واستغلال عقائدي يخدمان غرض التعبئة الشعبية، بصورة متواصلة، من عهد إلى عهد، ومن رئيس إلى رئيس، وبلغ ذلك مداه في الفترة ما بين ريجان وبوش الأب من الجمهوريين، عبر كلينتون من الديمقراطيين، وبين بوش الابن من الجمهوريين (وترامب منهم أيضا عبر أوباما من الديمقراطيين)، ولا يُنتظر أن يتبدل جوهر هذه المسيرة إذا ما وصل سواهم إلى الرئاسة.

وكثيرا ما تردد أن السياسة الأمريكية تحولت بعد الحرب العالمية الثانية من دعم تحرر الشعوب -من أيام ويلسون- إلى وراثة الاستعمار التقليدي -مع أيام ترومان- تماما كما تردد أنها تحولت بعد تفجيرات نيويورك وواشنطون إلى تبني نهج جديد وإعلان الحرب الاستباقية، على أن قسطا كبيرا من هذه المقولات، يستند إلى انتقاء شعارات ومواقف وحتى خطوات سياسية من بين سواها، لمقارنتها ما بين عهد وآخر، وتغفل تلك المقارنات غالبا عن دراسة الظروف الآنية لما يجري انتقاؤه، فلا تُسلط الأضواء على توظيف خطوة معينة قد تبدو إيجابية بحد ذاتها، لتحقيق غرض أبعد، سلبي بمنظور حصيلته على المستوى البشري والدولي، فالعمل لوراثة الاستعمار التقليدي وترسيخ الاستعمار الجديد بردائه الأمريكي -على سبيل المثال- كان هو الهدف في فترة معينة من وراء دعم “حق تقرير المصير” للشعوب المستعمَرة، مع ما يعنيه ذلك من إضعاف الدول الاستعمارية التقليدية المراد وراثتها، كما كانت الخطوات الاستعمارية الأمريكية، عسكريا كما في الفيليبين وراثة للاستعمار الإسباني، واقتصاديا كما شهدت منابع النفط الأولى بين إيران والجزيرة العربية وراثة للاستعمار البريطاني، كانت هذه الخطوات على سبيل المثال دون الحصر، تسير جنبا إلى جنب مع دعوات تحرير الشعوب وإقرار حق تقرير المصير لها. ولم تقع نكسة لهذا المنهج الازدواجي بتأثير التزام بالمواثيق الدولية أو القيم الإنسانية، وإنما كانت النكسة الأظهر للعيان من خلال هزيمة عسكرية، كما وقع في فييتنام، التي ورثت الدولةُ الاستعمارية الجديدة -وهذا مثال آخر- غزوَها العسكري عن فرنسا الاستعمارية التقليدية.

لم يكن هذا التحرك وليد تصور سياسي يصنعه التعامل مع أحداث دولية من باب ردود الفعل عليها، ولم يكن وليد تصور سياسي لدى رئيس أمريكي دون آخر، أو أجهزة سلطة ديمقراطية وأخرى جمهورية، بل كان وليد تصورات يؤكد تواترُها على ألسنة عدد كبير من السياسيين والمفكرين وعلى امتداد حقبة زمنية طويلة، أنها تمثل نهجا ثابتا بغض النظر عن تبدل الحكومات في واشنطون.

كان ويلسون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية بين عامي ١٩١٣ و١٩٢١م، عندما دعا إلى تجاوز الحدود الأمريكية والانتشار عالميا من أجل “إنقاذ الأعراق البشرية الأخرى التي ما تزال في عمر الطفولة”، واعتُبر ذلك موقفا إيجابيا رغم تعبيره عن النظرة الاستعلائية الأمريكية.

وكان ألبيرت بيفردج عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي خلال العشرينات الميلادية أوضح تعبيرا عندما قال “يجب أن نمتلك التجارة العالمية وسنمتلكها، وهذا ما يحقق المصلحة للآخرين، فحضارتنا الأمريكية يجب أن تضرب جذورها في كل مكان لا يزال الناس فيه يعيشون في ظلام دامس”.

وآنذاك أيضا طرح هنري لوك، أحد أباطرة الصناعة الإعلامية الأمريكية، دعوته إلى “أن يصبح القرن الميلادي العشرون قرنا أمريكيا”.

مثل هذه الأقوال يجد استمراريته فيما ردده المحافظون الجدد وسواهم عندما انطلقوا يتحدثون عن القرن الميلادي الحادي والعشرين بمنظورهم الأمريكي، أو يزعمون نشر الديمقراطية والقيم الإنسانية “الأمريكية” فيما يسمونه “الشرق الأوسط الكبير” في محاولة نزع انتسابه إلى الإسلام وحضارته وإلى القوميات المحلية فيه، أو عندما يجعلون من السيطرة على منابع النفط وطرق إمداداته هدفا أساسيا لمسلسل الحروب الجارية الآن، من البلقان حتى أفغانستان ومن العراق حتى.. الهدف القادم من بعده، وهي الحروب التي سبق ذكرها مع ذكر هدفها الرئيسي وثائقيا منذ عام ١٩٩١م على الأقل.

ومرة أخرى: لا يقتصر ذلك على “المحافظين الجدد”، فوثيقة المهام الجديدة لحلف شمال الأطلسي على سبيل المثال، جرى إقرارها في قمة واشنطون الخمسينية لتأسيس الحلف، وكان ذلك عام ١٩٩٩م في عهد الرئيس الأمريكي الديمقراطي السابق كلينتون، وهي الوثيقة التي تعدد الأسباب التي يمكن أن تدفع الحلف إلى عمل عسكري خارج نطاق مجاله الجغرافي، فترى من بينها احتمالات تعرض الطرق التجارية، والنفطية، أو حتى الهجرات البشرية الجماعية، فضلا عن محاولة امتلاك أسلحة رادعة للأخطار الخارجية، بدعوى حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل المحتكرة إلى حد بعيد.

وعندما حذر وزير الخارجية الفرنسي الأسبق فيديرين مرارا من الهيمنة الأمريكية في كلماته وتصريحاته الرسمية، كان يصنع ذلك في عهد كلينتون وليس في عهد بوش الابن، وعندما شكا رئيس الوزراء الكندي كريستينان وانتقلت شكواه مصادفة عبر “ميكروفون” مفتوح إلى الأسماع أثناء قمة أطلسية في مدريد، كان يشكو من سياسة كلينتون معبرا عن ذلك بقوله “لقد أصبح تبني موقف المعارضة لسياسة كلينتون مدخلا إلى كسب أصوات الناخبين الكنديين”.

إن السياسة الأمريكية قائمة على نهج “الاستعلاء” تجاه الآخر، يعبر عن ذلك ريتشارد ديفيس، من المعلقين المعروفين في صحيفة “هيرالد تريبيون” بقوله في أحد مقالاته “باستطاعتنا إملاء ما نريد على دول أخرى لصياغة سياساتها الخارجية، باستثناء دول مارقة مثل ليبيا، وسنجد على الدوام ما يكفي من القبائل التي تصنع ما نريد في تلك الدول”، ومن هذا المنطلق الاستعلائي يتساءل المؤرخ الأمريكي رونالد ستيل “منذا الذي يستطيع أن يتحدانا الآن؟”

مقدمات عتيقة وهجمة جديدة

إذا كان كثيرون يستشهدون بعهد نيكسون لتأكيد نقلة في السياسة الأمريكية باتجاه الانفراج الدولي، بدلا من صراع الهيمنة والنفوذ، فغالبا ما يغيب في تحليلاتهم أنه ووزير خارجيته كيسينجر آنذاك، لم يتحركا على طريق الانفراج إلا بعد أن تحركت أوروبا بمبادرة ألمانية لمدة عامين على الأقل، وسط اعتراضات أمريكية متواصلة، ثمّ كان التحول في السياسة الأمريكية مقترنا بعنصرين، أحدهما الضغوط المالية الداخلية الناجمة عن هزيمة فييتنام وثورة أسعار النفط الخام، والثاني إدراك الساسة الأمريكيين أن مواصلة معارضتهم لسياسة الانفراج يمكن أن تفضي إلى تقارب أوروبي-سوفييتي أكبر، كانت موسكو تسعى إليه في عهد بريجنييف لزرع وتد في حلف شمال الأطلسي، واقترن ذلك التحول الأمريكي بدوره بمحاولة إيجاد طرف جديد في اللعبة الدولية من خلال إنهاء حصار الصين، في فترة كان النزاع الشيوعي بينها وبين الاتحاد السوفييتي على أشدّه.

ولم تستمر سياسة الانفراج الأمريكية هذه طويلا، فما إن انتهى عهد نيكسون ثم عهد جيرالد فورد القصير من بعده، حتى عادت الدولة الأمريكية إلى سابق عهدها عبر سياسة التسلح بأقصى مداه في عهد ريجان، وإلغاء كلمة “الانفراج” في الخطاب السياسي الأمريكي وحلول عناوين جديدة للمواجهة السياسية والعسكرية.

إن الإصرار الأمريكي الشديد على مشروع الدرع الصاروخي في عهد بوش الابن (وتابعه أوباما “المسالم” من بعد) والذي انتهى بخروج واشنطون من معاهدة ١٩٧٢م حول الصواريخ الدفاعية البعيدة المدى، والتي كانت العمود الفقري للردع المتبادل وبالتالي لمنع نشوب حرب بين المعسكرين.. هذا الإصرار لم يكن من صنع حكومة بوش الابن، بل بدأ الطريق ريجان، وتابعها كلينتون، ووصل بوش الابن إلى مرحلة جديدة فيها.

كذلك فإن رفض بوش الابن للمحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لم يكن سوى المرحلة التالية لمعارضة كلينتون لها، وسعيه المتواصل لإضعاف صلاحياتها، وتصريحه العلني بعدم التوقيع على الاتفاقية المبدئية بشأنها إلا من أجل الحصول على حق المشاركة في المفاوضات للتأثير على صياغة ميثاقها.

وسياسة الخروج على الاتفاقات والمنظمات الدولية عموما في عهد بوش الابن الجمهوري، بدأت أيضا في عهد كلينتون الديمقراطي في محطات عديدة كاتفاقية مكافحة الألغام الأرضية ومسيرة المؤتمرات الدولية حول المناخ العالمي، بل بدأت منذ الحرب العالمية الثانية، كما هو معروف من أمثلة عديدة، كالامتناع عن توقيع ميثاق حقوق الإنسان.

وإعلان “محور الشرّ” و”الدول المارقة” على ألسنة سادة “البيت الأبيض” المتأخرين، سبقه الإعلان عن عناوين مشابهة على ألسنة الأقدمين، أشهرها وصف ريجان للاتحاد السوفييتي بإمبراطورية الشر.

وحتى نهج “الحرب الاستباقية” سبقته مراحل عديدة في الاتجاه نفسه، لتصعيد عسكرة الهيمنة الأمريكية، وكان في الذروة من ذلك تثبيت نهج “الضربة النووية الأولى” منذ ربع قرن، والأخذ بالتدريبات العسكرية للجنود الأمريكيين على استخدام “السلاح النووي وسواه من أسلحة الدمار الشامل ضد الإرهابيين”، وكان ذلك عام ١٩٦٦م.

وتطوير مهام حلف شمال الأطلسي ليكون ذراعا عسكرية إضافية إلى جانب القوات الأمريكية عند الحاجة، وللخروج به من صيغة حلف دفاعي في مجاله الجغرافي، إلى حلف ردع وقمع على المستوى العالمي الشامل، وتشكيل قوات تدخل سريع على هذا الأساس، مع ابتكار أسباب جديدة للتدخل العسكري كما ورد آنفا، جميع ذلك لم يبدأ بعد انتخاب بوش الابن عام ٢٠٠٠م، بل فور سقوط المعسكر الشيوعي، أي منذ عام ١٩٩١م ووصل إلى ترسيخه رسميا ووثائقيا في عهد كلينتون.

على أن هذه الجذور التاريخية الحافلة بالخطوات العملية لعسكرة الهيمنة الأمريكية على امتداد عدة عقود من السنوات، لا تمثل بدورها سوى مرحلة تاريخية “حديثة” لها جذور تعود إلى القرون الماضية، وإلى طبيعة تكوين الحضارة المادية الأمريكية، التي بدأت تختلف “نسبيا” عن الحضارة المادية الأوروبية، وإن اشتركت معها بقاعدة عريضة فكرا وقيما ونهجا.

مسيرة عسكرة الهيمنة الأمريكية بدأت واقعيا من قبل ولادة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها أو “استقلالها”. ولئن دخلت حرب الاستقلال الأمريكية كتب التاريخ، بصياغتها الغربية، التي تعتبرها مع الثورة الفرنسية حاضنة لمنظومة الحقوق والحريات الإنسانية الحديثة، فقد دخلت التاريخ أيضا باعتبارها من أشد الحروب دموية، كالثورة الفرنسية أيضا، وكانت في الوقت ذاته بمثابة حجر الأساس لانتشار الحضارة الغربية الحديثة، التي عُرفت عند أهلها بحضارة “الإنسان الأبيض” مما يعطيها -داخل حدودها وحيثما انتشرت خارجها- بُعدا عنصريا واضحا للعيان، على الأصعدة النظرية والتطبيقية.

لقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية خلال قرنين ونيف فقط أن تجمع سجلا حافلا بالحروب والنزاعات الدموية خارج حدودها، تجاوزت به، كمّا ومضمونا دمويا، سائر ما عرفته الأمم القديمة معا، وسائر ما عرفه سجل الدول الاستعمارية الأوروبية مجتمعة لعدة قرون.

ومنذ نشأت الدولة الأمريكية نفسها تابعت ما سبق تأسيسَها من إبادة منظمة للهنود الحمر، في حدث تاريخي لم يسبق مثيله، ولم يأت بعده ما يعادل معشاره، كذلك فإن وصول عدد الولايات الأمريكية إلى ٥١ ولاية (٥٠ ولاية ومقاطعة بورتوريكو الاتحادية) اقترن بالحروب حتى اكتملت السيطرة على أمريكا الشمالية، وسرعان ما بدأت على الفور مسيرة الهيمنة خارج الحدود.

“الاستعمار الأمريكي” في أمريكا الوسطى والجنوبية كان استعمار غزوات متوالية عسكريا، واحتلال البلدان الصغيرة لعشرات السنين، وتنصيب الحكومات الموالية لواشنطون، وتدبير الانقلابات، واغتيال الرؤساء، وهذا في فترة زمنية استمرت عدة عقود، وتوبعت إلى ما بعد الحربين العالميتين في القرن الميلادي العشرين.

ثم كان أول تحرك عسكري كبير خارج نطاق القارة الأمريكية مرتبطا باستكمال أسباب الهيمنة، عليها وفاتحة للهيمنة العالمية، فانطلقت القوات الأمريكية لفرض الاستعمار الأمريكي خلفا للإسباني في الفيليبين، المنصة العسكرية الأولى للتحرك العسكري في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي، الذي أنهت هزيمة فييتنام مرحلته الأولى، وبدأت مرحلته الجديدة بغزو أفغانستان، مع ما ارتبط بذلك من سيطرة عسكرية واقتصادية تستكمل حلقات الشريط الاستعماري الأمريكي إلى بحر قزوين وحتى البلقان، وتنطلق منه الهجمة العسكرية الجديدة على البلدان الإسلامية الأخرى.

في هذا السياق تأتي أيضا المشاركة الأمريكية في الحربين العالميتين، والتي أسفرت واقعيا عن الهيمنة الأمريكية-الأطلسية في غرب أوروبا، ثم لم تنقطع من خلال ذلك التدخلات العسكرية الأمريكية التي بلغت ١٥٠ واقعة عسكرية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية القرن الميلادي العشرين، في مختلف أنحاء العالم.

وليست هذه النزعة العسكرية للهيمنة منفصلة عن طبيعة تكوين الفكر المادي للسيطرة الاقتصادية العالمية، فكما كانت حملات إبادة الهنود الحمر مقترنة بما عُرف من سباق دموي محموم على مناجم الذهب في أنحاء القارة والسيطرة عليها، كذلك كانت النسبة الأعظم من التحركات العسكرية الأمريكية عالميا مرتبطة منذ أكثر من قرن ونصف القرن بالبحث عن مصادر الطاقة والسيطرة عليها وعلى إمداداتها.

المواجهة مع الإسلام

إن الهجمة العسكرية الأمريكية المعاصرة في المنطقة الإسلامية، لا تمثل بهذا المنظور الفكري والتاريخي لعسكرة الهيمنة الأمريكية “حدثا جديدا” صنعته عملية إرهابية عام ٢٠٠١م، أو سياسة طارئة تحت تأثير النفوذ الصهيوني على صناعة القرار الأمريكي، إنما هي نتيجة حتمية لتحول نوعي في المواجهة التي كانت تعتمد على عدو شيوعي إلى مواجهة عدو جديد، لا بد من وجوده ولو باصطناعه، لتطبيق المنهج العدواني القائم أصلا، والذي يعتمد فيما يعتمد على ضرورة “التعبئة الدائمة” للشعب الأمريكي لخوض الحروب، كما يراها المحافظون الجدد، وسيلة لتحقيق أهداف الهيمنة، وفق “دليل السياسة الدفاعية” الذي وضعه وولفويتز ولويس ليبي بين عامي ١٩٩٢ و١٩٩٤م، بإشراف ديك تشيني، وهو أول من أطلق عبارة “الإسلام عدو بديل” عام ١٩٩١م، وكما عبر عن ذلك وليم كريستول، المنظر لاحقا للمحافظين الجدد، بقوله “إنها علامة جيدة على الدوام عندما يكون الشعب الأمريكي مستعدا لخوض الحرب”.

لا يكمن جوهر هذا التحرك العدواني في البعد “العسكري” بمعنى الرد على خطر فعلي على الولايات المتحدة الأمريكية داخل حدودها، أو حتى خارج هذا الإطار على افتراض الدفاع عن مصالح مشروعة في إطار سياسة قائمة على “المصالح المتبادلة” فعلا وليس على مطامع السيطرة والاستغلال، إنما يكمن جوهر التحرك العدواني في “بعد حضاري” أعمق من ذلك، وتبقى القوّة العسكرية وسيلة لتحقيق الهدف الأبعد من مجرد ممارسة الحرب، وهذا ما ينبغي تركيز الحديث عنه والنظر فيه.

لقد قامت الحضارة المادية الغربية ابتداء على إنكار شبه مطلق لحقبة الحضارة الإسلامية على وجه التخصيص، حتى أن كتب تدريس التاريخ تجعل من تلك الحقبة ما يشبه “البقعة السوداء” الفارغة من أي إنجاز، إلا ما قام على افتراءات لا يمكن تصديقها لولا اعتماد ترسيخ الجهل عن تلك الحقبة الحضارية ترسيخا منهجيا، وهذا ما بقي سائدا في الغرب لعدة قرون، إلى أن بدأت حديثا فقط معالم زعزعة ما يمكن وصفه بالكذبة “الحضارية” الكبرى.

لم يعد يمكن في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات الحفاظ على تلك الصورة المزورة للتاريخ والواقع، ولم يعد خافيا أن الإسلام الذي حوصر داخل بلدانه زمنا طويلا عبر الاستعمار التقليدي فالغزو المتعدد الأشكال ثقافة وفكرا وقيما وتغريبا في مختلف الميادين، قد بدأ ينتشر مجددا، بدرجات متفاوتة في البلدان الغربية نفسها، وعاد بنسبة لا بأس بها إلى “وعي” الشعوب الإسلامية، بغض النظر عن افتقاد ما يكفي من المناهج العملية لنهوض حضاري إسلامي جديد.

إنّ عقيدة “وحدانية السوق” كما يسميها جارودي، ستعمل -كما يقول- على تهشيم مقاومة كل هؤلاء الذين حافظوا على نظام آخر للقيم، يختلف عن القيم التجارية، والذين بدفاعهم عن حريتهم يدافعون عن معنى الحياة. ويرى جارودي أن هذا هو المغزى الحقيقي لما تنبأ به هينينجتون تحت عنوان صدام الحضارات.

وإن شعار “الحرب على الإرهاب” لا يمثل بدوره سوى ذريعة يتحدث عنها فرانس شورمان، الأستاذ الجامعي في كاليفورنيا سابقا بقوله “إن واشنطون لا تتورع عن اتخاذ الإرهاب الدولي ذريعة لشن حرب كبرى ضد الإسلام والمسلمين، بدأتها في السودان وأفغانستان”.. مشيرا بذلك إلى الهجمات الصاروخية على البلدين في عهد كلينتون، وليس في عهد بوش الابن وفريقه من المحافظين الجدد والمسيحيين التوراتيين.

الدول الإسلامية لا تشكل في المدى المتوسط على الأقل، خطرا عسكريا على الولايات المتحدة الأمريكية، إنما الخطر الحقيقي -والذي أصبح قريبا- هو الخطر الحضاري، ومنذ انهارت الحواجز عبر ثورة الاتصالات، ازداد الإحساس بذلك “الخطر” داخل الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا تسري كلمة “خطر” هنا بمعناها الأصلي، إلا بمنظور الفئة المهيمنة ماديا واحتكاريا في الغرب ومن خلاله عالميا، وإلى وقت قريب كانت هذه الفئة التي كشفت العولمة عن حقيقة نفوذها وموقعها في شبكة العلاقات الدولية وداخل كل دولة على حدة، كانت قادرة على تركيز الأنظار على إنجازات الحضارة المادية، ما بين الوصول إلى القمر عام ١٩٦٩م، وثورة الحاسوب والشبكة منذ عام ١٩٨١م، وثورة الاتصالات الإلكترونية من بعد، ولكن بدأ ينكشف الغطاء عن “إنجازات أخرى” ترمز إليها عناوين كوكا كولا وماكدونالد، أو مادونا ومايكل جاكسون، وتتأرجح ما بين الخواء والانحلال، فضلا عن أفلام العنف ومظاهر الترف، وتلويث البيئة والقيم، وأسلحة المجون الإباحية الأشد فتكا بالإنسان من داخله.

لقد ساهمت ثورة الاتصالات والمعلومات -رغم عدم القدرة على الوصول بالمنظور الحضاري الإسلامي إلى الإنسان الغربي على نطاق واسع حتى الآن- في الكشف من خلال المقارنة التلقائية، عن مخاطر الأمراض الداخلية في الحضارة المادية، وهذا في صلب ما تعتمد عليه التصورات الدعائية بشأن التقدم المادي والتقني، فالارتفاع السنوي للدخل الفردي الأمريكي على سبيل المثال، لم يصل على امتداد ربع قرن كامل، إلا إلى أقل من ربع السكان الأمريكيين، وكلما ازدادت الهيمنة المادية رسوخا داخل الحدود وخارجها، ازداد انتشار الفقر، فارتفعت نسبته من ٢٠ إلى ٣٠ في المائة من الأطفال الأمريكيين خلال السنوات العشرة لآخر موجة من موجات الازدهار الاقتصادي، بمعنى “نمو حجم الإنتاج” الأمريكي، والتي انتهت مع نهاية عهد كلينتون.

ولا يقتصر الأمر على التفاوت الطبقي والاستغلال المادي، بل يشمل سائر ما ينجم عن أن هذا التفاوت والاستغلال أصبحا مصدر انتشار أمراض اجتماعية قاتلة على أوسع نطاق، من أبشع صورها الحالية تلك الموجة الكبيرة المتصاعدة من الاعتداء الجنسي على الأطفال والنساء، على أرضية “تجارة الرقيق الأبيض” كما يسمونها، واعتمادا على انتشار المخدّرات، ثم ما يتصل بذلك من صعود نسب ارتكاب الجرائم وانخفاض وسطي أعمار ضحاياها ومرتكبيها من الناشئة والشبيبة.

لقد تزامن سقوط كثير من الحواجز مع ثورة الاتصالات والمعلومات في وجه إمكانات التعرف على الإسلام وقيمه ومنهجه في الحياة، مع ارتفاع مطرد للإحساس في الغرب بالحاجة إلى ثورة جديدة على صعيد القيم، وليس على صعيد التقنيات الحديثة فحسب.

“الخطر” الإسلامي بهذا المنظور، هو خطر على الهيمنة الاحتكارية التي يمارسها ربما أقل من ٥ في المائة من السكان الأمريكيين، الذين لا يزيد عددهم على ٥ في المائة من البشرية، على أكثر من ٧٠ في المائة من الثروات البشرية، وهم مصدر أكثر من ٢٥ في المائة من سموم البيئة، وأكثر من ٤٠ في المائة من التجارة بالأسلحة عالميا!

و”الخطر” الإسلامي بهذا المنظور هو طوق النجاة الحضاري للبشرية، داخل الولايات المتحدة الأمريكية وعالميا، ولهذا كان لا بد من اختلاق الذرائع واستخدام كل ما يمكن استخدامه لهذا الغرض، لتتحقق تعبئة الشعب الأمريكي، وراء إطلاق الحرب العالمية الأمريكية، ضد البلدان الإسلامية على وجه التخصيص، وهذا ما وضعت تصميمَه وثائق المحافظين الجدد، من قبل وصولهم إلى السلطة، ومن قبل وقوع حدث التفجيرات الكبيرة، الذي -سيان ما تكشف الأيام من خلفياته المحجوبة عن الأنظار حتى الآن- وظفوه ليكون “ساعة الصفر” للمرحلة الجديدة الأبعد من سابقاتها في مسيرة الهيمنة العسكرية الأمريكية.

نظام عالمي جديد؟

ربما أدرك الأوروبيون أكثر من سواهم، بحكم تحالفهم الطويل مع الأمريكيين، ما يكمن وراء التحرك الأمريكي الذي بدأ بحديث بوش الأب عن نظام عالمي جديد، وربما كان إدراكهم لأبعاده التاريخية والمستقبلية هو السبب في معارضتهم المبكرة لآخر حلقة من حلقاته آنذاك في حرب احتلال العراق، بعد مشاركاتهم الأولى لأسباب عديدة ما بين حرب الخليج الثانية وغزو أفغانستان.

على أن من الأمريكيين أيضا من يدرك خطورة هذا التحرك على مستقبلهم وليس على مستقبل البشرية فحسب، وهو ما يعبر عنه في وقت مبكر عالم السياسة الأمريكي جون إيكنبيري على سبيل المثال، فيقول في تحليل له في مجلة “قضايا خارجية” الأمريكية في أيار/ مايو ١٩٦٦م “ليست القضية قضية إيجاد نظام عالمي جديد، بل الحفاظ على الوضع الذي نشأ واستقر وفق التوجه الذي بدأ في الأربعينات الميلادية” أي تاريخ التحرك نحو زعامة “انفرادية” كما تطلع إليها الرئيس الأمريكي الأسبق ترومان، وصرح بها عام ١٩٤٧م.

وتبقى الصبغة العسكرية كما كانت هو المحور الرئيسي لفرض تلك “الزعامة”، تختلف الذرائع ولا يختلف المضمون، وقد “غلبت ذريعة مكافحة الشيوعية للتدخلات العسكرية الأمريكية، ولكن لا تزال ذريعة الدفاع عن المصالح الأمريكية موجودة، ومقبولة شعبيا، وقابلة للتطبيق لممارسة تلك التدخلات نفسها” كما ورد بقلم العالم الأمريكي دانييل إلسبيرج من جامعة هارفارد، في صحيفة “نويه تسوريخر” السويسرية يوم ٢٢/٣ /١٩٩٠م.

وسقطت الشيوعية فارتفع عام ١٩٩١م شعار “الإسلام عدو بديل” على لسان ديك تشيني وزير الدفاع آنذاك ونائب الرئيس الأمريكي بوش الابن لاحقا، وبقي المحور “القوة العسكرية” وليس “الأخلاق والقيم” فكان الواقع التطبيقي في بلدان أفغانستان وفلسطين والعراق وسواها، هو الجواب العملي على تساؤل طرحه المستشار السابق للرئاسة الأمريكية أويجن روستوف، عما يجب أن يصبغ معالم السياسة الأمريكية عالميا “القوة أم الأخلاق، والواقعية أم المثالية، وحماية المصالح أم نشر القيم، والأفكار التحررية أم المحافظة”!

صانع القرار الأمريكي من وراء واجهة الأجهزة السياسية، بما فيها الرئيس الأمريكي نفسه، حسم الجواب، وجعل الحروب نفسها -منذ زمن طويل- سبيلا لتمكين الأجهزة السياسية من تنفيذ القرار على قدر ما ترفع من “شعبية” الرئيس وهو يخوض الحرب، وتواكبه آلة الإعلام الكبرى في الدعاية لها وتبريرها ونشر ما يراد من صورها وحجب ما لا يراد نشره، إلا بعد أداء الغرض المطلوب من الحرب، قدر الإمكان. وقد وثقت مؤسسة جالوب لاستطلاع الرأي هذا الأسلوب بما رصدته وأعلنته، عن نقاط شعبية رؤساء “الحرب” الأمريكيين، بصورة تتناسب طرديا مع حجم ضحايا التدخلات الأمريكية، بدءا بجون كنيدي، وعملية “خليج الخنازير” ضد كوبا يوم ١٧ / ٤ / ١٩٦١م، عندما ارتفعت شعبيته بنسبة ٥ نقاط، ثم عندما أعلن حصار كوبا يوم ٢٤ / ١٢ / ١٩٦٢م فارتفعت شعبيته بنسبة ١٣ نقطة، وتكرر ذلك مع جيرالد فورد الموصوف بالرئيس الضعيف، وارتفعت شعبيته ١١ نقطة بعد هجوم عسكري على كامبوديا عام ١٩٧٥م، ثم رونالد ريجان فحصد ٤ نقاط من غزو جرانادا عام ١٩٨٣م ومثلها عند شن هجوم عسكري ضد ليبيا عام ١٩٨٦م، وزاد عليه جورج بوش الأب فحاز على ٩ نقاط بعد غزو باناما عام ١٩٨٩م ومثلها بعد حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م، وحرب فييتنام كانت الاستثناء من هذا الخط البياني الدموي، فلم تُسعف جونسون ونيكسون برفع شعبيتهما.

