ثقافة ورياضةكتابات بحثية

ورقة – جوائز نوبل

وصية مخترع الديناميت وواقع تنفيذ الوصية

ــــــــــ

المحتوى

المقدمة – وصية مخترع “الديناميت” – بين النزاهة والانحياز – مفعول الثراء وغياب النساء – جائزة السلام والواقع – جائزة نوبل ٢٠٠١م لكوفي عنان

*        *        *

(نشرت هذه الورقة البحثية في موقع إسلام أون لاين يوم ٤ / ٧ / ٢٠٠٠م وأضيفت إليها المقدمة والفقرة الأخيرة قبل نشرها في مداد القلم)

للتحميل: ورقة بحثية – جوائز نوبل

*        *        *

المقدمة
كان من أبرز المنجزات العلمية التي أولتها لجان جوائز نوبل اهتمامها، ما يسمّى اكتشاف خارطة العناصر الوراثية (الجينات)، وهو التعبير الشائع إعلاميا حول حصيلة مشروع بحوث عالمية بين ١٩٩٠ و٢٠٠٠م أوصلت إلى استكمال اكتشاف ترتيب العناصر الوراثية البشرية فيما يسمى “كروموزوم” ٢١. وتوجد مخاوف من أن تؤدي الاكتشافات المتعلقة بالعناصر الوراثية إلى حافة الهاوية والسقوط في المحظور بموازين القيم الإنسانية على اختلاف المعتقدات ومشارب التصورات البشرية، إنما لا شك أيضا في الأهمية العلمية المجردة من وراء هذه الاكتشافات علما بأن الدراسات العلمية حول العناصر الوراثية بدأت في ستينات القرن الميلادي العشرين. ولا تزال الطريق مفتوحة، كما يشير تقدير حجم الإنجاز المذكور أنه يعادل وفق معيار قراءة خارطة العناصر الوراثية زهاء ثلاثة مليارات ومائتي مليون حرف (٣٢٠٠٠٠٠٠٠٠)، أي ما يوازي مضمون مجلدات موسوعة ضخمة، بينما يشبه ما انفتح أمام العلماء من آفاق جديدة وضع تلك “الكومة” من الحروف في عبارات مفيدة.

من حاملي جائزة نوبل
من حاملي جائزة نوبل

وعندما أُعلن نبأ الاكتشاف الجديد، وصل الخبر إلى ٥٣ شخصا من حاملي جائزة نوبل، كانوا يمثلون ثلث الأحياء منهم في أنحاء العالم، أثناء افتتاح مؤتمرهم السنوي الخمسين عام ٢٠٠٠م في بلدة لينداو الصغيرة الحالمة على ضفاف البحيرة السوداء، أجمل المناطق الطبيعية في جنوب ألمانيا. وعلّق كثير منهم على الحدث باهتمام كبير وإعجاب ملحوظ، ولكن لم يخل الأمر من بعض ألوان التحذير من السلبيات المحتملة جرّاء استغلال الاكتشاف الجديد لأغراض منحرفة. والمثال نموذجي لحقيقة أن الاكتشافات والاختراعات العلمية يمكن توظيفها لخير البشرية أو الإضرار بها، وهو محور ما ترمز إليه جوائز نوبل.

وصية مخترع “الديناميت”
توظيف الإنجازات لخير البشرية هو المطلوب، ويوجد من يوظفها لغير ذلك، فيسبب الضرر، بغرض المال حينا، والتسلّط حينا آخر، ودونما غاية إيجابية ظاهرة للعيان حينا ثالثا، وهذا منذ اكتشاف النار في التاريخ السحيق، حتى الكشف عن أسرار الانشطار النووي في العصر الحديث، ومنذ صناعة الهراوة في العصر الحجري، إلى اختراع الديناميت في القرن الميلادي الماضي، وكان اختراع الديناميت هذا من جانب ألفريد بيرنارد نوبل، وكان سببا في ولادة مسلسل توزيع جوائز نوبل في العاشر من كانون أول/ ديسمبر سنويا، تنفيذا لوصية العالم السويدي نوبل المتوفى في مثل ذلك اليوم من عام ١٨٩٦م. وليس مجهولا ما ترتّب على “الديناميت” الذي كان من أهم اكتشافاته، وقد بلغ عدد امتيازاتها باسمه ١٥٥ في جعبته (من أصل ٣٥٠ بمشاركة أفراد أسرته)، وأنشأ لها تسعين شركة في القارات الخمس، ولكنه أنفق جانبا كبيرا من ثروته على مزيد من البحوث، وقبل وفاته بعام واحد وبعد أن عاصر بنفسه الآثار السلبية لاستغلال بعض اكتشافاته العلمية، قرر تخصيص عائد الفوائد الربوية المصرفية من ودائعه المالية، والذي بلغ عند وفاته حوالي ٣١ مليون كرونه سويدية – زهاء نصف مليون دولار في الوقت الحاضر – بحيث يوزع على خمسة أقسام، يموّل كل منها جائزة لأفضل المنجزات عبر العام في خمسة ميادين، الفيزياء والكيمياء والطب والأدب ودعم السلام العالمي، وهو الذي ضمّن وصيته توزيع الجوائز الأربع الأولى عن طريق معاهد العلوم في السويد، والتي أصبحت تقوم بهذه المهمّة فيما بعد عن طريق أكاديمية العلوم السويدية، وطلب توزيع الخامسة لدعم السلام العالمي عن طريق لجنة نرويجية.

بين النزاهة والانحياز
“النزاهة” في عملية توزيع الجوائز مكفولة نظريا، مشكوك فيها على الصعيد التطبيقي، فمن الناحية النظرية يوجد أكثر من ٩٠٠٠ عالم في أنحاء الأرض يتابعون آخر الإنجازات ويحق لهم تقديم اقتراحات الترشيح، معظمهم من الأساتذة الجامعيين، وفيهم حملة جائزة نوبل سابقون، وتنظر في أسماء المرشحين لكل جائزة على حدة وفي منجزاتهم لجنة من كبار العلماء المتخصصين في السويد، ثم لا يُتخذ القرار النهائي إلا في أكاديمية العلوم التي ترقى إلى أعلى المستويات العلمية وتمثل مراكز البحوث ومعاهد الدراسات لمختلف الفروع.

ويصعب أمام هذه الأرقام وأمام حلقات هذه السلسلة لاتخاذ القرار، تصور وقوع خطأ كبير أو انحياز مقصود، وأول ما توحي به هذه الصورة هو صعوبة تواطؤ عدد كبير من العلماء على محاباة عالم أو مركز علمي ما، ولكن هذا التعليل ينطوي “جزئيا” على وهم، يبدأ بذكر رقم “ألوف” من العلماء في أنحاء العالم يحق لهم الترشيح، فالواقع هو أن هذا العدد الكبير لا يعني أنهم يتفقون بالإجماع أو الغالبية على جهة واحدة أو شخص بعينه، بل على النقيض من ذلك، فكثير منهم لا يشاركون بترشيح أحد أصلا، كما أن عدد المرشحين يصل سنويا إلى ستمائة شخص وهيئة تقريبا، ولا يجمع أي منهم -إلا نادرا- تأييد ما يزيد عن عشرين شخصا فقط من أصل أولئك العلماء المخولين بتقديم الترشيحات.

كذلك فمن العسير تصور أن المواصفات الرفيعة المطلوبة في الترشيح تتحقق على مستوى متقارب في “مئات” من الإنجازات المقترحة للجائزة في فرع من الفروع العلمية سنويا، وهذا ممّا يثير الشكوك فيما إذا كان الترشيح ينطلق فعلا من الاعتبارات العامة الشائعة، وهو أن يكون الإنجاز قد حقق خطوة جديدة في ميدانه، وأن يُنتظر منه تحقيق المنفعة على مستوى عالمي، ولا يستبعد بالتالي أن تلعب عوامل سياسية واقتصادية دورها، لا سيما بالنسبة إلى ترشيح العاملين في معاهد بحوث تتبع لشركات اقتصادية، فلا أحد يشك في أن حصول أحد مرشحيها على الجائزة الدولية المرموقة، يساهم في الترويج لمنتجاتها أكثر من سلسلة حملات دعائية تلفازية كبرى.
ومن الناحية المالية لم تكن جائزة نوبل في البداية مغرية كثيرا بالمستوى المعروف عنها لاحقا، فبعد جهود مضنية استمرت خمس سنوات إثر وفاة نوبل، لتحديد السبل المناسبة واللوائح التنظيمية “النزيهة” لتنفيذ وصيته عبر عملية اختيار من يحصلون على الجائزة، كانت قيمة الواحدة منها في حدود بضعة ألوف من الكرونات، أما الآن فتبلغ قيمتها زهاء ثمانية ملايين كرونه سويدية، ولكن القيمة الأكبر هي الشهرة، من الناحية الشخصية، وما سبقت الإشارة إليه من حيث استفادة الشركات من المفعول “الدعائي” لصالح تصريف “الإنتاج” المرتبط بالإنجاز العلمي.
ويوجد في عملية اختيار المرشحين عنصر آخر يثير الشكوك في مدى صحة الدوافع لوصف إنجاز ضخم بأنه هو الأفضل في السنة الفائتة، وبحيث يستحق الحصول على أكبر جائزة عالمية معروفة في ميدانه. والمقصود هنا هو أن لجنة العلماء التي ترفع قرارها إلى أكاديمية العلوم السويدية، صاحبة القرار الأخير، تتألف من مجموعة من “المسنين” الذين كان وما يزال وسطي أعمارهم يزيد على ٦٥ عاما، ويلفت النظر أمام هذه الخلفية ارتفاع وسطي أعمار الحاصلين على الجائزة، بما لا يقارن مع وسطي أعمار العلماء الباحثين في أنحاء العالم.

مفعول الثراء وغياب النساء
كثيرا ما يقع الاختيار على عالم مسؤول عن البحوث في معهد من المعاهد تحقق الإنجاز العلمي فيه، ولكن غالبا ما يكون ذلك الإنجاز قد اعتمد على جهود العلماء الشباب في المعهد في الدرجة الأولى. ويظهر ما يعنيه ذلك بصورة خاصة عند الإشارة إلى أن معظم المنجزات العلمية الحديثة، أصبح من نتاج جهد جماعي في المخابر والمعاهد ومراكز البحوث، وليس نتيجة جهود فردية، بينما لا تسمح اللوائح السارية المفعول إلى الآن بتوزيع الجائزة على أكثر من ثلاثة أفراد، ولم يؤخذ بإمكانية منح الجائزة لجهة علمية وليس لشخص عالم، إلا في فترة متأخرة.
ويتطلب التطور التقني السريع كما هو معروف البحوث الجماعية والمنظمة عبر المعاهد والمخابر الكبرى، وهذا ما بات يلعب دورا رئيسيا في ذهاب ثلثي الجوائز في العلوم الطبيعية تقريبا لعلماء مراكز البحوث الأمريكية، وذهاب القسم الأكبر من الثلث الباقي لعلماء أوروبيين، أي كانت النسبة العظمى من الجوائز على مدى مائة عام من نصيب دول قادرة على دعم البحث العلمي في مؤسّسات تقام خصيصا لهذا الغرض، وتجد التمويل الكافي، وهو ما يتناقض مع وصية نوبل الذي أراد “تشجيع البحث العلمي وتشجيع العلماء الشباب على البحث” وليس مكافأة العلماء الكبار والمعاهد العملاقة والدول القادرة.
ويبلغ الأمر مداه في الميدان الأدبي، فما تزال اللجنة القائمة عليه لا تراعي الإنتاج الأدبي بلغات لا تتوافر لأعضائها القدرة الكافية على تقويم موقعها من الإنجاز الأدبي في البلد الأم، وليس غريبا بهذا الصدد أن يكون نصيب الآداب بغير اللغات الأوروبية من جوائز نوبل منخفضا، وقد يرتفع عدد حملة جوائز الآداب من أمريكا الجنوبية، لانتشار اللغات اللاتينية هناك، بينما تغيب عن “التقويم العالمي الشامل” من جانب اللجنة المعنية آداب أمم بكاملها في الشرق الأقصى، ومعروف أنّ الأدب العربي لم يحصل في أكثر من مائة عام مضت سوى على جائزة واحدة، كانت عام ١٩٨٨م من نصيب نجيب محفوظ. وفي الانحياز في توزيع الجائزة على هذا النحو ما يتعارض أيضا مع ما ورد نصا في وصية نوبل من تأكيد ألا يكون للانتماء القومي أثر على عملية التقويم بشأن من يقع الاختيار عليه.

كذلك فأنصار دعوة “مساواة المرأة بالرجل” بمفهومها الغربي يأخذون على لجان توزيع الجوائز أن ٣٠ امرأة فقط حصلت على جوائز نوبل من أصل ٧٠٠ جائزة تم توزيعها حتى الآن (ساعة كتابة هذه السطور عام ٢٠٠٠م)، ويرفض الناقدون هنا مراعاة أن نسبة وجود المرأة في البحوث العلمية في الدول الغربية نفسها قريب من هذه النسبة أيضا، وهو ما يمكن أن يصّور جانبا من جوانب عدم إنصاف النساء على الصعيد العلمي بصورة مباشرة وليس من حيث منح الجوائز، وتشاء المفارقات أن يكون “المتحدث” الرسمي الرئيسي في افتتاح المؤتمر السنوي الخمسين المشار إليه لحملة جوائز نوبل في لينداو “امرأة”، وهي إيدلجارد بولمان التي شغلت منصب وزيرة البحوث العلمية الألمانية، وقد علقت على غياب المرأة النسبي في تاريخ توزيع جوائز نوبل، فأكدت ضرورة استدراك ذلك نظرا إلى الحاجة القائمة إلى ظهور نماذج نسائية، تشجع النساء على البحث العلمي، ويتضاعف مفعول المفارقة في أنها كانت تتحدث إلى ثلاثة وخمسين رجلا من حملة الجائزة المجتمعين في المؤتمر، وليس فيهم امرأة سوى “الناطقة” باسم المؤتمر، الدوقة صونيا بيرنادوت، التي خلفت زوجها في هذا المنصب فحسب، وقد أعلنت في المؤتمر عن تشكيل “مبرّة” لتأمين تمويل استمرار هذه المؤتمرات في المستقبل بصورة منظمة بدلا من البحث عن التبرعات لها سنويا.
على أن المهمة الأكبر التي أراد المؤتمر الخمسون تحقيقها كما قال المشاركون فيه هي دعم العلماء الشباب، لا سيما بعد أن لعبت التقنية الشبكية دورا حاسما في انخفاض وسطي أعمار الباحثين فيها والعاملين في “مخابرها” في الشركات، بينما كان معروفا أن معاهد البحوث نادرا ما تفتح أبوابها لمن لم يبلغ الأربعين من عمره. ولتحقيق هذه الغاية لم يقتصر مؤتمر لينداو على جمع العلماء الكبار من حملة الجائزة، بل استضيف أكثر من ٦٠٠ شخص من أساتذة الجامعات والطلبة، لفسح المجال للحوار المباشر حول مختلف الميادين العلمية.

جائزة السلام والواقع
يبقى السؤال الأهم هو عن أثر ذلك على أرض الواقع، وقد يشير إلى جانب من الجواب أن مؤتمر نوبل الخمسيني انعقد لمدة خمسة أيام في لينداو قرب الحدود السويسرية، أي على بعد ساعة سفر بالسيارة من مدينة جنيف، حيث انعقد بصورة متزامنة معه مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية الاجتماعية، وكان حافلا بشواهد مأساوية على أن مسيرة التقدم العلمي والتقني والإلكتروني الكبرى عبر أكثر من مائة عام مضت، ما بين اختراع “الديناميت” والكشف عن “خارطة العناصر الوراثية” كانت ترافقها تلك المسيرة الخطيرة على الأصعدة التطبيقية، والتي جعلت أكثر من عُشر البشرية ينامون جياعا، وأكثر من الثلث دون حدّ الفقر المدقع، وأكثر من النصف دون حدّ الفقر الذي يقاس بتحصيل دولارين في اليوم وسطيا، وهو النصف الذي يعدّ ثلاثة مليارات نسمة ولا يملك من ثروات “الأسرة البشرية” سوى ما يعادل ما وصلت إليه ثروات أقل من ٤٠٠ شخص من أصحاب المليارات في الشريط الشمالي من عالمنا المعاصر، الحافل بالتناقضات والمآسي.
هذا أيضا ممّا يضع جائزة نوبل للسلام في قفص الاتهام قبل سواها من الجوائز الأخرى المخصصة للعلوم والآداب، وقد كانت بالفعل موضع خلاف شديد وانتقاد كبير على الدوام، ولاسيما من حيث العوامل التي تدفع إلى اختيار المرشحين لها ثم الانتهاء إلى أحدهم أو بعضهم، لا سيما بعد أن سرى – في حقبة الحرب الباردة – في اللجنة النرويجية المسؤولة عنها مبدأ جديد يوسع دائرة اعتبارات منحها ليشمل الذين “تتوقع” اللجنة من إنجازاتهم أن يفضي فعلا إلى دعم السلام العالمي، وهو تعليل يواري الرغبة في التأثير على صناعة الحدث على ساحة الحرب والسلام بدلا من الاكتفاء بمكافأة من ساهم في دعم السلام فعلا عبر صناعة الحدث بعد تحقيق النتائج. وهذا مع ملاحظة أن تعبير “السلام” – وإن وُصف بالعالمي – يبقى عند لجنة النرويج محصورا بالتفسير الغربي للكلمة، سيان كم ظهر فيه من انحياز عن مبادئ الشرعية الدولية، أو تأثر بعوامل عنصرية ومصلحية، ولكن شهد تاريخ منح جائزة نوبل للسلام حالات شاذة عديدة، وأمثلتها معروفة عموما، فلا تحتاج إلى حديث إضافي في هذا الموضع.

جائزة نوبل ٢٠٠١م لكوفي عنان
(فقرة إضافية على النص الأصلي من عام ٢٠٠٠م)

مثال على ما سبق منح جائزة نوبل مناصفة لهيئة الأمم المتحدة وأمينها العام كوفي عنان، وعللت اللجنة المسؤولة ذلك بجهود نشر السلام في أنحاء العالم، وجهود تطوير المنظمة الدولية، وقد سجل عام ٢٠٠١م آنذاك مرور مائة سنة على الشروع في منح جوائز نوبل سنويا.
في العام نفسه كانت أجواء الحرب هي المسيطرة على أحداث الساعة، والواقع أن هذه الأجواء كانت مسيطرة في السنوات السابقة أيضا بدرجات متفاوتة، وهيئة الأمم المتحدة التي أقيمت بعد الحرب العالمية الثانية، إنما أقيمت في الدرجة الأولى لضمان السلام العالمي والأمن الدولي، ولا يبدو أنها قادرة على وقف الحروب وضمان السلام، فما الذي حدا باللجنة المسؤولة في أوسلو إذن إلى تخصيص جائزة نوبل للسلام للأمم المتحدة وأمينها العام؟
لا ريب أن مثل هذا السؤال كان في ذهن جير لانندستاد، رئيس اللجنة، عندما قال في حديث صحفي، إن المنظمة وأمينها العام كانا مرشحين للجائزة من قبل اندلاع الأحداث التالية نتيجة عمليات التفجير في واشنطون ونيويورك. وأعرب عن أمله أو تمنيه لو كان للمنظمة الدولية دور أكثر فعالية في أفغانستان، ولكنه أضاف أن الجائزة يمكن أن تكون دافعا للعمل بكفاءة أكبر على هذا الصعيد.
وهذا ما يشير إليه تعقيب مانويل دي آلميدا إي سيلفا، الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، حول الخبر بقوله “بالطبع، نحن نفكر أن هذا يأتي في فترة تتحرك فيها المنظمة وأمينها العام بنشاط في ميادين عديدة، ونسعى للتوصل إلى اتفاقات في قضايا مختلفة، وتعترضنا مشكلات كبيرة. والأمم المتحدة هي المكان الذي يمكن التوصل فيه إلى حلول لتلك المشكلات، وفي هذه الحالة يأتي مثل هذا القرار ويكتسب في اعتقادي شخصيا أهمية كبيرة في إعطاء دفعة إلى الأمام، إنه إقرار بوجود رجال ونساء في المنظمة قادرين على التوصل إلى تلك الحلول”.

ولكنّ الأصل في جائزة نوبل للسلام أنها كانت تمنح تقديرا لجهود تحققت بالفعل، وليس كدافع مشجع عليها، بل كان ذلك بالذات من نقاط الانتقاد الموجهة إلى لجنة أوسلو في السنوات الماضية من تاريخ منح الجائزة منذ مائة عام.
وتحمل الجائزة اسم ألفريد نوبل، وبعد خمس سنوات من وفاته، عندما أمكن التوصل إلى قواعد رئيسية لمنح الجائزة، كانت الجائزة الأولى عام ١٩٠١م من نصيب مؤسس هيئة الصليب الأحمر الدولية جان هنري دونانت من سويسرا، ومؤسس رابطة السلام فريديريك باسّي من فرنسا.
ودرجت العادة في السنوات التالية على تخصيص الجائزة لمن يحقق منجزات بارزة في دعم السلام بين الشعوب والدول في أنحاء العالم، كما كان مثلا عام ١٩٢٦م عندما حصل عليها وزيرا الخارجية الألماني جوستاف شتريسمان والفرنسي آستريد برياند لقاء جهودهما في تحسين العلاقات بين البلدين بعد الحرب العالمية الأولى. ويسري شبيه ذلك على منح الجائزة عام ١٩٧١م لفيلي براندت، المستشار الألماني الأسبق الذي نجح في كسر الحلقة المفرغة للحرب الباردة وفتح أبواب التفاهم مع الدول الشرقية لأول مرة.
وبالمقابل وجدت اللجنة انتقادات شديدة بسبب منح الجائزة لبعض الشخصيات المختلف عليها، مثل هنري كيسينجر، فقد منح الجائزة عام ١٩٧٣م لقاء اتفاقية السلام التي توصل إليها لإنهاء حرب فييتنام، ولكن بعد أسابيع معدودة كان له دور رئيسي في إسقاط الرئيس التشيلي السابق سلفادور آلينده.
وقيل شبيه ذلك بصدد منح الجائزة عام ١٩٩٠م لآخر رؤساء الاتحاد السوفييتي ميشائيل جورباتشوف، فرغم ما حققه من خلال ثورته السلمية على الشيوعية في بلده، يؤخذ عليه موقفه المتشدد من مساعي الاستقلال الذي تطلعت إليه الجمهوريات التي كان الاتحاد السوفييتي يضمها آنذاك.
جاير لونديستاد، مدير معهد نوبل المسؤول عن لجنة منح الجائزة، يدافع عن قراراتها هذه وأمثالها بقوله إن منح الجائزة يتم بناء على تحقيق إنجاز معين في اتجاه السلام، بغض النظر عن العوامل الأخرى ذات العلاقة بمن تُمنح لهم الجائزة.
النبأ الذي وصل إلى الأمم المتحدة بشأن منحها الجائزة عام ٢٠٠١م، أثار سرورا كبيرا وضجة كبيرة أيضا، ومن المنتظر أن تستمر الضجة، وهذا معتاد من قبل، كلما منحت الجائزة لأحد السياسيين المعاصرين، رغم ذلك قد تغلب آراء التأييد التي ترى أن الجائزة يمكن أن تدعم بصورة خاصة موقع الأمم المتحدة على ساحة صناعة القرار الدولي، بعد أن أصبح النظام الدولي قائما على الصراع حينا والزعامة الانفرادية الأمريكية حينا آخر، وربما بقي بعض جهود كوفي عنان بصورة خاصة، موضع خلاف، وهو ما سبق أن علّله على الدوام بأن المنظمة لا تصنع القرار وإنما هي الساحة التي تجتمع فيها القوى الدولية القائمة على ذلك، ولكن عنان كان يجد التقدير على أكثر من صعيد أيضا، من ذلك أنه فتح الأبواب بصورة خاصة أمام مزيد من الاهتمام الدولي على صعيد القارة الافريقية وما تعانيه من مشكلات الفقر والجوع والمرض والصراعات المزمنة، كما يقدّر المجتمع الدولي ما سعى إليه لفتح أبواب المؤتمرات الدولية للمنظمة أمام المنظمات غير الحكومية، لتشارك في التأثير على الرأي العام العالمي وبالتالي على صناعة القرار الدولي.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى