مختارات – قراءة في “زغاريد السجون” بقلم ريما حاج يحيى

ديوان شعر لشيخ الأقصى الجليل "رائد صلاح"

رائد صلاح: لأني عشت لا أحني جبيني إلا لله.. من ديوان “زغاريد السجون”

ــــــــــ

مقدمة الكاتبة مختصرة:

عرفته منذ نعومة أظفاري سماعاً ثم رؤيته مرات كثيرة عن بعد، واستحوذ اهتمامي كما الجميع بشخصيته الفذة ومعاملته الطيبة وعِلمه الكبير ونضاله المقدس في سبيل الله ولأجل القدس.

شيخنا الجليل متزوج وأب لاسرة كبيرة، ثمانية أولاد وبنات حفظهم الله، عانوا معه ولأجله في مسيرته المضيئة وخاصة في سجنه ظلما دون مبرر! فولد له طفل وتزوجت ابنته الكبيرة وهو يقبع خلف قضبان الاحتلال والظلم.. ولا يزال يعاني من السلطات الإسرائيلية بكل الأساليب وبكل نشاط له بنظرها مشبوه!

ولنتعرف أكثر على شيخ الأقصى المجاهد كشاعر وقلم شامخ.. نغوص في عالم كلماته النابض حرية وصدقاً فهو يقرض الشعر منذ أكثر من عشرين سنة ضد الاحتلال الظالم، ولأجل الأقصى.

أتطرق إلى مجموعته الشعرية “زغاريد السجون” والتي عبر زغاريدها وقصائدها المميزة تحدث عن حياة الأسير وظلام ليله وآماله، ومشاعره، من فرح وحزن وشوق وما يدور في خلده تجاه أقرب الناس، وأولاً عن لجوئه وتقربه إلى الله وتمسكه بحبل الإيمان والصبر على مكاره الدنيا ومصائبها، غير آبه، صامدا هو ورفاقه الذين اعتقلوا معه، وجميعنا تقريباً نعلم معاناة السجناء الأمنيين.

نبعت “زغاريد السجون” معبرة بقوة وتأثير عالٍ وبلاغة بالوصف واللغة بشكل رائع وعميق يمس إحساس كل إنسان ذي ضمير واعٍ وقلب رحيم.

ما يسمى بـ “أدب السجون” لم ينل حقه جيدا من قبلنا وفي العالم العربي أيضاً، رغم بروز بعض الشعراء المعاصرين حيث أبدعوا فيه.

هذا ولم ينسَ شيخنا عشق الوطن والدين والقدس والمقاومة بالطرق السلمية لأجلها، فهو لم يحمل سلاحا، لكنه وفي كلمة له: سلاحنا هو إيماننا بالله وبقضيتنا العادلة وصبرنا وكفاحنا لأجل نيل حقوقنا.

ومن الجدير ذكره أنه المبادر الأول لـ “مهرجان الأقصى في خطر”، وفي إحدى المرات لم يكن موجودا، كانت الأجواء حزينة ومختلفة، لكن أهالي أم الفحم الكرام أعطوه ولو جزءا من حقه بعرض فيلم عنه ورسالة صوتية مسجلة وغيرها من العروض والكلمات التي حيته ورفاقه في سجون الظلم والظلمات! لكن الفجر سيشرق يوما ويظهر نور الحق على الكون باذن الله. وإليكم بعض هذه القصائد التي كنت أقرؤها أول بأول عبر مجلة “الصراط” في حينه.

ريما حاج يحيى

*       *       *

لماذا أنا في قفص الاتهام؟!
لأني المسلم العربي والحر الفلسطيني
لأني قابض دوما بلا خوف على ديني
لأني الدرع للأقصى ودمع القدس يبكيني
وحامي المهد من علج بنار الحقد يكويني
لأني الصابرُ المغروزُ في دربي بلا لينِ
ومنزرعٌ طودا بأرضي أروي زيتوني
لأني الكافلُ الحاني على أيتام قَفّينِ
ونابلسٍ وطوباسٍ وطمُّون وبُرقينِ
لأني حامل خبزًا لغزة والمساكين
وراعي المرضى وصرخات الملايين
لأني الغائث الباكي على المساجين

وبسمتي تعلو على دمعات الحزينِ
سبوني ثم ساقوني إلى ليل الزنازين
ونادوني أصولي وإرهاب وغلوني

