الأسرة والمجتمعالعلم والعملمراجعات ورؤى

رؤية – علموا أولادكم التقنيات الحديثة

نافذة على الهوة التقنية والعلمية

ــــــــــ

كيف نزيد عمق الهوة التقنية والعلمية – باب نحو الخروج من التخلف – من فوائد “التخلف”

الأمر الرباني بإعداد “ما استطعتم من قوة..” شامل لسائر أشكال القوة كما يؤخذ من إطلاق اللفظ وأقوال المفسرين، والأمر النبوي بتعليم الأولاد ألوان الرياضة من سباحة ورماية وركوب الخيل، أوسع مدلولا من أن يحصر في أشكال معينة دون سواها، وقد ورد في الأثر مثلا تشجيعه صلى الله عليه وسلم على “المصارعة” بين فتيين حتى أذن لهما بمرافقته في الجهاد، وورد في السيرة سباقه مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي في مقتبل العمر.

كيف نزيد عمق الهوة التقنية والعلمية

نعلم ذلك ونردّده في أدبياتنا العربية والإسلامية المختلفة، ولكن يبدو أننا نحتاج إلى دفعة إيمانية وفقهية ودفعة ثقافية وحضارية كبيرة لننتقل بأنفسنا في عالمنا هذا وعصرنا هذا إلى المستوى المطلوب من السير على نهج يحقق المقاصد الشرعية وأهداف النهوض في مختلف الميادين، لا سيما على صعيد تلك المجالات التي أصبح الإمساك بها بمثابة امتلاك مفاتيح المستقبل، أو امتلاك الأسباب التي أمر الله تعالى بها لتحقيق خلافة الإنسان في الأرض كما ينبغي أن تكون، وهذا ما يسري على التقنيات الحديثة أكثر من سواها. وعند القول بالحاجة إلى دفعة جديدة، لا يعني عدم رؤية ما يُصنع بالفعل وتقديره، ولكن يعني حاجتنا إلى أكثر منه بكثير، مع الاعتقاد بقدرتنا وبوجود ما يكفي من الإمكانات بين أيدينا، لنصنع الأكثر والأفضل والأدوم بنتائجه.

يمكن التنويه دون تفصيل ببعض ما يمكن رصده على عجالة من أخبار مرت بنا في حينها كأن لم تكن، مثل خبر أول قمر صناعي من صنع ماليزيا، أو خبر تخفيض التكاليف الشبكية على عامة السكان في بعض البلدان العربية، ونحن في هذا وذاك أمام مشوار طويل للإمساك بناصية تقنية الملاحة الكونية أو التقنية الشبكية، ولا نجد بالمقابل شيئا للتنويه به كمثال قريب في بلادنا العربية والإسلامية، يمكن ذكره مقابل ما نشر قبل سنوات عن خارطة العناصر الوراثية.
نعلم أن نسبة سكان البلدان الإسلامية تعادل عشرين في المائة من سكان العالم، بينما لا تتعدّى نسبة العاملين من أهلها في ميدان البحوث العلمية أربعة في المائة من الباحثين في العالم، أي أننا متخلفون في بذل الجهود بنسبة 75 في المائة، فكيف نحقق هدف اللحاق بالركب العلمي وتجاوز من قد سبقنا في الأصل وهو يبذل من الجهود أضعاف ما نبذل؟
نعلم أن الدول الصناعية تنفق في ميادين البحث العلمي ما يتأرجح بين 3 و5 في المائة من ميزانياتها السنوية، أما الدول الإسلامية فتنخفض نسبة الإنفاق في هذا المجال إلى أقل من 1 في المائة، فكيف نتخلص من “هجرة الأدمغة” ونسترجع الألوف وعشرات الألوف من العرب والمسلمين المتخصصين والخبراء المتفوقين، العاملين في المغتربات، ليعودوا فيساهموا في النهضة العلمية في بلادهم؟

باب نحو الخروج من التخلف

مثال آخر أبعد مغزى ممّا سبق، لقد دخلت الولايات المتحدة الأمريكية وهي المتفوقة في التقنية الشـبكية أكثر من أي بلد آخر، مع ألمانيا وهي البلد الذي كان قبل بضعة وخمسين عاما تحت الأنقاض بكل معنى الكلمة، في تنافس حاد على “جلب العمال الأجانب” من المتخصصين في ميدان الحاسوب والتقنية الشبكية، وهو ما يجري وفق نظام البطاقة الخضراء المعمول به في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات عديدة، وبدأ العمل به في ألمانيا قبل فترة، أفلا ينبغي أن نسأل أنفسنا، كيف نقبل أن يكون الخبراء والمتخصصون من بلادنا في القمة في كثير من المعاهد والمؤسسات والمصانع الغربية، ونحن نستورد المتخصصين والخبراء في بعض المجالات من بلدان الغرب، وقد يحصلون من الرواتب والامتيازات على أضعاف ما يحصل عليه أقرانهم وربما الأفضل منهم من أبناء بلادنا!
لقد أصبح نصيبنا من التطور التقني هو متابعة ما يصنع سوانا، بل جعلنا متابعتنا هذه مقلوبة رأسا على عقب، فنذكر مثلا عندما ظهرت تقنية البث التلفزيوني كيف رافقته في بلادنا حملة مضادة تحت عنوان الإسلام، وشملت التحذير من تعلّم فنون التصوير والإخراج السينمائي وما يتبع ذلك، فلم ننتج شيئا من منطلق الإسلام ومعاييره، ثم فتحنا أبواب بلادنا استهلاكيا لكل ما أنتجه الغرب على هذا الصعيد، كما أصبحت بلادنا نفسها ساحة يعمل فيها في هذه المجالات من لا يلتزمون بالإسلام وتعاليمه، ولا بالمصلحة الحضارية المشتركة ومتطلباتها، ثم تعالت شكاوانا من الفضائيات وما تصنع ببيوتنا، والأحرى بنا أن نشكو من أنفسنا أولا، فكما يقال، على نفسها جنت براقش!
ونذكر أيضا عندما ظهرت التقنية الشبكية كيف بات السؤال الأكبر المطروح، هل يجوز أم لا يجوز أن نفتح الأبواب لها، ثم وجدناها وقد اقتحمت حدودنا خلال سنوات، أي بأضعاف سرعة البث التليفزيوني قبل جيل واحد، وعسى ألا نجد أنفسنا خلال فترة قصيرة أخرى عاجزين عن استيعاب هذه التقنية، ونكتفي باستخدامها كمستهلكين فقط، وعاجزين عن تصنيع منتجاتها محليا وعن ابتكار برامجها وتطبيقاتها وفق احتياجاتنا ومنطلقاتنا وثوابتنا، وإلاّ فسوف نجد أنفسنا أيضا نشكو مما يصنع سوانا في أعماق بيوتنا ونفوسنا، ولو صدقنا مع أنفسنا لسعينا الآن، ألا يقع ذلك -والأصح: ألا يزداد- في قادم الأيام!
وقد يصعب القول منذ الآن بشبيه ذلك بالنسبة إلى التقنية الحيوية أو ما يسمى بالهندسة الوراثية، ولكن لا يبدو من ردود الفعل الأولى على الحدث العلمي الكبير في هذا الميدان، أنّ سلوكنا قد تبدل في التعامل مع مسيرة التقدم العلمي والتقني عموما، ولا أدري إذا كان في الإمكان تغيير ما بأنفسنا في جيلنا هذا، ولكن لا أقلّ من أن نؤدي بعض الواجب فنسعى لتغيير ما بأنفسنا من خلال جيل المستقبل، من خلال أولادنا، ومعظمهم سبقنا في هذه الميادين، فلنعلم الأطفال منهم التقنيات الحديثة من الصغر، ولنشجّع الناشئة على الابتكار في مختلف الميادين العلمية ولندعمهم في ذلك، ولنجعل سلاح النهوض في مستقبلنا جامعاً -كما يريد إسلامنا- للعلم والإيمان، والعمل والأخلاق، والاستقامة والإخلاص. ولا يتحقق ذلك عبر مقال، أو خطبة، إنما يتحقق بالتخطيط والتنفيذ والتطوير، وبتحرّك أصحاب الإمكانات وحملة أمانة المسؤولية، بوضع المشاريع اللازمة، وتأمين تغطيتها المالية، وتشغيل أهل الاختصاص من بلادنا فيها، وتعبئة طاقاتنا وإمكاناتنا الكبيرة المتوفرة على هذا الطريق.

من فوائد “التخلف”

هل يمكن أن نستفيد فعلا من واقع تخلفنا عن ركب التطوّر المادي والتقني في عالمنا المعاصر؟
أمران يجب تثبيتهما، أوّلهما أننا متخلفون فعلا، فالاستيراد لا يغني عن التخطيط والتصنيع والإنتاج الوطني، واستئجار الخبراء الأجانب لا يعوض عن النقص في التأهيل والتخصص والإبداع، والاعتماد على دراسات عالمية عن بلادنا، لا يقوم مقام معاهد ومراكز وطنية وإقليمية تجد بحوثها ودراساتها الطريق إلى مراكز صناعة القرار وتنفيذه، وعقد المؤتمرات عن هجرة الأدمغة لا يغير واقع استهلاك طاقات الخبراء والمتخصصين في البلدان الأجنبية ما بقيت نتائج تلك المؤتمرات حبرا على ورق، كما أن حصولنا على أحدث ما يصل إليه سوانا من وسائل وتقنيات متطورة، لا يضمن الاستقلال الحقيقي ولا يعني تقدما رغم طفرة الثروات.
الأمر الثاني أننا إلى وقت قريب كنا نرصد في ظل الانبهار بالتقدم الغربي ألوانا من التقليد الأعمى الخطير، وانعكس ذلك في الاستيراد دون تفكير لبعض “مظاهر” التقدم التقني، بخيره وشره، وببذور أمراض اجتماعية ينطوي عليها في كثير من المجالات. وكان العذر -إذا صح اعتباره عذرا- هو الجهل بحقيقة انتشار تلك الأمراض الاجتماعية في البلدان المتقدمة، وحقيقة أنها أصبحت معضلات لا يكاد يمكن التخلص من نتائجها، ناهيك عن مكافحة أسبابها، وقليلا ما كان يصل إلى بلادنا ما ينشر في تلك البلدان من دراسات وتحليلات وإحصاءات عما يبذل من جهود وينفق من أموال لمواجهة الأعراض والمظاهر بعد استفحال الإصابة، دون جدوى.
أما الآن فما هو عذرنا؟ لقد ساهمت ثورة وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة، واختراقها لحدودنا وأجوائنا وجدران بيوتنا في معرفة أوسع وأسرع ممّا مضى، عمّا يجري باسم التقدم الحديث وما يرافق إنجازاته الإبداعية الكبيرة من سلبيات. شبكة العنكبوت مثال على ذلك، فاستخدامها لأغراض الدعارة على سبيل المثال وصل مستوى خطيرا جعل من الاعتداء الجنسي على الأطفال والناشئة قضية دولية، وهذا أمر معروف في بلادنا العربية والإسلامية مقابل عدم اتساع نطاق انتشار الشبكة العالمية فيها نسبيا.

إنّ هوّة التقدم والتخلف تؤكّد أن بيننا وبين سوانا في هذا الميدان من ميادين التقدم الحديثة أشواطا بعيدة، مثل التي كانت في ميادين أخرى من فروع التقدم التقني في العقود الماضية، ولكنّ الذي تقلصت فجوته في هذه الأثناء هو نسبة الجهل بالأضرار والأمراض الاجتماعية المحذورة، ومن هنا السؤال: ألا يعطينا ذلك فرصة ذهبية للاطلاع الأفضل على الوجه الآخر للمدنية الحديثة، ليكون استعدادنا للاستفادة من أسباب التقدم والتطوّر مقترنا باستعدادنا لتجنب الأخطاء التي وقع سوانا فيها، وربما لم يكن قادرا على استشرافها مسبقا؟ ألا ينبغي أن نبذل جهودا وقائية الآن، بدلا من انتظار أن تصل الأمراض الاجتماعية المعنية إلى بلادنا ثم نعجز عن بذل الجهود لمكافحة نتائجها؟
تقول الدراسات -وما أكثر الدراسات المتوافرة بهذا الصدد وما أيسر الوصول إليها عبر شبكة العنكبوت نفسها- إنّ استخدامها النافع على أوسع نطاق، يقترن باستخدامها المنحرف على أوسع نطاق أيضا، فهذا ممّا جعلها ساحة جديدة للدعارة وللجريمة المنظمة، كما جعلها سببا في ازدياد انتشار أمراض نفسانية معينة، كالاكتئاب والشعور بالوحدة والوحشة، وسببا في قطع الأواصر الاجتماعية  أكثر مما مضى، وسببا في تحوّل تحصيل الثقافة الرفيعة إلى تحصيل ثقافة وافرة ولكنها سطحية، وجميع ذلك كأمثلة فقط هو مما يمكن رصده، كما أنّه مما يمكن تجنب الوقوع فيه عبر الاستفادة من المعلومات المتوافرة بين أيدينا عمّا أصاب سوانا، فهل نستفيد -من تخلّفنا- جنبا إلى جنب مع بذل ما يجب أن نبذله من المساعي للتقدم والتطور، أم نقبل بمتابعة ذلك الإصرار العنيد الغريب من جانب فريق من أبناء ملتنا على مواصلة طريق التقليد الأعمى للبلدان المتقدمة، وإن دخل أهلها في جحر الضب وأصابهم ما أصابهم فيه، بما في ذلك العجز عن الخروج منه!..

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى