رؤية – لا يمكن تطبيع واقع باطل شاذ

سياسة التبعية تصنع التطبيع المنحرف

من سنن التاريخ.. كل وضع باطل يُفرَض بمنطق القوة يجيبه تطور جديد يقوّض الباطل عاجلا أو آجلا

ــــــــــ

لا يزال يوجد من يردد أن مسيرة ما يوصف بصفقة القرن هي من صنع رئيس أمريكي اسمه دونالد ترامب، وهذا إخراج جديد لنغمة تضليل عتيقة رافقت الانحراف السياسي في مسار قضية فلسطين المحورية منذ بدايته، وبؤرة التضليل فيها هي التشاغل الضائع، مرة بعد مرة، بانتظارٍ عقيمٍ لقدوم رئيس أمريكي جديد، لعل وعسى يبدأ معه طرح سياسي جديد!

ويضاف إلى ذلك مزاعم تضليلية تقول، طالما أن السياسات الحديثة تصنعها المصالح، فينبغي ربط “مصالحنا” بقاطرة واشنطون ربطا أقوى من ربط “مصالح” بني صهيون معها، لتنحاز الدولة الأمريكية العتيدة إلى ما تمثله قضية فلسطين من حق حضاري وتاريخي وسياسي وقانوني.

كلا!

نغمة التضليل المزدوجة العتيقة هذه بدأت في حقبة وجود رئيس أمريكي اسمه “هاري ترومان” المراوغ، واستمرت في الحقب التالية، مثل حقبة رئيس أمريكي اسمه “جيمي كارتر” المراوغ أيضا، ثم حقبة رئيس أمريكي آخر اسمه “جورج بوش” المقاتل، ومن بعده حقبة ابنه المقاتل أيضا، ووصلت فيما بعد إلى من يحمل اسم “دونالد ترامب” المتاجر المراوغ.. وطوال تلك العقود المتعاقبة الماضية لم تشهد السياسات الأمريكية من وراء التضليل والمراوغة والحصار والغزوات، عنصرا إيجابيا جديدا على الإطلاق تجاه قضايانا جميعا، وفي قضية فلسطين المحورية تخصيصا، سوى الإمعان في العداء.

السبب واضح في قضية فلسطين بالذات وضوح الشمس في رابعة النهار: إن الكيان القائم في فلسطين والمتمدد في القصور الرئاسية والملكية حولها، هو بحد ذاته ثكنة أمريكية في عقر دارنا، وكل خطوة ترسّخ أي علاقة معها هي خطوة تطبيع وضع صهيوني أمريكي باطل، وإن ما نشهده الآن مع أنظمة بعض دويلات الخليج تمهيدا للفصل القادم مع كبير أنظمتهم، ليس إلا حلقة أخرى من حلقات صفقة القرن الأمريكية، القديمة المستمرة، وهي حلقة تعبر عن مرحلة متقدمة من السقوط حضاريا بعد محطات فيتنام وأفغانستان والعراق.

كلا!

ليست هذه صفقة قرن “جديدة” تنحرف عما كان من قبل، وتستجيب لها دول تخشى من عدو إيراني همجي.. فما نشهده مع بعض دويلات الخليج الآن لم يكن نتيجة صفقات مالية وغير مالية انعقدت بليل مع ترامب وإدارته وهي أشد الإدارات سوادا فيما يسمى البيت الأبيض، بل هو نتيجة تفكير وتدبير وتخطيط وتنفيذ محلي (أيضا) في نطاق سياسات التبعية المتراكمة خليجيا وعربيا، ومن الشواهد على ذلك ما بدأ قبل أكثر من عقدين من تعديل وتبديل لمناهج التربية والتعليم والإعلام ودور النشر والمراكز الثقافية والفنية في الإمارات، الصغيرة والكبيرة، في اتجاهين اثنين..

أولهما: اتجاه طمس التاريخ الحضاري العربي والإسلامي والإنساني المشترك، مع فلسطين وسواها، حتى أصبحت الأجيال الناشئة لا تعلم (مثلا) متى استُخدمت المقاطعة النفطية “الخليجية” سلاحا في صد عدوان إسرائيلي على المنطقة المحيطة بفلسطين، وبالتالي أصبحت الأجيال الناشئة مهيّأة للسكوت عن كل قرار إجرامي انتحاري حضاريا، إذ أصبحت (على وجه التعميم.. إلا من رحم ربي) مسلوبة القدرة على التمييز بين عدو وصديق، وبين مصلحة ذاتية ومصلحة أجنبية مهيمنة!

والاتجاه الثاني: هو العمل على طمس جوهر ما تعنيه كلمات “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” لتصبح الأجيال الناشئة “مسلوبة الإرادة”، لتتقبل الانصياع لأي قرار يتخذه الحاكم بأمره، وتقديسه مهما كان قرارا مدنّسا، أي -كمثال- من مستوى تطبيع واقع باطل لا يمكن للتطبيع أن يلغي حقيقة أنه واقع شاذ مشوّه من صنع القوة الغاشمة في فترة غفلة حضارية ذاتية، حتى ولو اعترف بذلك الواقع الشاذ وتعامل معه جميع الحاكمين بأمرهم، صغارا كانوا أم كبارا، هذا ويستحيل أن يكونوا “كبارا” باتخاذ قرارات التبعية السياسية لأية قوة بشرية خارجية مهما بلغ شأنها، ثم محاولة فرضها بوسائل التجبر والتضليل والانحلال على الشعوب.

أما الحديث عن الخطر الإيراني الداهم، فأين الفارق بين ما هو قائم الآن وبين ما كان في عهد شاه إيران وقد كان “التطبيع الآثم” في عهده، ركنا من أركان احتضانه لدور “شرطي الخليج”، كربيب أمريكي غربي علنا دون قناع!

إن القسط الإجرامي الذي يحمل النظام الإيراني الحالي المسؤولية عنه فيما يوصف بصفقة القرن، هو ما ارتكبه وشارك في ارتكابه من آثام وما سفكه من دماء وما انتهكه من حقوق وحريات وحرمات، على حساب الشعوب في كل من العراق وسورية ولبنان واليمن وغيره، حتى فقد ذلك النظام أي تعاطف من جانب الشعوب، وهي تشهد سقوط قناع المقاومة والممانعة المزعوم، وبالتالي أصبح ممكنا تسويق ذريعة “الخطر الإيراني الداهم” من جانب الأنظمة الإقليمية الأخرى، في نطاق التنافس الذليل المحموم على أوضاع التبعية في أحضان أمريكية صهيونية.

ثم إذا رجعنا إلى مرحلة سابقة للثورات من عهد الاستبداد المستمر، هل كانت العلاقات مع نظام إيران من جانب نظام غير شرعي كالنظام الأسدي في سورية تختلف عن علاقات الأسديين مع أنظمة دول الخليج، أم كان ما صنعه نظام إيران في لبنان يختلف كثيرا عن ترسيخ وباء الطائفية عبر اتفاق الطائف ومن قبل، أم كانت الحصيلة الدموية لعلاقات “الملالي” – كما يسمونهم – مع “الحوثيين” في اليمن تختلف كثيرا عما صنعه “التحالف العربي” – كما يسمونه – في اليمن الذي اقتحمه عبر بوابة اتفاقية صنعت للقضاء على ثورة الشباب في اليمن، والحصيلة هي وصول الأقدام الإسرائيلية في هذه الأثناء إلى “سقطرى” تحت عباءة نظام إماراتي وحماية نظام سعودي وتهنئة المتبجحين من قبيل نظام انقلابي في مصر؟

إن صفقة القرن على حساب وجودنا الحضاري وليس السياسي والأمني والاقتصادي فحسب، هي جريمة مشتركة، أمريكية وإقليمية، تدين الأنظمة التي شاركت فيها، كل بمقدار مشاركته، كما تدين من يتماشى مع تلك الأنظمة من نخب سياسية وفكرية وأدبية وفنية وغيرها، فهذا ما يفقدها بقايا مكانة قيادية وتوجيهية قد تصبو إليها، وكان يفترض أن تكون حصنا حصينا في وجه الأخطار المتفاقمة، الخارجية والداخلية.

أما الشعوب فستجد بعون الله طريقا إلى التعويض عن انحرافات أي نظام وجميع الأنظمة، وأي نخبة وجميع النخب، فهي مصدر الطاقات المتجددة، وليست هذه المرة الأولى التي تبلغ الأوضاع فيها بدائرتنا العربية والإسلامية حضيضا خطيرا بمعاير المسار الحضاري والإنساني، ثم تولد أجيال حرة كريمة مؤمنة عاملة، وتتفجر طاقات جديدة منتجة متفوقة متعاونة بنّاءة، فتستأنف المسيرة الحضارية الإنسانية، وتحوّل ما يبدو واقعا باطلا ذليلا حقيرا.. وإن كان مهيمنا بالقوة الغاشمة، إلى بقايا سطور في سجل التاريخ.

نبيل شبيب

إغلاق