رأي – مساومات على قضية فلسطين

بين حصار غزة وحصار القضية

ما الذي يكمن وراء التركيز على الجانب الإنساني وعلى حل الدولتين بعد جولة “سيف القدس”

ــــــــــ

بادئ ذي بدء: لا يشمل الحديث في الفقرات التالية ما يثار جدل حوله (وبعضه مقصود وربما موجه) بشأن ما ارتكبه مسؤولون من “منظمة حماس” من أخطاء عبر تصريحاتهم حول العلاقة بإيران أو ببقايا النظام في سورية، بل يكفي بهذا الصدد التعميم بالقول:

قضية فلسطين قضيتنا المحورية جميعا، وليست قضية فريق دون آخر، ومنظمة حماس وسيلة من وسائل خدمة القضية، تصيب وتخطئ، الصواب جدير بالتأييد الموضوعي، والخطأ جدير بالنقد الموضوعي، أما المرفوض دوما فهو تصريحات متهورة وردود فعل متهورة.

*        *        *

أما عن الحدث الآني بعد جولة “سيف القدس”، فيمكن رصد حدوث تغيير في التصريحات والبيانات الغربية وبنسبة أدنى إقليميا، ولكن اقتصر ذلك مبدئيا على السياسة “الكلامية”، ويلاحظ فيه:

١- بالمقارنة مع واقع القضية الجديرة بوصف التاريخية المتعددة الميادين، كان التركيز على الجانب الإنساني منها أبرز للعيان من سواه.
٢- تكرار التأكيد بصورة استعراضية على دور نظام مصر الحالي من حيث وقف إطلاق النار، بينما بقي التحرك السياسي – كما كان في عهد “مبارك” – مقتصرا على التواصل مع فصائل المقاومة عبر الوفد “الأمني” وليس السياسي.
٣- العمل على إعادة الاعتبار للسلطة الفلسطينية، جنبا إلى جنب مع استمرار تثبيت اتهام منظمة حماس والفصائل الأخرى بوصمة الإرهاب.
٤- التركيز على إعادة طرح “حل الدولتين” مع الحديث عن ضرورة التوصل إلى صيغة نهائية لما يسمونه “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني” (لتجريد القضية من أبعادها العربية والإسلامية ومن المسؤولية عنها تبعا لذلك).

لا يستهان بالشأن الإنساني إطلاقا، إنما لا ينبغي أن يستهان أيضا بأن عروض الدعم الإنساني ترتبط بشروط، وتستهدف كخطوة أولى فصل جناح المقاومة العسكري (مع مواصلة وصمه بالإرهاب) عن الجناح السياسي والمدني والإداري من جانب فصائل المقاومة، ولا سيما حماس، التي تحمل المسؤولية عن قطاع غزة منذ الانتخابات الأخيرة (٢٠٠٦م)، وقد وصل تأثير هذه المقاومة في جولة “سيف القدس” إلى أعماق جغرافية الأرض الفلسطينية.

بتعبير آخر:
عبر بوابة الدعم الإنساني (إغاثة) والاقتصادي (إعادة الإعمار) يراد تحقيق ما لم يتحقق عبر عدة اعتداءات عسكرية إسرائيلية استهدفت دوما الحاضنة الشعبية للمقاومة.

لا ينفصل هذا عن تجديد جهود تصفية القضية، مع محاولة إحياء ما اندثر من حصيلة جهود سابقة، وبالتالي تعطيل مفعول المقاومة بعد استحالة القضاء عليها، لا سيما وأن جولة “سيف القدس” أظهرت أنها تملك تأييدا شعبيا يتجاوز نطاق أهل فلسطين إلى حد كبير، وقد كانت هي العقبة الكأداء على طريق تصفية القضية، بعد كل ما تحقق لهذا الغرض عبر مسلسل “غسيل دماغ جماعي” اعتمد على مفعول الفقر والبطر والجهل والتضليل، وعبر مبادرات “عربية” متتالية منذ قمة فاس قبل خمسة عقود، وعبر مسار “تطبيع آثم” بدأ باتفاقات كامب ديفيد قبل أربعة عقود.

وقد اخترقت جولة “سيف القدس” حدود تقسيمات الاغتصاب والاحتلال على الأرض الفلسطينية، فانكسر واقعيا حصار غزة بصيغة حصار المقاومة، وما يزال مستمرا على حاضنتها الشعبية في غزة، ويراد ترميم ما انكسر بوسيلة الدعم الإنساني المشروط. وهنا يظهر طرح “حل الدولتين” مجددا كمدخل للتصفية، وهو لا يمثل عرضا إضافيا تجاه المقاومة وحاضنتها الشعبية، بعد الإخفاق الصارخ في نطاق “نفق أوسلو ومفاوضات السلطة” على امتداد ثلاثة عقود مضت، إنما يعني طرح “حل الدولتين” واقعيا أن القبول به من جانب المقاومة شرط لتقديم الدعم الإنساني وكذلك الاقتصادي بما في ذلك إعادة الإعمار.

ومن باب التكهن يمكن أن نضيف:
لا يستبعد في نطاق المفاوضات بين نظام إيران والأمريكيين حول ما يسمى اتفاق الملف النووي، وهي في محورها الجوهري لتحقيق توازن إقليمي بين مشروعي الهيمنة، الصهيوأمريكي والإيراني، وهنا قد تشمل المساومات أو ينطوي التوافق الضمني على تقليص الدعم الإيراني في ميدان التمويل وتطوير الأسلحة في قطاع غزة، مع قابلية توظيف ذلك لاستكمال الحصار الإقليمي حول أهم فصائل المقاومة في غزة والانطلاق تحت عنوان حل الدولتين لتصفية القضية.

نبيل شبيب

إغلاق