رؤية – سلام الألغام بعد حرب البلقان

اتفاقية دايتون ١٩٩٥م

سلام أمريكي على حساب البوشناق المسلمين يحقق ما لم يتحقق عبر الحرب الصربية

ــــــــــ

بعد ثلاثة أسابيع من المفاوضات والضغوط تم التوقيع بالأحرف الأولى قرب مدينة دايتون الأمريكية على اتفاقية إنهاء الحرب في البلقان والتي كانت لسنوات صربية ثم صربية – كروآتية ضد البوسنة والهرسك، وأدت تلك الاتفاقية إلى تقسيمها إلى جزئين متساويين نسبيا، هما اتحاد البوسنة والهرسك، وجمهورية صرب البوسنة، كما أدت إلى نشر قوات “حفظ السلام” الدولية في المنطقة. رغم أن التوقيع الرسمي للاتفاقية تم لاحقا في باريس يوم ١٤ / ١٢ / ١٩٩٥م فالاتفاقية تعرف باسم مدينة دايتون حيث وُقّع عليها بالأحرف الأولى.. وكان أول ما نشر هذا المقال برؤية استشرافية يوم ٢٥ / ١١ / ١٩٩٥م في جريدة الخليج الإماراتية.

الحرب الصربية الإجرامية – الإجرام في الموقف الدولي – السلام والألغام – مستقبل السلام – مخاطر الروح الانهزامية

تنفّس الناس في الغرب الصعداء وهم يتابعون مراسيم التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق دايتون لإنهاء حرب البوسنة والهرسك، فالولايات المتحدة الأمريكية أثبتت عجز الأوروبيين عن التصرّف دونها، والأوروبيون تخلصوا من أخطر أزمة مسلحة شهدتها الأرض الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، والروس ثبتوا أقدامهم نهائيا عبر ثغرة البلقان على أرض الخارطة الأمنية والسياسية المستقبلية في القارة الأوروبية، وكثير من البلدان الأخرى، بما في ذلك البلدان الإسلامية، شعر على الأقل بالارتياح للتخلص من الحرج الدائم على مدى أربع سنوات مضت، أنها كانت ما بين العجز وبين الامتناع عن صنع ما يمكن أن يؤثر في مجرى حدث من الأحداث العالمية كحرب البلقان الدامية.

الحرب الصربية الإجرامية
تنفس الناس.. أو تنفس المسؤولون عن صناعة القرار السياسي دوليا ومحليا الصعداء، ولكن هل كان هذا هو حال أهل البوسنة والهرسك أنفسهم بعد معاناة لم يعرف مثلها شعب من الشعوب منذ النكبة الفلسطينية الأولى؟

لقد كان أصدق تعبير عن حال غالبية أهل سراييفو قول أحد سكانها كما نقلته وكالات الأنباء يوم التوقيع في دايتون: “كنا نقدر النتيجة منذ بدأت المفاوضات، لا توجد عدالة في العالم، كانت الحرب كلها دون عدالة، فكيف يمكن تصور انتهائها بصورة عادلة”. والرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش نفسه يعلم بذلك وهو يخاطب أبناء شعبه في ختام كلمته بعد التوقيع، فيقول كلمة ستجد مكانها الراسخ في كتب التاريخ ولا ريب: “أعلم أنه سلام غير عادل، ولكنه أفضل من متابعة حرب غير عادلة”.
إن أقرب ما يتوافر من أرقام إلى الصواب حتى الآن أن حرب البوسنة والهرسك سببت مقتل ١٥٠ ألف بوسني، منهم ١٧ ألفا من الأطفال، وكان نصيب سراييفو وحدها من ذلك ١٠ آلاف قتيل منهم ١٦٠٠ طفل، ويقدر عدد المفقودين بأكثر من ١٠٠ ألف، وعدد الجرحى والمشوهين بأكثر من ١٧٥ ألفا، وتجاوز عدد المشردين مليوني إنسان.
ولم يعد أحد يذكر في غمرة الحديث عن السلام إلا لِماما، أن ثلاثين ألف فتاة وامرأة مسلمة ما بين الثامنة والثمانين من العمر على أقل التقديرات و٦٠ ألفا حسب تقديرات أخرى، قد تعرضن للاغتصاب، ومنهن من تعرضت له مرارا وتكرارا، كما أنه لا يكاد أحد يعرف شيئا عن مصير بضعة آلاف طفل من مواليد الاغتصاب الصربي.
هل يمكن أمام هذه الأرقام استغراب قول أيوب جانيش، نائب الرئيس البوسني، عبر تليفزيون سراييفو يوم توقيع الاتفاق: “ابتداء من اليوم سيتجاور في البوسنة والهرسك الأمل والشكّ معا”؟

يستحيل أن تعبر الأرقام أو الكلمات عما وقع من جرائم وآثام في البوسنة والهرسك، ويستحيل أن تمحو الاتفاقات ما تركه الإجرام من بصمات دموية في قلب كل أسرة، وثقوب الرصاص العاهر في كل جدار، والأصداء المكتومة من المآذن المهدمة في كل مدينة، والشوارع الملوثة بالدماء في كل حي. وكأنما كانت إطالة فترة الحرب مقصودة من أجل أن يصل الإجرام إلى مرحلة من الفتك تمنع على أرض الواقع أن تقوم على أرض البوسنة والهرسك دولة حقيقية، يقطنها “شعب” واحد ولو تعددت فئاته، على أرض مشتركة لها علم مشترك وجيش مشترك وحدود “معترف بها دوليا”. كأنما كانت إطالة الحرب لعدة سنوات مع كل ما حفلت به من فظائع يندى لها جبين التاريخ مقصودة من أجل ألا يكون لاتفاق سلام يُعقد في نهايتها كالاتفاق المعقود في دايتون أكثر من قيمة رمزية، فالواقع الذي أفرزته الحرب، هو الواقع الذي لا بد أن يحكم في نهاية المطاف الأفكار والمشاعر والأحاسيس والعلاقات “البشرية” والقرارات السياسية، ولا بد أن يؤدي بالتالي عاجلا أو آجلا إلى تمزيق الدولة والأرض والشعب من جديد.

الإجرام في الموقف الدولي
إن ما ينبغي النظر فيه في اتفاق السلام لا يقتصر على البنود التي ترسم معالم إقامة الدولة من جديد بعاصمة موحدة ودستور واحد وحكومة مركزية، بل ينبغي النظر إلى جانب ذلك فيما يتضمنه الاتفاق لمرحلة قادمة، تسمح بتحقيق أهداف أخرى، لم يسمح بتحقيقها الصمود البوسني في السنوات الأربع الماضية، لتوزّع الأرض آنذاك على صرب وكروآت، ولا يبقى من ذلك للمسلمين إلا الخيار ما بين الذوبان الطوعي أو الذوبان القسري.

ولم يكن سائر ما صُنع في البوسنة والهرسك من صنع الصرب وحدهم، بل كانوا هم كما عبر عن ذلك زعيمهم كارادزيش في مطلع الحرب “الوسيلة التي تمنع من ظهور كيان للمسلمين على الأرض الأوروبية”.
وإذا كانت بعض الأرقام عن الضحايا تعبر عن درجة الإجرام الوحشي الصربي، فإن بعض التواريخ الزمنية تعبر عن المشاركة الدولية في صنع المأساة البلقانية في القرن العشرين، للمرة الثانية بعد المأساة البلقانية الأولى قبيل سقوط الدولة العثمانية.
لم تكن القضية كما يزعمون تأخرا بريئا عن التدخل، بل كانت بكل بساطة إجرامية، تخطيطا للتدخل السريع في حالات معينة، والانتظار المتعمد في حالات أخرى، وعند التأمل والمقارنة يظهر السبب ويظهر “الهدف” الموضوع ابتداء من وراء الحرب الإجرامية وتحديد وجهتها لتسفر عما أسفرت عنه، وليس لأنه لم يمكن “منع” أن تسفر عن ذلك، وهذا ما يتضمن ما وقع من مذابح وحشية معروفة عن أوروبا في قرونها الوسطى وفي حقبة إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس، وفي إبادة الهنود الحمر من أجل أن يرتع الوافدون من أوروبا فوق قبورهم في أرضهم، ولكن لم يعرفها ما يسمونه القرن الميلادي العشرون، ويزعمون أنهم أنهوا فيه عهد المذابح الوحشية بين البشر.

لننظر، أين كانت السرعة في التصرف، وأين كان التمهل، وما الذي يكمن من وراء هذا وذاك.
خلال شهور معدودة فقط في نهاية عام ١٩٩١م تحرك الأوروبيون للاعتراف بسلوفينيا وكروآتيا، وهذا بعد أسابيع فحسب من التحرك العسكري الصربي واحتلال ثلث الأرض الكروآتية، وما لبث مجلس الأمن الدولي أيضا أن اتخذ قراره في شباط / فبراير عام ١٩٩٢ م بإرسال ١٤ ألف جندي إلى الأرض الكروآتية.
بالمقابل لم تكن الحرب قد بدأت في البوسنة والهرسك، ولكن كانت سائر الدلائل كافية لتوقع اندلاعها في أي لحظة، عندما اتخذ مجلس الأمن الدولي نفسه قراره الحاسم والسريع في تحديد مجرى الحرب، بحظر السلاح عن سائر الأطراف. هذا مع معرفة صانعي القرار بحقيقة من يملك، ومن لا يملك السلاح، ثم لم يتخذ أي طرف دولي إجراء واحدا لضمان عدم وصول السلاح إلى المنطقة لعدة شهور. أما عندما بدأت الحرب بالفعل على أرض البوسنة والهرسك بالذات في مطلع آذار / مارس عام ١٩٩٢م، فلم يمض سوى ثلاثة شهور فقط عندما أُرسلت البواخر الحربية والطائرات الأطلسية والأوروبية لتنفيذ قرار الحظر، بضمان عدم وصول السلاح عبر بحر الأدرياتيك إلى البوسنة والهرسك على وجه التحديد، بعيدا كل البعد عن الحدود الصربية المفتوحة على مصراعيها!

لم تكن توجد بعد حظر إرسال السلاح على هذا النحو السريع حاجة إلى مزيد من الإجراءات التي تحدد مجرى الحرب، أما القرارات والإجراءات التي يمكن أن تحد من قدرة المعتدي على ممارسة عدوانه وتصعيده وارتكاب ما يرتكب من الجرائم فيه، فقد كانت تجد ما لا يمكن تصوره من المماطلة من جانب “أسرة” دولية أثبتت فيما عدا ذلك مرارا قدرتها على سرعة التصرف عندما ترى مصلحتها في سرعة التصرف فعلا.

ومثال آخر: المقاطعة التي فُرضت ضدّ صربيا والجبل الأسود، بدأت بقرار جزئي يحمل في مجلس الأمن الدولي رقم ٧٥٧ وصدر في ٣٠ / ٥ / ١٩٩٢م، وجرى تصعيده جزئيا أيضا بعد ستة شهور كاملة بالقرار رقم ٧٨٧، ثم جرى تصعيده مرة أخرى بعد ستة شهور أخرى بالقرار رقم ٨٢٠، وآنذاك فقط بلغ مستوى المقاطعة الشاملة، ولكن على الورق فقط، فالمقاطعة لم تصبح واقعية فعالة في أي وقت من الأوقات.

سنة كاملة استغرقها استصدار قرارات المقاطعة لذر الرماد في العيون، وكانت هي السنة التي شهدت من المذابح والجرائم في جيبا تسيبرينتسا وجوراشدي وبيهاتش وسراييفو وتوسلا وأخواتها، ما جعل بعض المراقبين ورجال الإعلام الغربيين عاجزين عن وصفه أو وصف درجة ذهولهم هم وخجلهم من مواقف الغرب إزاءه، فكانت القرارات الدولية بصدد المقاطعة أقرب إلى محاولة امتصاص الإحساس بالنقمة داخل الغرب نفسه أكثر منها هادفة إلى التأثير على مجرى الحرب الإجرامية، اللهم إلا فسح المجال وتمديد المهلة الزمنية للإمعان في الإجرام من خلال تجنب اتخاذ قرار دولي حاسم.

مثال ثالث: قرار فرض الحظر الجوي في سماء البوسنة والهرسك، في إطار حرب يملك الطرف المعتدي فيها ما يكفيه من السلاح الجوي لممارسة عدوانه الوحشي، ولا يملك الطرف المعتدى عليه مجرد الوسائل الدفاعية الجوية للتخفيف من أثر العدوان ناهيك عن منعه أو الرد عليه. لقد اتخذ ذلك القرار الدولي رسميا في ٩ / ١٠ / ١٩٩٢م، ولكن بقي الأمر في حدود المراقبة عن بعد وإحصاء كم مرة يخرقه الصرب يوميا وأسبوعيا وشهريا. ثم لم يصدر قرار آخر يهدد باستخدام القوة لفرض الحظر الجوي في سماء البوسنة والهرسك إلا في ١ / ٤ / ١٩٩٣م، أي بعد ستة شهور، ولم يتم تنفيذ التهديد فعلا لأول مرة إلا في ٢٨ / ٢ / ١٩٩٤م، أي بعد أحد عشر شهرا من التهديد وبعد سبعة عشر شهرا من قرار الحظر، وكان التنفيذ في شكل عملية كانت “كاليتيمة” لا تتكرر، وهي العملية الأمريكية الأطلسية التي أدت إلى إسقاط اربع طائرات صربية في سماء بيهاتش آنذاك.