إن السنة التاريخية من وراء صعود “الإمبراطوريات” وانهيارها، تنطبق على الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها العسكرية وغير العسكرية، مثلما انطبقت على أمثالها -مع اختلاف الظروف الزمنية- من إمبراطوريات تاريخية، نهضت حضاريا على تراكم الإنجازات المادية والتقنية، وانهارت نتيجة “قتل الإنسان” داخليا بمختلف أساليب الاسترقاق والاستغلال القديمة -ولعل الحديثة أشد وطأة وأثقل- وبمختلف وسائل القهر العسكري خارجيا.

وإن ما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان في المنطقة العربية والإسلامية المستهدفة أمريكيا أكثر من سواها، أنه على قدر المعرفة الأعمق بطبيعة الهيمنة الهمجية الأمريكية الحالية، يزداد الحرص داخل الولايات المتحدة الأمريكية تدريجيا، وداخل الغرب عموما بسرعة أكبر، على الرغبة في الانفصال عن هذه المسيرة العدوانية، وهو ما يظهر من خلال المواقف الفكرية والإعلامية كما بدأ يظهر عبر المواقف السياسية، مع تفاوت الدرجات، وفق درجة تشابك المصالح المادية، بينما لا تزال الدول العربية والإسلامية، وكأنها حريصة أشد الحرص على الانفراد عالميا في الانصياع للهيمنة الأمريكية، دون شروط، ودون مقاومة تذكر، رغم ازدياد ظهور معالم المقاومة الشعبية للعيان.

لم يعد مستقبل الإنسان ومستقبل البشرية مرتبطا بمدى الارتباط بعجلة الآلة التقنية المادية الأمريكية، وإنما بمدى التخلص من الارتباط التبعي بآلة الهيمنة العسكرية.

وليس السؤال المطروح هو كيف ينبغي التصرف لدفع “الحضارة المادية تحت الهيمنة الأمريكية” إلى السقوط والانهيار، وإنما يجب أن يتركز على كيفية إنقاذ حصيلة التقدم البشري في مسيرة الحضارات البشرية المتعاقبة، والحيلولة دون أن تسوقها الهيمنة العسكرية الأمريكية إلى الانهيار، الذي يسبب -إذا وقع- أضرارا كبرى تلحق بالأمريكيين داخل بلادهم وبالبشرية جمعاء خارج حدودهم.

وسيبقى عنصر الإنسان وعنصر القيم الإنسانية والحضارية هو العنصر الأقوى في المعركة المفروضة أمريكيا في الوقت الحاضر، مثلما فرضتها روما قديما، ما بين مصانع الأسلحة والدمار، وبين مصانع الفكر ومحاضن القيم.

وسينتصر الإنسان والفكر والقيم، وينتصر التقدم الحضاري البشري، على المسيرة الهمجية العسكرية، آجلا أو عاجلا، ولا يُستهان هنا بالقيمة الكبيرة لموقع مأساة معتقل أبو غريب في العراق، أو موقع المآسي اليومية بفلسطين وأفغانستان، في الكشف عن طبيعة المعركة الدائرة، وقد أتت هذا المآسي في حقبة السقوط الحضاري الأمريكي، فلا يمكن أن تطويها سجلات التاريخ لعدة عقود، كما فعلت بهيروشيما وناجازاكي وفييتنام من قبل.

والله غالب على أمره، والعاقبة لمن يعلم بما يجري، فيحدد موقعه، ويعمل على طريق نجاة أهله وبلاده ومستقبله، ونجاة إنسانية الإنسان والأسرة البشرية، يحدوه الأمل الموضوعي بالنصر، ويقود خطاه العمل المنهجي إلى أن يتحقّق النصر.

نبيل شبيب

إغلاق