رؤية – مع يوم العمال إسلاميا

بين أفكار التنظير والغياب عن الواقع

انفصام خطير بين إنتاج فكري تجمعه أغلفة الكتب وجدران مراكز البحوث وبين الرؤى المحركة والتخطيط الهادف والآليات الفعالة

ـــــــــــ

كان في مقدّمة إرهاصات انهيار الشيوعية في الشرق ثورة “عمال” بولندا على نظام شيوعي زعم لنفسـه تجسيد “ديكتاتورية العمال”، ورغم كثرة من تنبأ من مفكري الغرب بانهيار الرأسمالية أيضا قال من قال إنها انتصرت وانعكس ذلك في واقع العالم بازدياد تشددها على حساب العمال وسواهم من الفئات الأضعف ماديا في المجتمعات الغربية، وخارجها في إطار تسارع خطى “العولمة” عالميا. وينبغي فهم الحديث عن انهيار محتمل بأنه الحديث عن ضرورة التخلص من تغييب “التخلف” الخطير في التعامل مع الإنسان وإنسانيته وقيمه وأخلاقه وحرياته وحقوقه، أما “التقدم المادي والتقني” فلا شك في أهمية استمراريته، فهو إرث بشري مشترك وينتقل عند التحولات التاريخية الكبرى من وعاء قيمي حضاري إلى آخر.
ولكننا نرصد عند الحديث عن انهيار رأسمالي محتمل كيف يسارع المسلم المتحمس لدينه بالحديث عن بديل حضاري إسلامي، كذلك المسلم المتخصص ببعض جوانب الشريعة، يقول إن الإسلام هو البديل الأصلح في كل مجال.. ولكن نجزم جميعا بأنّنا لا نرى بأعيننا وواقع العالم حولنا النموذج الإسلامي العملي وما نذكره تحت عنوان “البديل الأصلح”.

يعلم أكثرنا السبب، لا سيما وأننا نردد في ميدان العمل والعمال مثلا – وهو موضع الحديث هنا – أن البديل لا ينشأ عبر حماسة عاطفية فقط ولا نتيجة معرفة مجردة فحسب، بل ينبغي أن توجدا معا وأن يقترن بهما وجود عمل جادّ هادف لإيجاد البديل عبر الإنتاج وعبر عطاءات متنامية ومتراكمة، وهذا وفق سنن الله في خلقه، كي تتجسد الحصيلة في واقع مشهود ملموس.

نعلم بوجود رؤية إسلامية حول جوهر قضايا العمل والعمال بل وحول كثير من التفاصيل أيضا، مما تحدث عنه وكتب فيه المفكرون، وتناوله المتخصصون، وليس المقصود بذلك العصر الذهبي للاجتهاد والتدوين، أو في العصور التالية له في ظل التطور والتقدم حضاريا، بل المقصود في عصرنا الحاضر أيضا ومنذ عقود. وتوجد أمثلة عديدة، منها دون الاستغراق في التفاصيل:
– ما طرحه الدكتور عماد الدين خليل في كتابه “مقال في العدل الاجتماعي” في السبعينات من القرن الميلادي العشرين، أي من فترة شهدت الاشتراكية فيها ذروة اندفاعتها عسكريا وحزبيا في عدد من البلدان العربية، وكانت تمسك بناصية مراكز العلم والفكر والثقافة والفن والإعلام وتزعم لنفسها احتكار كل ما يتصل بالعدالة الاجتماعية.
– ما طرحه قبل ذلك ( في الستينات الميلادية) الأستاذ محمد فهر شقفة في كتابه “أحكام العمل وحقوق العمال في الإسلام” فأوجز بين دفتيه رؤوس القضايا التي يعبر العنوان عنها، مع بيان تكاملها وشمولها وتوازنها.
كما صدرت من قبل ذلك ومن بعد كتب ودراسات عديدة، تحفل بها المكتبة الإسلامية، فلم ينقطع العطاء الفكري القيم، ولا انقطعت المؤتمرات والندوات حول الموضوع نفسه.

لا يختزل النموذج الإسلامي على صعيد العمل والعمال في “فكر وتنظير”، ولا يستهان بما وجد من ذلك وهو كثير، وعلى حد تعبير الفيلسوف الألماني المعاصر “رالف دارندورف” أصبحت هوية الفرد مرتبطة بالسؤال: ماذا أعمل، ليحدد: من أنا!
وربما لو أراد قلم من الأقلام إضافة بحث جديد، لن يخرج عن تكرار ما سبق نشره، وإن اختلف القالب والأسلوب، وهو – كمن سبقه – يستمد ما يريد قوله مما ورد في القرآن الكريم أولا، عن العمل والعاملين والاستئجار والأجير وغير ذلك، مرورا بما رسّخته السنة المطهرة، القولية والعملية، من قواعد ومثل، ومن أشكال تطبيقية كانت في الذروة من حياة البشرية آنذاك، وانتهاء بما استنبطه أهل العلم والفضل في هذا الميدان، وجميع ذلك قبل بضعة عشر قرنا من ظهور قضية للعمال ودخولهم في “صراع على حقوق مكتسبة” وقبل أن يصبح للعمل “يوم عالمي” تحت عنوان المدنية المعاصرة.

أين الخلل إذن؟ ما الذي يعيق ظهور “نموذج بشري إنساني أصيل” لرؤية إسلامية تقنع من يطلع عليها بأنها تحقق “الرقي” لجنس الإنسان، وتلبي احتياجات البشرية المادية والمعنوية؟

من يتلو القرآن الكريم بشيء من التدبر، تطالعه آيات كريمة تحيط بموضوع العمل والعمال بنظرة شاملة لجوانبه الأساسية، وتطرح بعض النماذج للتعامل اليومي مع صاحب اليد العاملة مع مراعاة علاقته بالبيئة الطبيعية والوسط البشري، كالنصوص القرآنية بصدد كفاية الأقوات والمعايش وسبل الرزق، وحظر الربا والتبذير والإسراف وكنز الثروات وتعطيل المال، والإشادة بصناعة الحديد مثلا، وبالزراعة مثلا آخر، وبرعي الماشية مثلا ثالثا، كما تربط مزاولة صنوف من العمل بالأنبياء والصالحين، وتبين المواصفات الأصلح للأجير، وأهمها ثابت لا يتبدل، سواء سقى الماء بالأجرة في مدين، أم قام على خزائن الدولة بمصر، أم تولى الملك كما كان مع طالوت.
ويزداد اليقين بسمو النموذج الإسلامي وكماله، مع متابعة ما فصله الحديث النبوي عن مكانة العمل، عبر احتطاب أشرف خلق الله لأصحابه أو حفره الخندق معهم أو فخره برعي الماشية كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فضلا عن تكريمه لليد الخشنة، ولطلب الرزق الحلال، ووضعه في موضع الجهاد، ثم ما طبق وفصل من أحكام، مع إحاطتها بالوازع الداخلي كما في تحذيره من تأخير تسديد أجر الأجير إلى ما بعد أن “يجفّ عرقه”، أو في إعلان خصومته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة لمن يأكل مال الأجير في الحياة الدنيا!
ويمكن أن نستكمل المشوار بالتمعن فيما كان من تقنين في العهد النبوي ومن بعده، حتى وصل خلال سنوات معدودات إلى مرتبة عليا من مراتب “التأمينات والضمانات الاجتماعية” بدءا بعطاءات الأطفال على حسب أعمارهم، وانتهاء بالرواتب التقاعدية لكل مواطن أعجزه تقدم السن عن العمل، سواء كان المواطن في الدولة الإسلامية مسلما أو غير مسلم!

وهذه مجرد لمحات مقتضبة لا ترقى للإحاطة بالموضوع، ولا حاجة لمقارنة مدلولاتها بما انتشر في عالمنا المعاصر من أوضاع تشيب من هولها الولدان ومن انحرافاتها في مختلف الميادين بما فيها ميدان العمل والعمال، كما هو معروف مثلا عن قضية “تشغيل الأطفال والناشئة” مع ملاحظة استمرار التناقض الكبير بين واقع قائم وبين ما تقرر نظريا في اتفاقية دولية منذ عام 1919م، بل مع ما تقرر حديثا نسبيا في “ميثاق حماية الأطفال” من عام 1989م.
لم يمنع هذا وذاك من ارتفاع معدلات ” تشغيل” الأطفال والناشئة في مختلف الميادين، وأخطرها تجارة الجنس والدعارة، حتى بلغ عددهم سنة 1998م – أي بعد سقوط الشيوعية – ما يعادل تسعة ملايين طفلا وناشئا من الذكور والإناث من أصل 150 مليون نسمة في “الاتحاد الروسي” الناشئ عن تفكك الاتحاد السوفييتي ١٩٩١م.. وما يزال هذا الرقم “المفزع” وأشباهه في ارتفاع مطرد.
والميثاق المذكور لحماية الطفولة لم تصادق عليه الدولة الكبرى الأخرى، الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يُستغرب ذلك عند المقارنة مع سنة ١٩٩٨م نفسها، عبر متابعة ما نشرته مصادر أمريكية، كوكالة آسوشيتدبرس على هامش مؤتمر جنيف لمكافحة تشغيل الأطفال والناشئة آنذاك، إذ قالت إن في المزارع والمصانع الأمريكية مئات الألوف من الأطفال، يجري تشغيلهم بانتظام، ومنهم من لم يتجاوز ٤ أعوام من العمر وفق من رآه رأي العين من الصحفيين من الوكالة.

مرة أخرى: أين الخلل في غياب نموذج بديل رغم الحاجة إليه عالميا؟

من صميم مشكلتنا بالمنظور الإسلامي مع قضية العمل والعمال، أننا نتابع مثل تلك المعلومات والأحداث والمواقف والتطورات المعاصرة، ونشارك في مؤتمرات دولية تنعقد حولها، وربما ساهم بعض مشاهيرنا في صياغة اتفاقات ومواثيق دولية عنها، ولكن لا ننطلق في جميع ذلك، أو لا ينطلق من يتحدث باسمنا، عن تصورات ذاتية بالمعني الانتماء الحضاري القيمي، بما يراعي “جنس الإنسان”، ولا يقف عند حدود أهل المنطقة الإسلامية من مسلمين وغير مسلمين.
بدلا من ذلك ينطلق المشاركون في مشاركاتهم – رفضا أو قبولا لِما يطرح من بنود وخطوات عملية – من منظور تلك البدائل الأخرى نفسها، بجذورها الرأسمالية والشيوعية، حتى وإن تكرر انتقاد انحرافاتها وتكرر القول إنها فاسدة مفسدة، وتلحق الأضرار الفادحة بجنس الإنسان وبالأسرة البشرية!
مشكلتنا هذه في قضية العمل والعمال من منظور إسلامي لا تختلف في جوهرها عن مشكلتنا في التعامل مع قضايا وتطورات معاصرة أخرى، مما يشهد على “الانفصام” بين القول والعمل، بين الكلمة والسلوك، بين التصوّر والتخطيط، أو بين إنتاج المفكرين والكتاب والمؤلفين والجامعات ومراكز البحوث، وبين مواقع صنع القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية وغيرها!

مثل هذا القول يغري مباشرة بتدافع المسؤولية والاكتفاء باعتبارها مسؤولية السلطات فحسب، ففي ذلك تبسيط خطير ومرفوض.

إن الشاهد في قضية العمل والعمال أننا نحتاج إلى “الفكر المبدع” وإلى “فكر ميداني عملي”، يتناول واقع العمل والعمال، في قضايا الأجور، والضمانات الاجتماعية، وظروف العمل، والعلاقة الثلاثية بين العمال وأرباب العمل والدولة، وسبل التنظيم النقابية أو سواها، والتقنين المبتكر للقضايا الطارئة والمهن الجديدة في ظل الثورات الصناعية والتقنية والإلكترونية.

وإن الوصول إلى أطروحات عملية، يستدعي الأخذ بأسباب التعليم والتوجيه والتربية والتوعية، أي الأسباب التي:
١- ترفع مستوى المفكر والباحث، إلى مفكر وباحث ميداني، يهبط بعطائه نفسه من موقع ما يوصف بالأبراج العاجية إلى معايشة واقع حياة الفرد والمجتمع والتفاعل معها..
٢- وترفع مستوى العامل، إلى عامل مثقف، واع بأن إسلامه في الورشة والمصنع والحقل والمتجر لا ينفصل عن إسلامه في مسجده وبيته..
٣- وتأبى لربّ العمل والممول المسلم أن يصبح عبدا للمال ومقاييسه فيغفل عن احتياجات أهله في بلده واحتياجات الإنسان في عالمه..
٤- وتربأ بالمسؤول عن صناعة قرار سياسي أو اقتصادي أن يساهم في مسارات منحرفة باسم اللحاق بالمدنية المدنية الحديثة، وهو يرى رأي العين نتائج ذلك على “الإنسان” وعلى العلاقات الإنسانية فضلا عن العلاقات السياسية وما يتفرع عنها!

وبقدر ما يتحقق ذلك تتبدل نظرتنا في واقع شركة صناعية، أو دائرة رسمية، أو هيئة خيرية، أو دار تجارية، وندرك مدى ارتباط الرقي فيها باستيعاب تلك القصة التاريخية، عندما دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة – فحياه قائلا: السلام عليك أيها الأجير، فلما تململ الحاضرون وأنكروا عليه أن يلقب الأمير بالأجير، قال: إنما أنت أجير، استأجرك ربّ هذه الغنم – يقصد الرعية – لترعاها، وشرع يشرح له واجباته ويبشره بأجر من الله إن أداها، أو عقوبة منه إن قصر فيها، فقال معاوية: دعوه، فإنه يعلم ما يقول!

نبيل شبيب

إغلاق