بلادنامراجعات ورؤى

رأي – استهداف تونس منطلق الثورات الشعبية

لن يوقف قيس سعيد عجلة التاريخ ولن يطفئ شرارة الثورة في جسد بوعزيزي

ــــــــــ

الحدث أعمق وأبعد مدى من مجرد انقلاب على الشعب من موقع “الرئاسة”.. فتوجيه ضربة انقلابية إلى ما كان يوصف بالوضع الديمقراطي الوحيد في بلدان الثورات الشعبية العربية، هو فصل آخر يستكمل فصولا سابقة يبدو لصناع قرارات التحرك المضاد للتغيير أنه آن أوان التحرك العلني بها؛ وأقل ما يقال في ذلك الفصل الجديد:
١- الديمقراطية الوليدة مستهدفة أيضا، فليست المسألة مسألة إسلاميين أو خشية مزعومة من قيام حكم إسلامي رشيد فعلا أو قيام حكم إسلامي بعنوانه فقط.. بل جوهر القضية هو رفض قيام أي وضع مستقر على أساس تحرير الإرادة الشعبية.
٢- إن التشبث بكل وسيلة من وسائل التعامل السلمي (بل التنازلي أيضا) مع “الآخر” في وطن مشترك، لا يعطي الأمان لمن يمارس ذلك، وهو لا يُستثنى من الاستهداف بعملية انقلابية تعتمد على قوة القهر (إذا استجاب الجيش لا قدّر الله لرغبات الانقلاب الرئاسي).

شبيه ذلك ما واجهته وتواجهه سورية ومغزاه الأول في الوقت الحاضر: مهما بلغ الإجرام ضد الشعب يمكن للمجرم أن يبقى إقليميا ودوليا إذا “غير سلوكه” ليس تجاه الشعب بل في مستنقعات استبداد السياسات الإقليمية والدولية.
وشبيه ذلك ما واجهه ويواجهه اليمن ومغزاه الأول منذ انطلاق الثورة: أكثر من تسعين في المائة من أفراد الشعب مسلحون ولم يستخدموا السلاح في الثورة، ولم يمنع ذلك من تآمر الأقربين والأبعدين عليهم وعلى ثورتهم وتحويل المسار إلى مجاعات وفواجع ومذابح يومية.
وشبيه ذلك ما واجهته وتواجهه ليبيا ومصر والسودان والجزائر بأشكال متعددة، بل يسري ذلك أيضا على العراق ولبنان وفلسطين؛ والعنصر المشترك بينها جميعا لا يتبدل.

هذا ما يعبر عنه يوم ٢٥ / ٧ / ٢٠٢١م، يوم انقلاب قيس سعيد على الدستور والثورة والإرادة الشعبية في تونس، فهو محطة أخرى وليس “البداية” لاستهداف تونس الثورة، وهو في الوقت نفسه استهداف للمهد الشعبي الأول لولادة الثورات العربية الحديثة؛ فجميعها تعرض ويتعرض للتحرك المضاد لإرادة الشعوب، على غرار ما يراد لتونس.

لقد وصل يوم انقلاب قيس سعيد إلى محاولة إسقاطها وأهلها مجددا في مستنقع ما كان من أغلال للإنسان وإجرام بحق الأوطان، أي ما بدأ قبل ٥٤ سنة بالتمام والكمال، مع ولادة الاستبداد مجسدا في بورقيبة يوم ٢٥ / ٧ /١٩٥٧م، وقد استمر ٣٠ سنة تلاها ٢٤ سنة عجافا باستبداد الانقلابي بن علي، وكلاهما يمثل “إرث” الاستبداد المحلي بعد الاستعمار الفرنسي.

إن انقلاب قيس سعيد (أو “محاولة الانقلاب” حتى ساعة كتابة هذه السطور) هو صورة أخرى في مسلسلات مشهد شامل يراد تجذيره في بلادنا، على أوتاد:
(١) “القوة” القاهرة للشعوب، المصنوعة بشرعة الغاب استبدادا وفسادا..
(٢) “الضعف” المتراكم مع التبعية للأعداء الخارجيين، تمزقا وفرقة وتخلفا وجهلا، وحروبا ومقاطعات بينية..
(٣) “الجهل” المصنوع تضليلا للشعوب وتوظيفا لنخبها، مع تشويه المعلومة والوعي الفردي والجمعي..
(٤) “القنوط” من أي تحرك أو التفكير بالتحرك للتغيير، وذلك عبر حملات التيئيس المتتابعة، بما فيها الكشف عن الجرائم الكبرى في بلادها وعن مرتكبيها مع التجنب العلني لمحاولة محاسبتهم بأي صيغة من الصيغ.

على أن الأخطر من جميع ذلك في المرحلة الراهنة، هو ما تصنعه آلية الانقلابات المضادة لإرادة التحرر الشعبية على صعيد جيل الثورات، ومعظمه من الشباب والفتيات، صناع المستقبل، فكأن صنّاع التحرك المضاد للتغيير الثوري يقولون لهذا الجيل: لا تكن مثاليا، بل اصنع ما ينعه المستبدون المجرمون لتتخلص منهم!! أو بتعبير آخر:

لن يتحقق لكم التغيير وهو حقكم، ولن تتحق لكم العدالة والحرية والكرامة، ولا التقدم والوحدة والرقي، مهما كانت ثوراتكم نقية محقة كما في تونس وأخواتها، وجماهيرية حضارية كما في مصر وأخواتها، وسلمية راقية كما في الجزائر وأخواتها، ومهما انكشف للعالم -وهو يعلم من قبل- من جرائم ومذابح وفواجع، وظهر من الدلائل الدامغة على من ارتكبها، كما في سورية واليمن وليبيا وفلسطين والعراق وغيره وغيره.

إن هذا الخطاب الخطير يمكن أن يدفع جيل الشباب إلى ثورات من نوع آخر، ثورات غير سلمية ولا إنسانية ولا حضارية، أي من قبيل ما صنعت الثورة الفرنسية التي استمرت في التقتيل في الشوارع تسعة أعوام متتالية، أو الثورة الشيوعية التي حصدت ثلاثة ملايين ضحية، وأن يكون من الممارسات فيها شبيه ما كان في تلك الثورات الغربية، وما يروى عن “محاكمها الثورية” وإعداماتها الفورية، بدعوى أن نجاح أي ثورة مرتبط بالتخلص الفوري من أعدائها.

إن ردود الفعل من هذا القبيل بالغة الخطورة، وإن الاستمرار في مصادرة إرادة الشعوب وأهدافها المشروعة يعني الإصرار على صناعة ردود الفعل تلك.

ولا نحيد عن التأكيد أن إنسانية الإنسان هي القيمة التي يجب أن يستمر تناقلها من جيل إلى جيل مع كل فكر جاد، وعمل قويم، وتحرك شعبي، ووعي نخبوي، لصناعة التغيير، وسيتحقق بإذن الله عاجلا أو آجلا، فلا ينبغي أن يفقد صانعوه من جيل الثورات الشعبية العربية جوهر الهدف منه، وهو استعادة إنسانية الإنسان ممن يدوسونها بالاستبداد والفساد والعدوان الخارجي، مثلما يدوسونها بتحركهم المضاد للتغيير الثوري الحضاري ولتحرير إرادة الشعوب، تحريرا حقيقيا لا وهما، وعلى صعيد تأمين ضرورات الحياة واحتياجات الإنسان، بدلا من التفاخر بثروات متكدسة مقابل مجاعات متراكمة، وبالصعود إلى الفضاء مع السقوط في أوحال الاستبداد والفساد.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى