رؤية – قضية فلسطين في محور وجودنا حضاريا

قرن من مسلسلات السقوط إلى قاع ما يسمى صفقة القرن

لن نرى الطريق المشترك إلى التحرير في قضية فلسطين وسواها دون رؤية حضارية شاملة لواقعنا ومستقبلنا

ــــــــــ

في شهر تشرين أول / أكتوبر من عام ١٩٧٣م كنا نتابع أخبار أبطال عبور القناة في مصر والجولان في سورية، من جنود وضباط مخلصين صادقين، ثم أخبار نكبة سياسية يصنعها السياسيون، أو متسلطون يعاملون كسياسيين، وقد شملت إقصاء من صنع العبور، واستبداد من صنع كامب ديفيد من جانب المتسلطين على مصر وصنع مسلسل المجازر الدموية لأهل فلسطين وسورية من جانب المتسلطين على سورية ثم لبنان.

حريٌ بنا أن يقول المخلصون من الورثة الحقيقيين لأبطال العبور، بعد عقود من التيه، إن جوهر ذلك التيه هو ما سيطر على معظمنا من رؤية تجزيئية لقضايانا، في مصر وسورية، وفي فلسطين وأخواتها، بين جبهات مواجهة عسكرية وسياسية، وجبهات مواجهات ثقافية وفكرية واجتماعية واقتصادية، بين مشكلات تواجه شعوبنا فقرا وبطرا، جهلا وتخلفا، استبدادا واستغلالا، وأخرى من صنع الانبهار بمنجزات غيرنا وأوهام بلوغ مثلها إذا استوردنا بعضها، مهما شابها من تدمير مشين للقيم الإنسانية جميعا.. وليس لقيمنا التي أنارت تاريخنا بالذات فحسب.
إنها قضايا متعددة في إطار قضية واحدة، مشتركة بيننا جميعا، وإن تلك النظرة التجزيئية لقضايانا ورؤانا كانت في محور أسباب وصولنا في هذه الأثناء إلى التعامل مع ما سمّوه حديثا “صفقة القرن” كما لو كانت مجرد خطوة جديدة منعزلة عما قبلها، ناهيك عما يترتب عليها.
ليست صفقة القرن مجرد “ورقة أو جدول أعمال” لفترة زمنية محدودة، وليست مرتبطة فقط بوجود رئيس أمريكي عدواني متبجح بعدوانيته، اسمه دونالد ترامب؛ إنها حصيلة:
(١) حلقات متتالية متعاقبة متكاملة التأثير ومنتجاته، من رؤى وأفكار ومخططات وأعمال عدوانية على امتداد قرن ونيف، وسيليها المزيد..
(٢) تقابلها حلقات متتالية متعاقبة مدمرة من صنع أيدينا عبر ممارسات تجزيئية وتبريرية وانهزامية تتجسد في اجتهادات انتحارية وعداوات بينية وأحقاد انتمائية، ولا ينبغي أن يليها المزيد.

*        *        *

لننظر متحررين من ثقل قيودٍ صنعناها لأنفسنا فحجبت عنا رؤية آفاق أرض الواقع من حولنا، وسجنت كل فريق منا في محبس قوقعة انشغاله هو بما يحيط به ويقيده، بالفقر أو البطر في معاشه، وبالموات نتيجة عداوات “الذات والآخر”، حتى أصبحنا لا نرى من الذي يصنع – من داخل الحدود وخارجها – أسباب هذا الانشغال ومن الذي يثير ذاك العداء، فلا نهتم بمواجهته حق الاهتمام، ونحن نردد ضرورة ذلك بأقلامنا وألسنتنا وعبر الضحايا من بين أيدينا ومن خلفنا، ونعلم يقينا أن التخلص من أزماتنا، لا يتحقق دون معالجة أسبابها من الجذور وليس عبر التفاعل المحدود مع بعض أعراضها.
لنتجاوز حجب التجزئة الفكرية لا التفرقة السياسية فقط، وحجب التجزئة الشعورية العاطفية والحماسية ناهيك عن متاهات التفرقة تحت عناوين المنهجية والموضوعية والواقعية.. ولننظر نظرة شاملة إلى ما يتهددنا جميعا، وسنرى بوضوح:
(١) أن صفقة القرن ترتكز على رؤية معادية شاملة متوارثة، أوسع بكثير من نطاق الصهيونية ونفوذها، وأن الأخيرة أداة أساسية للتنفيذ، ولكنها ليست وحدها “مصدر” العداء وصانعة العداء تجاه شعوبنا وبلادنا وقضايانا الإنسانية والحضارية، ولو اضمحلت الصهيونية واختفت من الوجود، فلن يضمحل ولن يختفي استهداف القوى الأخرى لنا في تلك الرؤية المعادية الشاملة، هذا ما بدأ بانتشار حملات عسكرية استعمارية، بصيغتها التقليدية، أضيف عليها المزيد على امتداد أكثر من قرن مضى، واستمر استهداف الدائرة الحضارية العربية والإسلامية بمجملها، للحيلولة دون استعادة دور حضاري ريادي على مختلف الأصعدة في عالمنا وعصرنا..
(٢) ولئن كان محور العداء ما نعرفه عبر قضية فلسطين، فإننا نرى في واقع ذلك العداء وممارساته أنه لا يقتصر على الجغرافيا الفلسطينية والأرض المباركة حولها، ولا يقتصر على حقبة تاريخية بدأت بمؤتمر هرتزل ووصلت إلى مرحلة التبجح بموبقات تطبيع ما يستحيل تطبيعه، بل كان ولا يزال من محطات العداء:
١- ما صنعته أحلاف الهيمنة الأجنبية وتبعية الاستبداد المحلي لترسيخ التجزئة ونشر الأحقاد وممارسة العداوات الانتحارية المحلية والإقليمية والانتمائية..
٢- ما صنعته حملات الغزو الثقافي والفكري والأدبي والفني والإعلامي لتشويه الإنسان من داخله وتقييد ما يعبر عن حرياته وحقوقه..
٣- ما صنعته حملات تشويه مناهج التدريس الشاملة لمناهج البحث العلمي نفسها وما تزال تصنعه على طريق تحويل الواقعية الموضوعية إلى انهزامية استسلامية..
٤- ما صنعته حملات تفكيك النسيج الاجتماعي على مستوى الشعوب وما تزال تصنعه لتحويل العلاقات الاجتماعية والتاريخية إلى حقول ألغام في متاهات لا تكاد تظهر بداية لها ولا نهاية.

*        *        *

في قضية فلسطين لا يمكن أن تستقيم رؤيتنا حاضرا ومستقبلا..
إذا بقينا غافلين آو متغافلين عما يفرضه علينا إدراك ما يعنيه “التسلسل السببي” في نكبة ١٩٤٨م مع ما صنعناه نحن من خلال سايكس بيكو عبر التسليم لوعود العدو الكاذبة، وعبر تعاملنا مع وعد بلفور الغادر، أثناء مشاركتنا في تدمير بقايا دولة “الرجل المريض”، ثم أصبحت كتب تاريخنا بعد تعديلها من جانب الأنظمة المتسلطة (من قبل ما يسمى التطبيع) وأصبحت ألسنة أشباه المثقفين من أهلنا المرتبطين بتلك الأنظمة، توجه أصابع الاتهام لتلك الدولة فقط، من بعد زوال حصونها، أكثر من توجيه أصابع الاتهام إلى من أسقط حصونها ونصب حصونه حولنا وفي قلب أراضينا ومجتمعاتنا، ودولنا ومؤسساتنا، وأفكارنا وأذواقنا، وعلاقاتنا وسلوكنا، وهو الذي اجتمع على رسم حدود التجزئة والنكبات فيما بيننا في سايكس بيكو ووعد بلفور وما تجلى فيهما من عداء وما سبقهما ولحق بهما من تخطيط للمؤامرات العلنية وتنفيذها.

في قضية فلسطين لا يمكن أن تستقيم رؤيتنا حاضرا ومستقبلا:
إذا بقينا غافلين أو متغافلين عما يعنيه معنى “التسلسل السببي” في نكبة ١٩٦٧م مع ما سبقها من نكبة الركون للاستبداد تحت بريق تمجيد انتماءات قومية واتجاهات اشتراكية وتقديسها دون سواها مما يراه من يوصف بكلمة “الآخر”، وهو أيضا جزء من الذات المشتركة، وطنيا وقوميا وحضاريا، بميزاتها وبأخطائها، حتى وضعناه في قوقعة ما سميناه “الإسلام السياسي” وعاملناه باعتباره أخطر في تصوراتنا ومشاعرنا من ذلك العدو الفعلي، ونحن نرصد ونعلم أنه العدو “الآخر” فعلا والأخطر، على طريق ورثة سايكس بيكو وبلفور واللنبي، وورثة فرنسة الشمال الإفريقي، وتمزيق وادي النيل، والفصل ما بين شرق “الشرق الأوسط” وغرب “الشرق الأوسط”، ناهيك عن وراثة ما أثير من الأحقاد على نار عصبيات قومية وطائفية ومذهبية، ما بين المحيطات الثلاث، وما بين الأطلسي والخليج، وهو ذات العدو الفعلي الذي أطلق مزيدا من الغزوات العسكرية “الحديثة” في عقر ديار دائرتنا الحضارية ما بين أفغانستان والعراق وما بين قلب إفريقية ووسط آسيا.

لا مجال للاستهانة بحقيقة أن استقامة رؤيتنا وتكاملها حاضرا ومستقبلا في قضية فلسطين شرط لا غنى عنه للتعامل كما ينبغي مع جذور ما سمّي صفقة القرن، ومع ما نشهده من إفرازاتها، ولم تبدأ بالإعلان عنها بل بدأت من قبل “الانقلابات” الشاملة العلنية بمختلف أشكال تنفيذها، ضد الثورات الشعبية في مصر وليبيا واليمن وسورية وحتى الجزائر والسودان، وقبل “مشاريع الترفيه حول المقدسات” هنا و”صناعة الانقلابات وحروب الميليشيات” هناك والغدر بمن انزلق من الثوار إلى تصديق الإغراءات بالدعم والإغاثة هنالك.

*        *        *

في قضية فلسطين لن نرى “طريق العمل المشترك للتحرير” إذا كنا لا نرى من هو “العدو المشترك” ونرى من يتبعه وأين يعمل وماذا يعمل، وكيف ينشر “جبهات المواجهة لتفرقة الصفوف” ويدعم “المتسللين غدرا خلف الصفوف”.

كيف العمل.. ومن يعمل.. وأين الوسائل والأدوات.. وأين ذلك من واقع قائم.. هذه الأسئلة وأمثالها يستحيل الاستقرار على إجابة جامدة محددة عنها؛ ولو استقرت افتراضا لفترة ما، فلا بد أن تتطور بصورة متجددة مع تطور المعطيات والظروف، ولكن لا يمكن أن يحاول أحدنا الإجابة على هذه الأسئلة أصلا، ما لم تتوافر لنا رؤية مشتركة، وليس رؤية التشكيك في الآخر، ورؤية تستوعب الآخر من الذات المشتركة، ولا تعتمد على “الآخر المعادي” بموازين قضايانا المصيرية جميعا، وليس في قضية فلسطين فحسب.

نبيل شبيب

إغلاق