رؤية – ما بعد ٢٠٢٠م

سنة ٢٠٢٠م جزء عابر من حصيلة تاريخية وبذور مستقبلية

دوران الأحداث على خيط الانفصام المتفاقم بين الحديث عن القيم وبين موقعها من صناعة القرار وصناعة الحدث

ــــــــــ

“لن يكون ما بعد ٢٠٢٠م مثل ما كان قبله” عبارة تتردد وإن أصبحت مستهلكة من كثرة استخدامها في غير موضعها، وعند البحث عن رؤية مستقبلية لما بعد عام ٢٠٢٠م نحتاج إلى نظرة أعمق من المعتاد مع كل انتقال من عام إلى عام. بالمقابل نعلم أن كل تغيير تاريخي كبير ومتطاول بمقدماته ومآلاته يسري عليه ما لا يسري على حدث آني محدود وعابر، والتغيير التاريخي الكبير هو ما نعايش بداياته بل أسس مساراته الكبرى في الحقبة التاريخية الحالية، وبقدر ما نستوعب المحاور الكبرى للمقدمات نقترب من استشراف الخطوط العامة للمتغيرات المستقبلية.

مسارات انسيابية
إن مسار التاريخ مسار انسيابي، لا يعرف ما اعتدنا عليه من وقفات إعلامية وسياسية موجزة لمراجعة فترة محدودة من الماضي أو لاستشراف أقرب آفاق المستقبل إلينا دون القدرة على سبر أغواره البعيدة في عالم الغيب، ونصنع ما اعتدنا عليه غالبا في مناسبات بعينها، كرأس سنة جديدة أو تبدل اتجاه سياسي في سلطة رسمية.
ولئن تميزت سنة ٢٠٢٠م بشيء فهو أننا عايشنا فيها تلك الانسيابية في أكثر من ميدان في وقت واحد، ومن رموز تلك الميادين ومساراتها المتزامنة:
– جائحة كورونا عالميا..
– جائحة ترامب أمريكيا..
– وصول التحرك الدولي والإقليمي ضد تحرر إرادة الشعوب (وامتدادات ثوراتها عربيا وعالميا) إلى مزيد من العبث الانتحاري من جانب أعراب التطبيع على حساب مكانة قضية فلسطين المصيرية تاريخيا..
– ومستويات عديدة أخرى ومثال عليها تصرفات الرئيس الفرنسي ماكرون تجاه الإسلام وتجاه منظومة قيم العلمانية والديمقراطية نفسها.

لا أحد يستطيع تحديد يوم بعينه كبداية واضحة لحدث تاريخي بحجم ولادة حضارية أو وقوع كارثة بشرية، ويوم آخر لنهاية حاسمة لذلك، والواقع أن جميع ما نعتبره “مقدمات” مما شهدته سنة ٢٠٢٠م كان له “مقدمات” سابقة في سنوات مضت، ولا تزال مآلاته الحاسمة ونتائجه البعيدة في غيب المستقبل، وإن أمكن استشراف بعض معالمها الأولوية.

دولاب المقدمات والنتائج
إن انهيار شبكات الأنظمة الصحية أمام “فيروس كوفيد – ١٩” وعواقب ذلك الوخيمة، كان حصيلة محطات سبقت وكانت حافلة بخطوات سلبية، تقنينية وإدارية سياسية، ذات أبعاد مصلحية مادية، بصدد التأمينات الصحية، وبجولات مضاعفة الكسب المادي من جانب قوى مالية تهمها ميزانيات شركات عملاقة لصناعة الأدوية أكثر من أمور “بشرية” أخرى.
كذلك فقد بدا انفلات صراع السيطرة على مؤسسة الرئاسة الأمريكية (وهي السلطة التنفيذية بصلاحيات داخلية واسعة وتأثير عالمي كبير).. بدا انفلات الصراع أشبه بانفجار مفاجئ، وصل إلى ذروته في اقتحام مبني مجلسي النواب والشيوخ في واشنطون يوم ٦ / ١ / ٢٠٢١م، إنما سبقته وسبقت وجود ترامب في السلطة، موجاتٌ ونتوءات متتابعة لما يوصف باليمين المتشدد منذ عهد ريجان ومن قبل، ثم مع بوش الابن حتى وصل ذلك إلى ترامب، مع زيادة معدلات التعبير عن التمييز العنصري، وكذلك زيادة تحصين صناعة المزيد من السلاح الفردي والتجارة به، مقابل التهاون مع الموجات المتتالية والمتضخمة للقتل العشوائي الجماعي، وشبيه ذلك على مستوى السياسات الخارجية، فكثير من المعاهدات الدولية رفضت الحكومات الأمريكية المتعاقبة التوقيع النهائي عليها، في ميادين عديدة مثل حقوق الإنسان ومكافحة الألغام وتأسيس المحكمة الجنائية الدولية، ووصل ذلك إلى الانسحاب من معاهدات دولية سبقت العضوية الأمريكية فيها، مثل التعامل مع المناخ العالمي وعدد من معاهدات الحد من سباق التسلح النووي.
كذلك بدأت الهرولة من قبل إلى كسر الإرادة الشعبية والتوجه نحو ما يسمى التطبيع، كما كان في محطات فاس ومدريد وكامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو وبيروت ناهيك عن التعامل مع الثورات الشعبية.
ويسري شبيه ذلك على مسارات أحداث أخرى، فيمكن أن نعود إلى “ابتكار” عناوين منحرفة، ثم نشرها وتعميمها إعلاميا وسياسيا في الغرب، ونقلاً عنه في البلدان الإسلامية، للتعويد عليها وعلى مضامينها، كما لو كانت مصطلحات متوافقا عليها، وما هي بمصطلحات وفق معايير العلوم السياسية والقانون الدولي، ويوظف العمل للتعويد حتى حالات رفضها وغريزة الدفاع عن النفس بإنكارها. من ذلك تعابير “الأصولية الإسلامية” و”الإرهاب الإسلامي” و”الإسلام السياسي” واقتران ذلك بالتهاون في التعامل مع “الإساءات” المتكررة للإسلام والمسلمين، ومع نشر الخوف المرضي (فوبيا) من الإسلام، فتلك بمجموعها هي المقدمات التي شكلت مسيرة بلغت محطة أخرى من محطاتها خلال سنة ٢٠٢٠م، وهي التعرض “السياسي الرسمي والعلني” للإسلام نفسه، وجميع ذلك المسلسل هو في واقعه بسبب الخشية من تفاعل وتنافس حضاري نزيه يحرص فعلا لا قولا على مصالح الإنسان والأسرة البشرية.. وعلى هذه الأرضية لم يكن التوجه العدواني في سياسات ماكرون لا سيما سنة ٢٠٢٠م أمرا قائما بذاته بل حلقة من حلقات متتابعة في سياسات أسلافه على دولاب المقدمات والنتائج.

أحداث اليوم مقدمات للغد
أحداث الأمس هي المقدمات لأحداث اليوم وأحداث اليوم هي المقدمات لأحداث الغد، وتلك قاعدة محورية لاستشراف نوعية المتغيرات التاريخية المستقبلية المنتظرة وحجمها.
من أهم عناصر المقدمات الحالية المساعدة في عملية استشرافية ما رصدناه من تشابك بين جائحة كورونا وجائحة ترامب (وبعض أقرانه) وما يمثله من تطرف في الفكر والتصرف، وبين قضايا أخرى سبق تعداد أمثلة عليها، وهو ما ينطوي على مساس مباشر بالأعمدة الثلاثة التي أسست تاريخيا للبنية الحضارية العالمية حاليا، وهي المادية والعلمانية والديمقراطية، وهو ما يتفرع عنه المساس بنوعية العلاقات المتشابكة إيجابا وسلبا مع إرهاصات الظاهرة الإسلامية وتوجهاتها، والظاهرة الصينية وامتداداتها التقنية والمادية عالميا.
مثال على ذلك:
غربيا يقال على ألسنة مفكرين ومحللين سياسيين إن وصول ترامب بتوجهاته المتطرفة إلى السلطة في بلده عبر الانتخابات، ساهم إسهاما مباشرا عبر السنوات الماضية في ازدياد انتشار ما يوصف باليمين المتطرف في أوروبا. ومن الطبيعي آن يساهم السقوط المدوّي لترامب في بلده إلى انحسار تدريجي لما ساهم في نفاقمه من قبل.
من خلال القياس على هذا المثال يمكن البحث عن معالم مستقبلية في ميادين أخرى على مستوى عالمي، ويحتاج التفصيل في ذلك إلى دراسات محكمة، إنما يمكن رؤية خيط واصل بين مختلف ما يجري من أحداث ذات تأثير عالمي، وهو خيط الانفصام المتفاقم بين الحديث عن القيم وبين موقعها من صناعة القرار وصناعة الحدث، ويعتبر هذا هو أيضا الخيط الواصل المرصود تاريخيا بين دورات حضارية سابقة، تفككا من جهة وبناء من جهة أخرى، ولا ريب أن الحديث عن القيم لا يصبح فاعلا دون مقومات عملية عديدة مطلوبة، قد نرى بعض بذورها الفردية التأهيلية المتفرقة، ولكن لا نرى حتى الآن تحركا جماعيا فاعلا ومؤثرا على صعيدها.
وعلى جميع الأحول تصح عبارة لن يكون ما بعد ٢٠٢٠م مثل ما كان قبله، ولكن شرط رؤيتها بعين المسارات التاريخية الطويلة الأمد وليس بمقاييس انقضاء عام وحلول آخر.

نبيل شبيب

إغلاق