*       *       *

لأني عشت لا أحني جبيني إلا لله
وبعت الدنيا لا أرجو بريق المال والجاه
لأني صحتُ يا شعبي كفاكم عيشة اللاهي
كفاكم عيشة الغافي وعيش العابث الساهي
لأني صنتها نفسي عن الزُلفى إلى الشاه
وصنتُ الأرضَ طيبة وخيرَ الزادِ للطاهي
لأني قدت أولادي إلى فجر لنا زاهي
وخيرُ الرسل قدوتنا وربي الآمرُ الناهي
لأني شدت منزلا متين الركن لا واهي
يطيع الله تواباً طهورَ القلب والفاه
لأني سرت مع حزب نقي الصف أواه
نصير الحق مغور ليعلي راية الله
سقوني المر مصلوباً كخباب وجهجهاه
وشدوا القيد في رجلي لكي أبكي من الآه

*       *       *

لأن الأرض ميراثي وماء البحر والنهر
وسفحَ الكرمل العالي وترب السهل والغور
لأن التين والزيتون أطلالي مدى الدهر
وريح الزعتر الشافي وغابات من الصبر
لأن القمح من زرعي ومن نبعي ومن بذري
وزهر اللوز والبرقوق والليمون من زهري
لأن الفل والحنون والريحان من عطري
وريح النرجس الزاكي وعود الند والسدر
وهذا الليل إن ولى يلوح معطرا فجري
لأن الدم من جرحي يروي نسمة النصر
ونور الصبح من صبري على المحتل والجور
رموني اليومَ مشدوداً بأغلال من القهر

*       *       *

إلى شهداء هبة الأقصى الـ13
السجن والقضبان للعدم

وزحوف جند الله للقمم

قد هل حرّا شامخ الهمم
فتقدموا يا صفوة الأمم
يا إخوتي الشهداء بالقلم
قوموا ارفعوه مخضبا بدم
في القدس رغم القهر والألم

*       *       *

يا ويح قلبي اليومَ يا فزعي
لما نعاك الأهل في جزع
صاحوا (علاء) قامع البدع
قتلته غدراً عصبةُ الصرَعِ
إذ صحت فيهم دونما هلع
شعبي يموج اليوم في الوجع
فرموك بالنيران كالقزع
فصعدت نحو الحور في طمع
في مجلس بالطيب مرتفع

*       *       *

من يجيب القدس؟!
القدس تسألنا أليس لعفتي حق عليكم؟

أنا في المذلة أرتمي يا حسرتي ماذا لديكم؟
أنا في المهانة غارق حتى متى أسفي عليكم!
ومتى تثور زحوفكم وتجيبني: جئنا إليكم!
يا عاركم من ذي التي عن نصرتي شلت يديكم؟

*       *       *

يا أمتي والقدس في صرخاتها هل من جواب؟
ماذا نقول لربنا والآن تنهشها الذئاب؟
والآن تنبحها بليل أو ضحى سود الكلاب

*       *       *

قوموا إلى القدس الشريف مهللين مكبرين
من كل أرض أقبلوا بخطا البطولة واليقين
رغم اللئام تقدموا والله خير الحافظين
لا عذر فينا للحيارى والجموع اليائسين
والخزي كل الخزي ثم العار للمتخلفين

*       *       *

أنت فينا يا أخي الرمز
جدد الإيمان في القلب ولا تخشَ العدا
واستقم في الدرب حراً شامخاً لبِّ الندا
لا تقل لي يائساً ضعنا مع الدرب سدى
أنت فينا يا أخي الرمز على طول المدى
أنت دوماً في سبيل الله عنوان الفدا

*       *       *

إهداء إلى طفلي الوليد
صلاحَ الدين يا ولدي

رعاك اللهُ يا كبدي

هلا أشرقتَ مولوداً
كصبح مشرقِ المَدَدِ

وصِحْتَ بكل ظلامٍ
لدى ميلادك الرغدِ

لماذا لا أرى قربي
أبي يحن على جسدي

لقد أُخرجتُ للدنيا
بحفظَ الواحدِ الأحدِ

بلا ضحكٍ على ثغري
ولا فرحٍ بها بلدي

وجدتُ الكل يبكيني
بدمع الهمِّ والكَمَدِ

كأني الميتُ في مهدي
أو المذبوحُ في جَلَدِ

صلاحَ الدين لا تحزنْ
فليس الظلمُ للأبد

وصِحْ حُرًّا بلا قيلٍ
ولا قالٍ ولا لَدَدِ

أنا المولودُ في مهدي
أنا للمجد كالعمد

أنا زحفٌ إلى الأقصى
بلا حصر ولا عدَدِ

أنا الأذان في عكا
أنا الرمانُ في صفد

أنا الليمونُ في حيفا
وزهرُ الكرملِ الأسد

إغلاق