رؤية – مستقبل التيار الإسلامي في سورية

جيل المستقبل يصنع تيارات المستقبل

الثورة ثورة شعبية تلد في مسارها التيارات المعبرة عن الشعب وثورته

ــــــــــ

(هذه رؤية موجزة لما نشر تحت العنوان نفسه يوم ٤ / ١١ / ٢٠١١م في مداد القلم)

الاستقرار في دولة يتطلب قواسم مشتركة لا تمنع من أن يسير كل فريق وفق نهجه، وأن يتمسك به وفق اقتناعاته، ويتعامل مع الآخر، فينافسه ولا يصارعه، ينتقده ولا يقصيه، وإن رفض اتجاهه لا يرفضه، وإن اختلف معه في أمور لا يلغي بسببها ما يجمع من قواسم مشتركة.

“الله أكبر”.. عنوان يوم جمعة آخر من أيام الثورة الشعبية في سورية، تم اختياره كالمعتاد عبر التصويت المفتوح لكل راغب في المشاركة، على الصفحات الشبكية للثورة.
“يا ألله ما لنا غيرك يا ألله”.. هتاف تعبر به الألوف المؤلفة من ثوار سورية، عن الثقة بعون الله تعالى ونصرته، وأهلُ سورية في محنة مأساوية دامية غير مسبوقة.

مثالان من أمثلة عديدة على عمق تأثير الإسلام في مسار الثورة الشعبية، كما هو الحال مع ثورات الأقطار الشقيقة، الثائرة وغير الثائرة، ولكن: هل سيشهد التيار الإسلامي فعلا دفعة إلى الأمام عبر الثورات الشعبية؟ وإذا صحّ ذلك، فهل يسري ذلك على التيار المثقل بأعباء الماضي، أم على تيار جديد إسلامي الجذور ومواكب لاحتياجات المسلمين والإنسان في هذا العصر؟

الواقع وأوهام الماضي

لقد أثارت مظاهر التديّن والدوافع العقدية في مسارات الثورة قلق أناس حاولوا “طمأنة أنفسهم” أو طمأنة من يلتقون معهم على فكر بعيد عن الدين على الأقل، وعبروا عن هذا القلق بمقولات من محاورها:

– لا يعود الخروج للمظاهرات الحاشدة من المساجد إلى التديّن، ولكنها الوحيدة التي بقيت صالحة للتجمع والتحرك.
– ليس جيل الشبيبة متدينا، إنما توجد ظروف تجعله كذلك.
– الدين لا يحرك ثورة، فالدين في واد، والتطلع إلى الحرية والكرامة والحقوق في واد آخر، والثورة تستند إلى مناهج وفلسفات أخرى لا علاقة لها بالأديان.

كذلك صدرت تفسيرات عديدة لأول استفتاء شعبي في تونس وحصول الإسلاميين فيه على النسبة الأكبر من الأصوات، بينما استُبعد تفسير منطقي وبسيط: إن الغالبية الشعبية تريد الاتجاه الإسلامي.

وتزامن ذلك مع مقولات مفاجئة في أوساط سياسية وفكرية ودراسية في الغرب بما يناقض ما كان يصدر عنها قبل الثورات ومحورها إمكانية التعايش مع وصول الإسلاميين إلى السلطة.
لا ينبغي أن يتوهم الإسلاميون التقليديون -إن صح التعبير- أن هذه تحولات جذرية تعبّر عن تأييد حقيقي، كذلك لا ينبغي أن يتوهموا أن التمسك بما اعتادوا عليه في حقبة ماضية، سيحفظ لهم التأييد الشعبي في حقبة مقبلة.
إن الثورات الشعبية تكشف عن ارتفاع مستوى الوعي إلى درجة تؤهل جيل الثورات للتمييز الدقيق، وتؤهله لصناعة تيار إسلامي جديد وفق جذور الإسلام واحتياجات العصر.

إسلاميون.. ولكن!

صحيح أن التيار الإسلامي التقليدي تعرض لحملات ظالمة مضادة فيما ولكن تعرض أيضا لارتكاب أخطاء من داخل صفوفه وممّن يحسبون عليه، تراوحت بين زلات بسيطة وخطايا فاحشة على أكثر من صعيد. وتلاقى هذا وذاك على انتشار صورة مشوهة لمعالم ما ينبغي أن يقوم عليه النهج الإسلامي من أسس ومبادئ بصدد ما يتجاوز العقيدة والعبادات والمعاملات بين المسلمين، ويشمل ما يقرره الإسلام للإنسان، جنس الإنسان، من مسلمين وغير مسلمين، ويتلاقى على قواسم مشتركة مع ما استقر عبر الإرث المعرفي البشري عموما، حول حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ومبادئ الكرامة والعدالة والشفافية والمساواة.

ونرصد أن قطاعا كبيرا من جيل الثورات، بدأ يميز ما لا يحتاج إلى وصاية عليه بشأن التلاقي على كليات الإسلام المتميزة بذاتها ويتعرف على سعة اجتهادية تمكّن من طرح صور تطبيقية متجددة، تناسب المستجدات دون إفراط أو تفريط.
ومن المقصود بالكليات: أسس ومبادئ تنبثق عنها اجتهادات على صعيد المناهج في مختلف الميادين، ومنها العلاقات بين المسلمين وسواهم من المواطنين في البلد الواحد، أو بين دولهم ودول العالم الأخرى.

وتكفي جيلَ المستقبل معرفة المبادئ والكليات الكبرى، أو ما يسميه علماء الإسلام: مقاصد الشريعة، ليدرك أن نهج الإسلام الوسطي كما أنزله الله، لا تشدد فيه ولا تسييب، ولا إكراه ولا تعسير، ولا جمود ولا تحجر ولا تمييع، وليس فيه تمييز بين إنسان وإنسان في ميدان الحقوق والحريات، لا سيما ما يتعلق بتحريم الظلم والخنوع والوصاية والإكراه.
هذا ما يفسر أننا نرصد تبني كثير من جيل المستقبل للنهج الإسلامي مع ربط ذلك التبني بكلمة: ولكن.. ومحورها: ليس عبر التنظيمات والتجمعات التقليدية المعروفة خلال العقود الماضية. ولا يغيب عن هذه الصورة الإجمالية أننا نرصد في جيل المستقبل أيضا وجود نسبة ترفض الاتجاه الإسلامي أصلا، بمعنى أن يكون منهج الإسلام هو المرجعية في جوانب الحياة المتعددة، بما فيها الجانب السياسي.

توقعات متفائلة

رغم خصوصيات سورية فهي ماضية على طريق صناعة ربيع الثورات العربية، والأرجح أن التيار الإسلامي الجديد فيها سيحوز على ثقة الغالبية، بما يشمل المواطنين غير المسلمين أيضا، ولكن ما الذي يعنيه ذلك، أو ما هي المعالم الكبرى لتيار إسلامي جديد يمكن أن يجد مثل هذا التأييد. من ذلك بإيجاز شديد:

١- لا تفريط بالكليات الكبرى المميزة لنهج الإسلام على صعيد التعامل مع الإنسان، جنس الإنسان، ولا سيما مبدأ “لا إكراه في الدين” على صعيد العقيدة والعبادة والمعاملات الشخصية، وجميع ذلك من شأن الحساب في الآخرة، وليس الحساب البشري في الحياة الدنيا.
٢- لا يقبل التوجه الإسلامي الشعبي وجود تشدد وتنطع، لأن الإسلام نفسه يأبى ذلك، ولأن جيل المستقبل يرفض التشدد والتنطع نظريا ونتيجة التجارب التي يعايشها.
٣- لن تنقطع الحملات المضادة للاتجاه الإسلامي، مهما كان وسطيا، معتدلا، إنسانيا، وطنيا، عادلا، فمن طبيعة الحياة السياسية المعاصرة، أن تقوم على الحملات والحملات المضادة، إنما يرجى في الحاضنة الوطنية للحياة السياسية في مستقبل ما بعد الثورات، أن يرتقي أسلوب التعامل وأن ترسخ قواعد التعامل، إلى ما بدأت ترسخه معطيات جديدة عن طريق جيل ثورات الحاضر وصناعة المستقبل.

لا يكفي التفاؤل

هذه نظرة متفائلة، وإن وجدت ما يكفي من مؤشرات مبدئية لاستشراف مستقبلي، إنما لا يمكن الجزم بتطور مستقبلي مؤكد أثناء معايشة اللحظة التاريخية لولادة حركة تغيير جذري، ويبقى السؤال الأهم:
ما الذي تستدعيه هذه التوقعات المستقبلية المتفائلة بالنسبة إلى المرحلة الحالية الأولى من مسارات الثورات والتغيير؟

إن الثوار من جيل المستقبل يعطون نماذج تلفت النظر عند الاطلاع على بعض تفاصيلها، من حيث درجة الوعي والعمل لضبط المسارات، رغم الانحرافات والتحرك المضاد. ولكن ماذا عن فئات من جيل المستقبل لم يقدر لها لسبب ما المشاركة المباشرة في فعاليات الثورة على أرض المواجهة مع الاستبداد القمعي؟
إن الحدّ الأدنى من الواجب المفروض هو أن تساهم فكرا وأدبا وفنا وسياسة وتنظيما في صناعة معطيات أساسية للنقلة النوعية التاريخية ما بين حقبة استبداد فاسد شمولي قمعي همجي، وبين حقبة حياة كريمة للوطن وأهله، بكافة مكوناتهم وفئاتهم وانتماءاتهم.

ليست هذه الدعوة موجّهة إلى المسلمين من جيل المستقبل فقط، وليست موجهة إلى ذوي الاتجاه الإسلامي تحديدا.
كل فرد، وكل مجموعة، ممن ينتمون إلى جيل المستقبل بحكم أعمارهم، وينتمون إلى الحاضنة الوطنية المشتركة على اختلاف انتماءاتهم، مطالبون بأن يتجاوزوا الآن بمواقفهم وأنشطتهم، بأفكارهم ورؤاهم وممارساتهم، ما كان في حقبة ماضية من روح الصراع والإقصاء والاسئتصال والعداء، دون غمط حق من تميز بعطاءات إيجابية وإنجازات مبدعة، أو تميز حتى باجتهاد حالفه الصواب أو جانبه.

نبيل شبيب

إغلاق