مختارات – نماذج من كتابات الطالبة المدوّنة طل الملوحي

مدوّنة سورية ابنة ١٩ عاما في المعتقل خوفا من قلمها

يمكن تأريخ بدايات الثورة في سورية بتاريخ اعتقال الصبيّة المدوّنة طل الملوحي

ــــــــــ

مقدمة
فيما يلي نماذج معدودة من كتابات طل الملوحي، الصبية المعتقلة، والأيقونة الأولى لثورة سورية؛ فمن المؤكد أن اعتقال الطالبة الصبية والمدونة الشبكية يوم ٢٧ / ١٢ / ٢٠٠٩م قد فجّر الثورة بما فجره من مشاعر الإخلاص والإباء في صدور كثير من جيل الشبيبة، عبر المدونات الشبكية، ثم في مظاهراتهم السلمية طلبا للحرية والكرامة. وبعد الاعتقال الجائر صدر حكم جائر فاسد بالسجن لخمس سنوات من جانب جهاز “قضائي!” قمعي فاسد، وكان ذلك يوم ١٥ / ٢ / ٢٠١١م، أي قبل زهاء أربعة أسابيع فقط من انطلاق الثورة.

وإذ يتكرر نشر تلك النماذج الآن، فمع التأكيد أن جميع ما ورد فيها من أشواق للتحرر من الاستبداد ولتحرير الإنسان والأرض في بلادنا من ألوان الاستغلال والاستعباد، ما زال مصدر وقودا لعزيمة الشباب وإبداعاتهم، ولمواصلة العمل من أجل التغيير بكل سبيل، حتى يتحقق التغيير، فهو الخيار الوحيد أمام شعوبنا وبلادنا للخلاص من الظالمين الآثمين.
وقد جاء في المقدمة لتلك النماذج عند نشرها في مداد القلم يوم ١٩ / ٣ / ٢٠١٠م:

عجيب أمر بقايا الحكم القائم في سورية حقا!
إذا كان مستقرا كما يزعم، وكان يتمتع بالتأييد الشعبي كما يزعم، وكان لا يخشى من قوة خارجية ولا معارضة داخلية كما يزعم، فما الذي يضيره ما يقوله أو يكتبه قلم كاتبة مثل طلّ الملوحي في التاسعة عشرة من عمرها، على مدونة، ربما لا يتجاوز عدد قراء ما يُكتب فيها العشرات أو لنقل المئات أو حتى الألوف؟
أو ماذا يضيره موقف شيخ جليل يناهز الثمانين، كشيخ الحقوق والقانون الدولي وحقوق الإنسان في سورية، د. هيثم المالح، ليضعه وراء القضبان؟
وإذا كان ذاك الذي لا يستحق كلمة “نظام حكم” يشهد لنفسه بالقوة والاستقرار والوطنية والعروبة والمناعة، فعلام يمارس تلك الاعتقالات وجميعها شهادات تنقض مزاعمه؟
إن الحريات والحقوق عماد الوجود السياسي، والقوة السياسية، وعماد القدرة على التصدي للأخطار الخارجية، وتحقيق المنجزات الداخلية، وإن لسورية أرض الوطن تاريخها العريق المجيد، ويستحيل اعتقالها في حقبة استبدادية قصيرة، وسورية هي أرض الوطن الذي تملكه طلّ الملوحي وهيثم المالح وأمثالهما.

*          *          *

طلّ الملوحي التي أثارت خوف السلطات في سورية المعتقلة منذ عقود كان من كتاباتها في مدونتها يوم ١٩ / ١ / ٢٠٠٩م، أي وهي في الثامنة عشرة من عمرها:

(يا أخي الإنسان..
يا توأم كل واحد من البشر، يا من تعمر هذا الكون، أنت مثلي، أين ما كنت، تحبّ ما أحبّ وتكره ما أكره..

أحبّ أن تعيش في سلام وأمن وأمان..
أحب أن أراك مشرقا دائما بابتسامة تملأ الكون حبا، وتملأ النفوس بهجة..
يا أخي الإنسان..
أين ثقافة الحب التي أمرتنا بها شرائع الله؟!
أين ثقافة التكامل والتضامن بين الإخوة في الإنسانية؟!)

*        *        *

ومن كتاباتها:

(أخي الانسان..
أينما كنت أنت توأم نفسي وحديث روحي..
أنظر إليك بكل الحب، وأصافحك بمنتهى الصدق، أقبلك قبلة الطفلة البريئة، قبلة الأم الحانية، قبلة الأخت الودود..
إنّ عمري لم يسمح لي بعد بقراءة حقوق الإنسان ولكن فطرتي التي خلقني الله عليها تقول لي: لي الحق في الحياة من غير تهديد، لي الحق أن يكون لي عائلة تعتني بي، لي الحق في منزل يأويني، لي الحق في الهواء، لي الحق في الغذاء، لي الحق في الكساء لي الحق في العلم والمعرفة..
يا أخي الإنسان..
إننا نتطلع دائما إلى المستقبل، مستقبل يعيش فيه النساء والرجال والأطفال أحرارا، يتوافر فيه العمل، ويتوافر فيه الأمل بغد أفضل، وتتوافر فيه الحرية لبني البشر).

*        *        *

ومن كتاباتها (يوم ٦ / ٩ / ٢٠٠٩م)

القدس سيدة المدائن
سلام.. على أرض السلام
سلام على الأرض التي باركتها الأنام
سلام على الروح الأمين.. على ريش أجنحة حملت الى سَماكِ وصايا كل الأنبياء
سلام.. على نرجسة، فراشة عربية، وشذا رحيق، حديث الروح للأرواح.
يا قدس، يا شام.. يا سنبلة الحياة.. يا شذا الطين وأزهار البرتقال، يا صوت مطر الخير، يا طعم الخريف، يا مسار النسيم الهادي..

يا أنا.. وأنت، يا دمي العربي..
يا نجمة بيني وبينك تضيء القدس من لحمي ودمي، من محيطي الى خليجي، من قبل أن يسلمنا الأهل
إلى الغزاة.. الى ملوك تربعوا على نعشي.. والمعزّون سبايا من ذلك الزمن الهشّ.
يا قدس.. هل ضاعت هويتنا
هل ما يدلّ على هويتنا.. سوى دمنا؟
دمنا الذي يتسلق البخار.. دمنا الذي سفكه ألفُ ألفِ جلاد..
دمنا الذي كتب على جلودنا الآيات “سبحان الذي أسرى بعبده..”
والمعزّون سبايا.. والكل ينشد في الخفاء:
من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى”

من المحيط الى الجحيم
نصبوا المشانق من جديد
لكل فجر.. آت من بعيد
ولكل مشنقة مليون واحد من العبيد..
فالفجر لن يشنقنا
والسيف في غمد قديم
وعنق النخل ملويّ..
وعمر.. في سفر بعيد!
مرّ المحارب من هنا
يحمل في قلبه الوصايا
يحمل عشقا على أغصان من جديد
يمشي نحو أغنية بعيدة..
يمشي ويمشي إلى الحرية
فتحاصره كل زجاجات الخمر المستوردة!
دم كثير.. هزائم.. في كل ركن.. في الزوايا.. في براعم الليمون.. في أولاد الحكاية
فيمن يسمعون.. ويولدون.. ويموتون..
خدّج.. في الحاضنة.. لا زالوا يتنفسون.

*        *        *

وإننا لنخاطب طل الملوحي وراء القضبان، بكلماتها التي تقول:

إلى السّجين الحرّ
لا يضير النسر أسر
ولا يضيره سجن
فهو الطليق
وأنتم السجناء
فيكفيه في حبسه
أنه الحر الأشمّ
ويكفيكم من سجنه
أنكم الطغاة
فروح الحر تلهم
وإن حُبست الأجساد
وبغاث الطير
من جبنها تستنسر
ما ضرّت القضبان حرّا وراءها
فالحر حرّ
والنسر نسر
والعبد عبد

طل الملوحي

إغلاق