السلام والألغام
ولا حاجة إلى ذكر المزيد من الأمثلة التي يمكن أن تحملنا من مؤتمر لاهاي في ٧ / ٩ / ١٩٩١م إلى مؤتمر لندن في ٢٦ / ٨ / ١٩٩٢م إلى مؤتمر جنيف، إلى مؤتمر لندن الثاني، في متاهات سياسية لا نهاية لها ولا جدوى من النظر في قراراتها وهي تسجل تراجعا بعد تراجع، ومحطات في ذاكرة التاريخ تشهد على أن حرب البوسنة والهرسك لم تكن حربا صربية خالصة في أي مرحلة من مراحلها، بل كانت ترافقها الخطوات الدولية، خطوة بعد أخرى، لتثبت ما يحصل الصرب عليه مرحلة بعد مرحلة، وما منع من ابتلاع المسلمين وأرضهم ابتلاعا كاملا، إلا أن الإجرام الصربي – وبمشاركة كروآتية في مراحل متعددة – وجد نفسه أمام صمود مسلمي البوسنة والهرسك صمودا بطوليا، لم يكن أحد من الأطراف الإقليمية أو الدولية يحسب حسابه، أو ينتظر أن يمتد هكذا سنوات عديدة رغم عدم امتلاك أسباب المقاومة بمختلف المقاييس المادية العسكرية المعروفة.

اتفاق دايتون لإنهاء الحرب في البوسنة والهرسك اتفاق بإخراج أمريكي، ولكنه بكل فقرة من فقراته حصيلة مباشرة للتمهيد الدولي المشترك الطويل عبر محطات كانت عناوينها خطة فانس وأون الأولى، فالثانية، فخطة التقسيم الدولية، فاتفاقية واشنطون لربط المسلمين والكروآت في اتحاد فدرالي وربط بقايا البوسنة والهرسك بكروآتيا في اتحاد كونفدرالي.

وقد كان جهاد الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش ورفاقه طوال الأسابيع الثلاثة للمفاوضات في دايتون جهادا مستميتا، وكان الإنجاز الأكبر الذي استطاعوا الوصول إليه كما عبر عن ذلك في مؤتمره الصحفي فور عودته إلى سراييفو، هو الإبقاء على سراييفو مدينة موحدة داخل نطاق الكيان السياسي المشترك للمسلمين والكروآت، والإبقاء على دولة البوسنة والهرسك دولة ذات سيادة في إطار الحدود المعترف بها عالميا، وهذا في نظر بيجوفيتش نفسه أقصى ما أمكن الوصول إليه، في ظروف لا يجهلها أحد من المشاركين في صنع المأساة أو المتفرجين على فصولها المتوالية عن بعد، وهو أيضا ما استحق وصف السلام الجائر، الذي عبر عنه أحد سكان سراييفو في التليفزيون البوسني يوم الاتفاق بقوله: “هذا سلام مفروض أملته علينا القوى الدولية” وقال عنه نياز دوراكوفيتش، عضو مجلس الرئاسة البوسني في اليوم نفسه: “واضح أن البوسنيين هم الطرف الخاسر في هذا السلام، وذاك نتيجة الضغوط الكبيرة على الوفد البوسني في أوهايو، وواقع الأمر هو أن الاتفاق عُقد واقعيا ما بين ميلوسوفيتش وتوجمان”.

إن ما حققه بيجوفيتش من إنجاز هو الحصول على وثيقة دولية تثبت بقاء الدولة، ولا ريب أنه إنجاز كبير عند مقارنته بما تعرض إليه الجيل الحاضر من البوسنيين منذ تداعي دعائم الاتحاد اليوغوسلافي في الثمانينات الميلادية، ثم أثناء الحرب الصربية الإجرامية في السنوات الأربع الأخيرة، ولكن سيبقى ذلك بمثابة الأمانة المستخلصة من براثن الحرب الوحشية، والتي يسلمها هذا الجيل بعد كل ما قدمه من تضحيات في صموده الطويل، إلى الجيل القادم الذي تُعلق عليه آمال تحويل الدولة القائمة على الأنقاض، إلى دولة تثبت وجودها في مستقبل الأيام على الساحة الأوروبية والعالمية.
هذا ما تقدره القوى الدولية وقد رأت من الشعب البوسني ما رأت من صمود، ولكن يخطئ خطأ فادحا من يحسب أن تلك القوى الدولية التي فرضت اتفاق السلام لم تزرع منذ الآن الألغام في وجه تحول الدولة البوسنية إلى دولة ذات فعالية مؤثرة. وقد كانت البداية لذلك قبل بدء مؤتمر أوهايو بأكثر من عام ونصف العام؛ ففي مطلع عام ١٩٩٤م، بعد أن وافقت سراييفو على خطة فانس-أون ورفضها الصرب، وبعد تمرد فكرت عبديتش في بيهاتش بدعم من الصرب، وبعد أن غدر كروآت الهرسك بسراييفو فجأة وتحولوا من حليف عسكري إلى طرف متمرد، في تلك الفترة استطاع المسلمون تحقيق انتصارات عسكرية مفاجئة على الجبهتين الصربية والكروآتية، وخيبوا سائر التوقعات بأن نهايتهم باتت وشيكة بين فكي الكماشة الصربية-الكروآتية. آنذاك تحرك السلاح الجوي الأمريكي-الأطلسي لأول مرة فكان إسقاط أربع طائرات صربية، فكان ذلك أشبه بالتلويح للحكومة البوسنية أن في الإمكان التصرف إذا ما تجاوبت مع العروض الغربية للسلام، ولو كان جائرا، وبالفعل فقد دخلت واشنطون الميدان بثقل غير عادي، أسفر في ١٨ / ٣ / ١٩٩٤م عن اتفاق واشنطون للاتحاد مع الكروآت، مقابل إغراء سراييفو برفع حظر السلاح قريبا.
في ذلك الاتفاق وضعت البذرة الأولى لمؤتمر أوهايو، وهي التي حددت أنه لن يكون للمسلمين كيان مستقل بمعنى الكلمة، بل يراد له أن يكون على الدوام محصورا ما بين القوتين الصربية والكروآتية، وهذا ما وجد المتابعة بعد شهور معدودة من خلال التأكيد لصربيا على ربط مستقبل صرب البوسنة والهرسك بها، ثم كانت الخطوة الأخيرة بتوجيه الضربات الأطلسية لصرب البوسنة والهرسك جنبا إلى جنب مع تعزيز موقع بلجراد، حتى انتُزعت الموافقة على أن يكون رئيسها ميلوسوفيتش هو المفاوض الرسمي باسم صرب البوسنة والهرسك، وليس باسم صربيا فقط.
لم تعد النقطة الحاسمة في المفاوضات نقطة مساحة الأراضي، رغم أنها بقيت للنهاية موضع نزاع، بل أصـبحت على أرضية الواقع السياسي للبلقان متمثلة بنوعية القيود الدستورية والسياسية التي تفرض في الاتفاق على مستقبل البوسنة والهرسك، والتي حولت “المتمردين الكروآت” إلى فريق مرتبط بزغرب إلى درجة المشاركة في انتخابات الرئاسة الأخيرة، وحولت “المتمردين الصرب” إلى فريق مرتبط ببلجراد التي تفاوض وتوقع باسمهم.

إن اتفاق دايتون بمنظوره الأمريكي والدولي الغربي، ليس إلا محطة للخروج من المأزق الذي صنعه الجهاد البوسني الصامد، ووضع ألغام جديدة للمرحلة التالية، وسيبقى فريق من مجرمي الحرب يسرحون ويمرحون كوسيلة من وسائل الضغط، وستكون القوات الأطلسية الدولية التي ظهرت بمظهر التدخل لإنقاذ المسلمين من المذابح وسيلة من وسائل الضغط، من أجل ألا يؤدي الجهاد البوسني وما رافقته من صحوة إسلامية على مستوى جيل الشبيبة، إلى “دولة إسلامية” بمعنى الكلمة في قلب أوروبا، لا سيما وأن زعماء الجهاد في سراييفو وأخواتها، لم يجدوا عونا حقيقيا من الدول الإسلامية أثناء الحرب الإجرامية، ولا يتوقع أن يجدوا شيئا من ذلك في ظل سلام دايتون الإجرامي.

مستقبل السلام
لا يمكن توجيه لوم للقادة البوسنيين وهم يوقعون، فقد تحركوا في الحرب وتحركوا في مفاوضات السلام في عزلة دولية شاملة، لا سيما عن العالم الإسلامي الذي لم تنقطع دوله عن تأييدهم، بالكلمات والبيانات وبمساعدات مشكورة محدودة.
إنّ ما أثبتته السنوات الأربع الماضية للجيل المقبل من البوسنيين هو أن مستقبل السلام سيرتبط بهم وحدهم كما كان مجرى الحرب مرتبطا بهم وحدهم.
ومن ألغام السلام المزروعة في الاتفاق أن تسليح الجيش البوسني – وهو ما ينبني عليه الكثير كما هو معروف بدءا بالتدريب مرورا بقطع الغيار وانتهاء بالمستشارين والخبراء – أصبح مرتبطا بالأمريكيين في الدرجـة الأولى، وأن اقتصاد البلاد وماليتها سيرتبطان في الدرجة الأولى بالأوروبيين، وأن كل موقف سياسي وكل إجراء قانوني سيرتبط بمشاركة الكروآت والصرب مشاركة يقرر الاتفاق أن تكون غالبية المسلمين فيها طرفا لا يملك سوى ما يملكه طرف الأقلية الصربية، أو طرف الأقلية الكروآتية، وكل منهما – على النقيض من المسلمين الذين انفرد بهم الميدان – مرتبط بالدولة الأم، بصربيا وكروآتيا، ارتباطا أوثق من الارتباط بسراييفو.
القضايا الداخلية جميعا من صلاحيات السلطات المحلية في الكيانين السياسيين، كيان الجمهورية الصربية البوسنية، وكيان الاتحاد بين المسلمين والكروآت، وهما في نهاية المطاف دولتان داخل الدولة المشتركة، والقضايا الخارجية جميعا مرتبطة بالمجلسين النيابيين داخل هيئة مشتركة وبمجلس الرئاسة الثلاثي، فلا يملك المسلمون قرارا، إلا في حدود ما يتم الاتفاق عليه مع الطرفين الكرواتي والصربي، وكلاهما أثبت في سنوات الحرب ما سيعنيه مثل هذا الوضع في مرحلة السلام.
وإذا كان موقع الصرب معروفا لا يحتاج إلى شواهد إضافية، فلا يصح التصور القائل إن الكروآت هـم الأقرب للمسلمين، وأن العداء بينهم وبين الصرب سيجعل منهم حلفاء دائمين للمسـلمين، فذاك تصور ساذج، يتجاهل ما شهدته السنوات الماضية. وتشهد على حقيقة موقع الكروآت من وراء كل اتفاق، كلمات صدرت عن الرئيس الكروآتي توجمان في مقابلة صحفية مع مجلة دير شبيجل الألمانية منذ عام ١٩٩٤م، وهو يقول بكل وضوح، لم ندخل في اتفاقية اتحاد مع المسلمين، إلاّ تلبية للرغبة الغربية المتفقة مع رغبتنا، في ألا يكون للمسلمين كيان منفصل في البلقان، ثم لم يتردد عن التنبؤ في أن تتمّ السيطرة الكاملة على المسلمين في مرحلة تالية.

ومن المؤلم – في الختام – أن يكون تركيز الحديث عن الحرب والسلام في البلقان ستارا لتغييب كل حديث عن مصير الملايين من المسلمين في كوسوفا وسنجق وسواهما داخل حدود صربيا والجبل الأسود، وقد نسي أو تناسى المتابعون لمؤتمر دايتون ونتائجه، أن حرب البلقان الأخيرة برمتها اندلعت واقعيا في كوسوفا وسنجق. فقرار الرئيس الصربي ميلوسوفيتش عام ١٩٨٩م بإلغاء الحكم الذاتي في كوسوفا وسنجق، وبسط السيطرة الصربية المباشرة فيهما، هو القرار الذي أثار مخاوف سلوفينيا وكروآتيا، وكان البداية إلى خلافهما مع صربيا في المؤتمرات الحزبية المشتركة للاتحاد اليوغوسلافي المنهار، ثم إلى الإعلان عن السيادة الكاملة فالاستقلال بعد شهور معدودة، فاندلعت الحرب.

المسلمون في كوسوفا وسنجق منسيون كما كانوا طوال عشرات السنين الماضية وهم يعانون من حرب استئصال شيوعية وصليبية لا تنقطع. والمسلمون في ألبانيا في منطقة البلقان أيضا منسيون واقعيا وهم لم يستيقظوا من الكابوس الشيوعي إلا ليجدوا بين ظهرانيهم ما لا يحصى من المنظمات التنصيرية التي تركز هجماتها على عقيدتهم وأخلاقهم في الدرجة الأولى، وتدخل إلى أعماق أسرهم عبر بوابة الفقر والبؤس، حتى أصبحت المساعدات المالية والاقتصادية الخارجية وسيلة من وسائل التمكين لتلك المنظمات أن تمارس نشاطها جنبا إلى جنب مع ربط سياسة البلاد وأمنها واقتصادها بالدول الغربية.
وما يقال عن المسلمين في ألبانيا وهم الغالبية يقال عن المسلمين في دول البلقان الأخرى حيث أصبحت أقلياتهم في مقدونية واليونان ورومانيا وبلغاريا، هي الوحيدة من بين الأقليات في البلدان الغربية، التي لا يراد أن يسري عليها ما يسري في المواثيق الدولية والأوروبية عن حقوق الإنسان وحقوق الأقليات.

مخاطر الروح الانهزامية
ومن أشد المفارقات المؤلمة أن يتحول التذكير بمصائر الملايين من المسلمين في البلقان خارج البوسنة والهرسك، إلى حديث مستغرب يقترن بالتساؤل عن جدواه، فمنذا الذي سيتحرك من أجلهم، ما دام سائر ما جرى في البوسنة والهرسك في السنوات الأربع الماضية، لم يدفع أو لم يكن كافيا لتحويل البلدان الإسلامية إلى قوة حقيقية على المسرح الدولي تتحدث بلسان واحد، وتربط حديثها بإجراءات عملية مؤثرة فعالة في صناعة الأحداث وصناعة القرارات السياسية العالمية؟
إن حال المسلمين وبلدان المسلمين مع الأحداث المعاصرة من قبيل قضايا البلقان والشاشان وكشمير وأمثالها، هي تلك الحال الانهزامية التي عبر عنها أحدهم أثناء مؤتمر إسلامي كبير بقوله: “وهل تحسبون أن أحدا سيتحرك لنجدة سراييفو ممن لم يتحركوا لنجدة بيت المقدس؟” ولم يكن يتحدث بأسى أو يتذمر ناقدا، بل كان يعتبر ذلك حجة “منطقية” لتبرير عدم التحرك، ويدعو من خلال ذلك أهل البوسنة والهرسك إلى “القبول بالقليل كيلا يفقدوا كل شيء كما حدث للفلسطينيين” على حد تعبيره، وكان كاتبا صحفيا معروفا في بلده، ولا يُستحسن ذكر اسمه في هذا الموضع، فالقصد من الاستشهاد بقوله، هو التساؤل الاستنكاري ما إذا أصبح التراجع الانهزامي والتفريط المخزي على صعيد قضية مصيرية مبررا سائغا للتراجع الانهزامي والتفريط المخزي في القضايا المصيرية الأخرى، وهذا بدلا من أن يكون ما يجري على صعيد تلك القضايا جميعا، دافعا مباشرا إلى تجاوز الخلافات الجانبية والصغائر المختلفة لجمع الجهود والطاقات على كل صعيد وفي كل ميدان، وتعبئتها ليكون لنا وجود يستحق الذكر على الساحة العالمية المستقبلية، التي لن يحدد معالمها ووجهة الأحداث فيها ولن يصنع القرارات الحاسمة على صعيدها  إلا من يثبت وجوده بنفسه، ولا يغيب عن الأذهان أنها قرارات ستتصرف بنا وبمصائرنا أيضا، فإما أن يصبح وجودنا على هامش العالم والعصر وجود الرقيق المكبل بأغلال من الحديد، مع ما يعنيه ذلك من دفع الثمن من الضحايا والخسائر والمذلة، أو أن نكون على الأقل على مستوى “المشاركة” في صنع مستقبلنا وهو ما يتطلب دفع الثمن أيضا، ولكن على شكل بذل وعطاء وتضحيات، من منطلق العزة والكرامة.

نبيل شبيب

إغلاق