رؤية – أين المشكلة في أن تفقد فلسطين مكانتها المحورية؟

بعض ما يجعلنا نخسر كافة قضايانا

نزعم العيش في عالم أصبح قرية صغيرة ونمزق أهلنا وقرانا وبلادنا وقضايانا بألسنتنا وأقلامنا وكثير من أوهامنا وعصبياتنا

ــــــــــ

يشكو كثير من المخلصين من مختلف الاتجاهات، من تعامل الشعوب مع مجرى الأحداث في قضايانا، لا سيما قضية فلسطين، ويعزون تراجع تبنيها إلى انحدار الوعي السياسي والتاريخي والوطني والقومي والعقدي – بغض النظر عن تباين تعليل ذلك – ولككنا مع تلك الشكوى نرسّخ مزيدا من التشرذم فيما بيننا، وينزلق بعضنا إلى فلسفته والتنظير له وتبريره، كما نغفل – ونحن نشكو من واقع الشعوب – أو نتجاهل ما شهدناه ونشهده من تلاقي ثوراتها من وراء الحدود والعوائق على أهداف وشعارات متطابقة، وعلى المعاناة من أجل تحررها وكرامتها بمختلف الوسائل.

من يرعى تشرذمنا ويزيده؟
من أصناف ذلك التشرذم ما تصنعه أقلام عديدة في أوساط تغلب عليها جنسية بعينها، بفصل قضايانا عن بعضها بعضا، عبر توهم حسن الدفاع عن قضية ذاتية، كلما ورد التذكير بضرورة دعم قضية أخرى من قضايانا المعاصرة، فهنا قضيتنا في اليمن وهناك العراق، وهنا قضيتنا في الجزائر وهناك سورية، وهنا قضيتنا في السودان وهناك لبنان، وهنا قضيتنا في مصر وهناك تونس.. وهكذا، أما قضية فلسطين فبات ينعيها كثير منْا حتى أصبحت كاليتيمة بعد أن كانت توصف بقضية المصير المحورية في المنطقة العربية.

كيف انتقلنا خلال جيل أو جيلين إلى هذا الوضع؟
إذا أغفلنا تاريخ ما قبل النكبة الأولى بفلسطين سنة ١٩٤٨م، متى يمكن التأريخ لبداية الخطوات العملية لانتزاع فلسطين من مكانة القضية المحورية للبلدان والشعوب العربية، ناهيك عن الإسلامية؟
بداية التشرذم في قضية فلسطين
هل كان الهبوط بمكانة القضية في سنة ٢٠٢٠م مع ما سمي صفقة القرن، أم سنة ٢٠١١م وما تلاها من تحرك دولي وإقليمي لوأد ثورات تحرير الإرادة الشعبية، أم سنة ٢٠٠٢م في قمة بيروت والهرولة نحو “التطبيع”، أم سنة ١٩٩٨م مع شطب كلمة التحرير وما يوحي بها في ميثاق قضية فلسطين، أم سنة ١٩٩٦م في قمة عربية طارئة تمخضت عن حتمية التسليم بدعوى “السلام خيار استراتيجي وحيد”، أم سنة ١٩٩٣م واتفاقية أوسلو المشؤومة، أم سنة ١٩٩١م في قمة مدريد، أم سنة ١٩٨٢م مع ميلاد مشروع سلام فاس السعودي، أم نكبة ١٩٦٧م وما بعدها، في مذابح أيلول الأسود وتل الزعتر وحرب الخيام وغيرها وقد كشفت وسواها عن حقيقة لاءات الخرطوم الثلاثة في قمة ١٩٦٧م من قبل.

الواقع أن جميع ذلك بني على بعضه بعضا وكان حلقات في مسلسل واحد. ولئن كان التأريخ للبداية بصورة مطلقة أمرا عسيرا، فإن المحطة الأخطر من سواها في هذا المسلسل، كانت سنة ١٩٦٤م في قمة القاهرة، عندما اجتمعت كلمة أنظمة غير مشروعة واقعيا ولا قانونيا، على إعلان منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا لشعب فلسطين، أي الإعلان واقعيا عن التخلي عن اعتبارها قضيتنا جميعا، شعوبا وأنظمة ونخبا وعامة، وهذا إعلان يفتقر إلى المشروعية افتقارا صارخا، فما شهد شعب فلسطين من قبل ولا من بعد أي استفتاء قانوني نزيه مشروع على أي أمر من الأمور في منحدر التواريخ المذكورة، بل كانت جميعا عبثا محظورا بمفهوم القوانين الدولية، ومذابح غير مشروعة لحق تقرير المصير للشعوب وحق عدم جواز اغتصاب الأراضي بالقوة، وكلاهما وارد بصيغ لا تقبل التعطيل ولا التبديل في نصوص المواثيق الدولية. ولو جرى استفتاء قانوني نزيه، لوجب استفتاء الشعوب الأخرى فتداعيات النكبة في أرض فلسطين تشملها جميعا.

من المتاجرة بالقضية إلى تغييبها
قبل إعلان حق التمثيل المضلل وكأنه منحة للمنظمة، كانت المتاجرة بعواطف الشعوب العربية جارية على قدم وساق، جنبا إلى جنبا مع إنتاج النكبات في مصانع النكبات، أي أنظمة الاستبداد والفساد والتخلف والفرقة، وكانت قضية فلسطين هي السلعة المحورية في تلك المتاجرة، فكان طرحها تحت عنوان عربي جامع، ونضال عربي مشترك، وشعارات مغرية بصياغتها، منحرفة بمضامينها، بدءا بدول الطوق ودعمها، انتهاء بمحور الممانعة وارتكاب أنظمته ما ارتكبت من جرائم للحيلولة دون ظهور قوى شعبية قادرة فاعلة.
لم يكن لتلك المتاجرة من ثمرات سوى ثمرة واحدة ظهرت للعيان رغما عمن يمارس المتاجرة، وهي ارتباط الشعوب عاطفيا بقضية مشتركة مصيرية واحدة. أما بعد طرح الشعار المضلل فقد صارت الأبواب مفتوحة رسميا وعلنا، لشعارات أخرى على المستويات القطرية، وأصبح الإعلام موظفا لنشرها، وبل بدأ تبرير خطوات أخطر مثل تغيير المناهج المدرسية وتشويه المناهج الإعلامية ومحاصرة كل فكر تحرري سيادي وتأليه كل مجرم يستولي على كرسي التسلط على شعب من الشعوب ويفرض انحرافاته بحق فلسطين وسواها على ما تسلّط عليه أرضا وشعبا.

قضية جامعة
رغم ذلك.. كان اندلاع الثورات الشعبية منارة تبين أن مشكلاتها واحدة، وأوضاعها متشابهة، وأهدافها مشتركة، ووحدتها قائمة رغم الحدود والإعلام وسدنتها من الأنظمة وأتباعها.

رغم ذلك أو بسببه كان تجنيد ما تم تجنيده من تحالفات دولية وإقليمية ضد الشعوب وثوراتها، لقمع تلك الثورات والانحراف بمساراتها، وظهر للعيان أن قضية فلسطين لم تكن قضية مصيرية محورية لأنها تختلف عن سواها، بل لأن جميع قضايانا تدور حول محور واحد، فتحرير فلسطين يدور حول تحرير مصر واليمن وسورية، وتحرير الجزائر يدور حول تحرير ليبيا ولبنان والعراق، كذلك فإن تحرير الإنسان شرط لتحرير الأوطان، وتحرير الأوطان يتكامل تكاملا لا انفصام له مع التحرر من الجهل والفقر والتخلف، وهذا بعض ما ينتقل بنا من الساحة العربية إلى أجنحتها الأخرى في الدائرة الحضارية الإسلامية وفي الدائرة الحضارية الإنسانية.

إننا أصحاب قضية جامعة واحدة مشتركة، لها جذورها وأغصانها وفروعها، ولا ينفصم شيء من ذلك عن سواه، إلا ويكون الاهتراء والسقوط مشتركا أيضا.

إن كل خطوة من خطوات التحرر في أي موطن وأي ميدان يستحيل أن تتحقق كما ينبغي دون أن تتلاقى وتتكامل مع خطوات التحرر في المواطن الأخرى والميادين الأخرى.

حصيلة التشرذم
ما أشد ظلمة التضليل في مزاعم تقول إن هذا يشتت الجهود ويبعثرها، وتقول إن المصلحة قد تجمعنا مع هذه الجهة أو تلك من القوى الإقليمية والعالمية، وإن كانت معادية لقطر آخر من أقطارنا وشعب آخر من شعوبنا وكانت على حساب مصلحة معيشية وحضارية أخرى في دوائر حضارتنا ومصالحنا العربية والإسلامية والإنسانية.
ما أخطر مثل ذلك التضليل لتبرير تشرذمنا ونحن نرى رأي العين كيف أن كل ما مضى بنا منذ مائة سنة وزيادة، كان عبر تمزقنا شعورا وفكرا وهدفا وتخطيطا وتنفيذا، فنقلنا من منحدر إلى منحدر ومن خسارة إلى خسارة ومن نكبة إلى نكبة، في جميع قضايانا، منفردة ومجتمعة، فمن المستحيل منع تأثيرها سلبا وإيجابا على بعضها بعضا.

وما مثال محورية قضية فلسطين وما شهدته من منحدرات التراجع والتسليم والنكبات والهزائم في العقود الماضية إلا شاهد ودليل على ارتباط مستقبلها بمستقبل كافة قضايانا الأخرى والعكس صحيح، فليست مواصفات التشابك والمحورية والمصيرية شارعا باتجاه واحد. من يعمل لقضية فلسطين يعمل في الوقت نفسه للقضية الأقرب إليه جغرافيا ونوعيا، ومن ينحرف عن العمل لسواها بدعوى التفرغ لها، يرتكب خطأ ذريعا في حق قضيته بفلسطين وقضيته الأقرب إليه جغرافيا أو موضوعيا.
ليس المطلوب بعثرة الجهود ولكن المطلوب والمفروض هو اعتبار العمل لقضية من القضايا تخصصا توجبه المعطيات والإمكانات ويقتصر على القدر الذي توجبه نظريا وتطبيقا، مع اليقين باستحالة تحقيق إنجازات حقيقية من خلال أي تخصص دون أن يتكامل مع التخصص النوعي أو الجغرافي الآخر حولنا، ومع تجنب إلحاق الضرر بالقضايا الأخرى من أجل مكسب محدود أو مؤقت أو غير مضمون حقا وإن بدا للوهلة الأولى مضمونا في نطاق القضية الأقرب.

كفانا.. ونحن نزعم أننا نعيش في عالم أصبح قرية صغيرة.. كفانا الإسهام في تمزيق أهلنا وقرانا وبلادنا وقضايانا بألسنتنا وأقلامنا وكثير من أوهامنا وعصبياتنا.

نبيل شبيب

إغلاق