أفياء الأدبأهلا وسهلا

شجون – الأقلام بين جيلين

فسحة للعمل قبل الرحيل

ــــــــــ

في الأيام القليلة الماضية استعصت كتابة شيء جديد أكثر من مرة على قلم يناهز عمره في عوالم الكتابة الستين من الأعوام، ورغم الرجوع – كما اعتاد من قبل – إلى متابعة ما يكتب سواه من جيله فقد استعصى عليه استلهام جديد يضيف إليه رأيا جديدا.

هو من جيل من الأقلام أعطى ما أعطى، إنما ازدادت فيه نسبة من يساهم في نشر التيئيس على خلفية تكالب الأمم على قصعتنا، ويأبى القلم المشاركة في يأس أو تيئيس..
وازداد فيه عدد من لا يتركون أمرا جانبيا إلا ويقلبونه على ألف وجه ووجه حتى يتضخم فيبدو أمرا شائكا كبيرا..
وبين أيدينا قضايا كبيرة جليلة متشابكة لم تعد تجد بين الأقلام العتيدة من يساهم في طرحها ضمن مشهد شامل تحيط به الأبصار والبصائر ومن ثَمّ توضع تفاصيله في مواضعها بدلا من الاستغراق في كل منها على حدة دون رؤية ما يجعل منها لوحة أحداث وتطورات فسيفسائية يتداخل بعضها في بعضها الآخر..
وكم أصبح بيننا من ذوي الأقلام الموصوفة بالحكمة والحصافة من يجيد الدعاء، فيتفنن في إضافة الجديد على المأثور، مع ندرة من يضيفون إضاءات مبدعة على جانبي طريق العمل مع الدعاء، وهذا رغم الاقتناع بأن المأثور الموجز أعمق تأثيرا من المسهب المطوّل، وأن الإنجاز يقاس بالأعمال مع الأقوال..
ولو استرسل القلم في تعداد الأمثلة لغرق أكثر وأكثر في متاهات واقعنا في عالمنا وعصرنا.

نكتب ونخطب منذ عقود وعقود، وحالنا اليوم أشبه بحالنا قبل عقود وعقود ومن جوانبه ما أصبح أسوأ مما مضى وأخطر..
ونحمد الله أن سبقنا أبناؤنا وأحفادنا في ثورات تغييرية لم نصنعها، ونرجو أن ينتقلوا بها من مراحلها الأولى إلى مراحل تالية تتطلب رؤية أبعد وأسمى، وجهدا أكبر وأدوم، وعزيمة أمضى وأعظم، وعطاء أفضل وأشمل، وثقة في النفس أثبت وأعمق..
ونحمد الله أن سبقونا أيضا في استخدام تقنيات لم نفهمها، وفي تحصيل كفاءات لم يبلغ سوى القليل منّا مثلها، ونرجو الله أن يبلغوا فيها وفي سواها مراتب متقدمة وإبداعات متتابعة وتخصصات متكاملة وإنجازات ظاهرة للعيان نافعة للإنسان وقضايا الإنسان..

وانتظروا ولا يزالون أن يوقد بعض أقلامنا مشاعل هداية وتنوير، دون أنانيات ومناكفات..
وانتظروا ولا يزالون من يطرح رؤى مشتركة ومخططات قويمة على قواعد متينة من قواسم مشتركة..
وانتظروا ولا يزالون من يتلاقون على مناهج سليمة وخطى عملية وقيادات حكيمة..
وانتظروا ولا يزالون أن تتطور مؤتمراتنا فيظهر فيها حصاد أعمالنا وتتطور مراكز دراساتنا وبحوثنا فتصبح منارات لتنسيق جهودنا وتكامل إنجازاتنا، وتتطور نفوسنا فتعمل على تعزيز ما يمكن تحقيقه فيما بقي من فسحة لعمل تغييري فاعل، وليت ما كان من ذلك يصل إلى مستوى يريح ضمائرنا بعد أن أوشك جميعنا على الرحيل عن عالمنا.

إن جلّ ما يمكن إنجازه فيما بقي من طاقات وقدرات لدى جيلنا هو دعم جيل من الشبيبة بدأ المسير على طرق العطاء من مواقع الفكر والأدب والعلم والإدارة والتأهيل والتوجيه، نرجو أن يزداد تأثيرها يوما بعد يوم وفي مجال بعد مجال، وليتنا نعمل كما ينبغي لنسلّم ما بقي في أيدينا من ذلك لأيدي سوانا، وسوف يستلمون ذلك على كل حال ذات يوم، وقد نحسبه يوما بعيدا وهو قريب، جدّ قريب، فلا أقلّ من الإسهام بما بقي من قدرات لتعزيز مواقع بناء المستقبل على أيدي المخلصين من الأبناء والأحفاد، عسى ينزل بعض ذلك في صفحاتنا من بعدنا، مما يُنتفع به ويعوّض بعض قصورنا، أو قد يدفع من يأتي بعدنا إلى دعوة في ظهر الغيب، كم ذا نحتاج إليها يوم الحساب، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى