الأسرة والمجتمعمراجعات ورؤى

رؤية – شقائق الرجال وقضية التحرر

المرأة بمنظور إسلامي

ــــــــــ

إن ما ابتكر تحت عنوان قضية المرأة زادها حرمانا من حقوقها الأساسية، شأنها في ذلك شأن معظم ما حمل عنوان قضية الإنسان، جنس الإنسان، إناثا وذكورا، مقابل ما يتعرض له من مظالم على كل صعيد معنوي ومادي، تحت تأثير أشكال متعددة من السيطرة الاستبدادية الهمجية، أو المتوارية وراء صيغ تحفظ بعض الحقوق لبعض الفئات، ولا تحقق عنصر العدالة بين الجميع كما ينبغي. ولا ينفي ذلك أن المرأة في البلدان العربية والإسلامية تتعرض لمظالم مضاعفة، خاصة بها، وشاملة لها ولسواها.
وكلما طرحت “قضية” المرأة المسلمة نفسها من خلال حدث من الأحداث في بلد من بلدان العرب والمسلمين، تزاحمت المشاهد وتدافعت الأفكار، عن واقع المرأة المحرومة من كثير من مسؤولياتها وصلاحياتها وواجباتها وحقوقها، وهي في ذلك الحرمان كالرجل المسلم في معظم مجتمعاتنا، كما تزاحمت المشاهد وتدافعت الأفكار عن واقع النسبة العظمى من النساء ومن الرجال من غير المسلمين في البلدان “المتحررة”، وعن حقيقة ما أصبحت تعنيه كلمة “التحرّر” على أرض الواقع، في ظل التقدم العلمي والتقني والمادي في معظم الميادين، مقابل كثير من جوانب التخلف في ميدان الرقي الإنساني بالذات.

الخيار الغائب – الإسلام ومنطق المسلمين – حجة “الظروف” – الضوابط والمسؤول عنها

الخيار الغائب
في كثير مما يدور حول المرأة في بلادنا الإسلامية عموما، لم نعد نشهد “قضية” تُطرح طرحا موضوعيا منهجيا وتعالج معالجة موضوعية منهجية، فتتعدد الآراء وتبقى فسحة لحوار وربما لالتقاء على أرضية مشتركة، بل نشهد غالبا ما تجاوز حدود الموضوعية والمنهجية والحجج المنطقية، وغلب عليه أسلوب سلبي ينشر تأثيره دون منطلقات سليمة، وهنا يصبح التذكير بلسان الوجدان ضروريا، لا سيما وأن التأثير السلبي المشار إليه، يربط بين:
– تحرر المرأة المسلمة، المفروض شرعا في الأصل، مهما أنكره المنكرون، المسلم به منطقيا، مهما برعوا في ليّ معاني النصوص الشرعية..
– وما وصل إليه “تحرير” المرأة في بلدان غير إسلامية، وقد أوصل إلى أوضاع بدأ أهلها ينكرونها ويتمردون عليها، وهي أوضاع مرفوضة بمختلف المقاييس، لا سيما مقياس الرؤية المباشرة لما أسفرت عنه على أرض الواقع المشهود.

هذا بالذات مما يزيد من التأثر الوجداني لدى من يرصد ما يجري مباشرة وهو مقيم لعدة عقود في ديار الغرب، ويعايش من كثب ما قد لا يراه زائر أو سائح، أو يقدره مستمتعٌ بمشاهدة أفلام مستوردة وأخرى متغربة، لا سيما إذا انبهرت عيناه إلى درجة الاحتراق – وكم من الفراش ما يصر على الانتحار احتراقا – ناهيك عن أن يستوعب تلك الأوضاع طرف آخر، يراها ولكنه يسترسل في تصعيد “ردود الأفعال” عليها، وذاك مدخل انزلاقه الخطير إلى تسويغ استمرار المظالم التي تصيب المرأة المسلمة أو المرأة المواطنة عموما في بلد إسلامي، بل يمضي إلى فلسفة حرمانها من رفع تلك المظالم وتثبيت الحقوق بما فيها حق العمل دون عائق لأداء ما تقتضيه منها مسؤوليتها يوم حسابها (فردا) بين يدي الله تعالى، فلا يغنيها شيئا لسان يزعم الخوف عليها!
تلك فلسفة ملتوية، تصوّر الحرمان المرفوض بمختلف المقاييس، وكأنه هو الأمر السوي الطبيعي، بل يصل التمادي في تلك الفلسفة إلى درجة نسبة “الحرمان” إلى التشريع الرباني، حاشاه.

عندما تكون المواقف المعلنة تحت عنوان إسلامي لتسويغ حرمان المرأة من مسؤولياتها وحقوقها، صادرة عن حالة جمود وانغلاق وتحجر، يهون الأمر نسبيا وفق قاعدة “وأما الزبد فيذهب جفاء”، ولكن عندما تصدر عمن يُتوخى فيهم الإخلاص في الدعوة والعمل، فهي دليل على ضياع مفعول ذلك الإخلاص عبر “المبالغة” فيه!

إنه سلوك يوقع في محظور أخطر مما يحذر أصحابه منه، وهم يبدون الخشية من وقوع المرأة نفسها في زلل يؤدي إلى ترسيخ “استعبادها” على غرار ذلك الاستعباد البشري “الحديث” في ظل تشريعات وضعية مهيمنة.

سلوك ذو خطر مضاعف، فيه – بدعوى الحرص على التقوى – تطرف جوابا على تطرف، وتشدد مقابل تسييب، وتنطع في الآراء جوابا على تحكيم الأهواء، وترسيخ سلوك ينفّر من دين الله تنفيرا، ويزعم مواجهة التضليل بالإغواء والإغراء.
جميع ذلك مرفوض، والتقوى لا يحققها فرد لنفسه برفع درجتها على حسب ما يقرره هو من رؤى، فهي مقررة سلفا في الكتاب والسنة، ومحورها الاعتدال والتوازن والوسطية، وطريقها منضبط بمعايير التيسير المنضبط بدوره بضوابط المصلحة والرحمة، وفق ما يهدي إليها الشرع الحنيف، وليس ما يميل إليه رأي شخصي، مهما كان مخلصا في الأصل.

الإسلام ومنطق المسلمين
علام نأبى أن نبصر في الأمور المرتبطة بالمرأة المسلمة أو المرأة المواطنة عموما في بلد إسلامي، والمرتبطة بحاضرها ومستقبلها، سوى احتمالين: السواد أو السواد، تسييبا أو تنطعا؟
علام لا نرى لها دربا للحياة في عالمنا وعصرنا هذا، سوى حضيض الانزواء والانكفاء أو حضيض الضلال والانحلال؟
علام تصدر دعوة الداعين المتأثرين بمنطلقات غير إسلامية إلى “تحرير المرأة”، مثلما يصدر رفض الرافضين باسم المنطلق الإسلامي لدعواتهم تلك، عن “نظرة مشتركة” بين الفريقين، وهي منحرفة هكذا أو هكذا؟
كلا الطرفين بات يبني موقفه على وهم كبير يتلخص في تلك النظرة المشتركة إلى أن نموذج “تحرر المرأة” الوحيد هو ذاك الذي انتشر في الغرب. وهنا:
– المقلدون له يتجاهلون العواقب ويريدون كسر قيود وأغلال منسوبة إلى مفعول الدين أو التقاليد، وهم يدعمون واقعيا استعباد المرأة بقيود أخرى متقدمة وأغلال أخرى متطورة، بعد انحراف التشريع وزوغان التفكير وتعطيل القيم..
– بالمقابل نجد الرافضين يتبنون صورا مأساوية لبقاء المرأة محرومة من حقوقها ومن أداء واجباتها، بحجة رفض أخطار الاستجابة لدعوات التحرر الغربية المستوردة، وهم بذلك يتصرفون تصرّف من لا يرى تحت عنوان “التحرر” سوى ذلك النموذج الغربي المرفوض!
سيان ما بين تقليد أعمى ورفض متخاذل، تبقى النتيجة أن كلا الفريقين يأبى التفكير بضرورة إيجاد بديل آخر، على أرض الواقع لا كلاما، وبالتالي التفكير بضرورة الدعوة إلى نموذج “تحرر” متميز!

إن في القرآن الكريم أول دعوة مساواة في تاريخ البشرية، من خلال “فرض” تثبيت وضع التشريعات التقنينية على أساس التكافؤ بين بني آدم وحواء وبناتهما.

وكثيرا ما قيل إن مبدأ التكافؤ لا يعني مبدأ المساواة، وبغض النظر عن الجدل حول عدم الوصول في الماضي أو الحاضر إلى “مساواة مطلقة” كتلك التي يزعمون استهدافها، فإن مبدأ التكافؤ يختلف فعلا عن مبدأ المساواة، وهو أرقى درجة منها بمراحل.
التكافؤ يراعي اختلاف القدرات بين رجل ورجل، وبين امرأة وامرأة، وبين رجل وامرأة، أي بين جميع الأفراد، على حسب مؤهلاتهم الذاتية والمكتسبة والظروف المتقلبة حولهم. ومن هنا يوجب على أجهزة تشريع القوانين، مراعاة اتخاذ ما يكفي من الاحتياطات واتباع ما يكفي من الوسائل من أجل ألا يُظلم أحد في حقوقه وحرياته، إذا كان يملك من تلك المؤهلات الذاتية والمكتسبة أقل من الآخرين. وتقع مسؤولية ضمان ذلك على المجتمع/ الدولة، فلا يقتصر الأمر على “قدرته” هو، وهو فرد، على تحصيل ما يحق له.
إن تضييع مبدأ التكافؤ لصالح المساواة، هو في صلب مشكلات عدم تحقيق المساواة في ظل حضارة قائمة على “الصراع”، أي حيث لا يحصل أحد على حقوق ما، مهما جرى تثبيتها وتقنينها، إلا على قدر ما يمتلك من أسباب القوة بمختلف أشكالها.
يسري ذلك على الرجل والمرأة دون استثناء ودون مراء، كما يسري أيضا ما رسخه القرآن الكريم ليكون أصولا تشريعية ثابتة، مما لم يسبق أن أخذت به تشريعات وضعية، شكلا ولا مضمونا.
– الكرامة الإنسانية وبالتالي سائر ما ينبثق عنها، وهي محفوظة لجنس بني آدم جميعا. ولا فرق هنا بين ذكورة وأنوثة.
– “العطاء”، وفق الصيغة الشاملة الواردة في سورة الإسراء، أي بما يشمل الحصول على الحقوق المادية في الحياة الدنيا، وبالتالي رفض تشريع قانوني يمنع شيئا منها، فهذا “العطاء” يضمنه الخالق تعالى للكافر والمؤمن، ولا فرق هنا أيضا بين أنوثة وذكورة.
– كذلك لا فرق بين مسلم ذكر ومسلمة أنثى في المجتمع الإسلامي في جميع ما يقتضيه خطاب “يا أيها الذين آمنوا..”، حيثما ورد هذا الخطاب، إلا عند وجود قرينة تخصص المقصود.
هذه الأمثلة كغيض من فيض توجب أمرين:
1- رفض مزاعم الزاعمين أنّ تحرير المرأة بدأ في القرن التاسع عشر الميلادي عندما جعلوا لها في الغرب قضية تحت عنوان “تحرير”..
2- رفض ما أصبح ضربا من ضروب التخلي عن المسؤولية، هو الامتناع عن مواجهة ذلك التزييف مواجهة إيجابية، أي الامتناع عن العمل الجاد لتحقيق التكافؤ مع جميع ما يرتبط به في عالمنا الإسلامي وعالمنا المعاصر، بين الناس كافة، إناثا وذكورا. وهذا ما ينطوي أيضا على رفض كل ما يتناقض مع ذلك التكافؤ من دعوات وشطط..
تارة بلي أعناق النصوص في اتجاه حصار المرأة وسجنها والتحكم بها والوصاية على أفكارها ومشاعرها.. وتارة أخرى بادعاء الخوف عليها مما لا يليق بها..
وتارة ثالثة بحجة الخوف من درب يصل بها يوما ما إلى نموذج كريه مرفوض..
وتارة رابعة بأسلوب تطبيق قاعدة سد الذرائع في غير موضعها..
وهكذا مما لا نكاد نبصر له نهاية، ومما جعلنا ننشغل بأنفسنا وببعضنا بعضا عن أصل القضية وميدان المواجهة!

لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم هو القائد والرئيس وصاحب السلطة، الذي لم يتردد عن استشارة المرأة والأخذ برأيها في قضية سياسية كبرى، كقضية التعامل مع “المواطنين” في صلح الحديبية، بينما أوشك “الرجال” آنذاك أن يتمردوا على ما لم يستوعبوه من أبعاد القرار السياسي، فكيف يحتكر مقلدو الغرب لأنفسهم دعاوى “حقوق المرأة السياسية” كما عرفتها بريطانيا وربيبتها الأمريكية وأخواتها الأوروبيات في مطلع القرن الميلادي العشرين فقط، أي عندما كانت دولة كسويسرا الأوروبية تبحث أمام القضاء عن جواب للسؤال: “هل للمرأة روح؟”
بالمقابل: من أين يأخذ المعترضون باسم الإسلام لأنفسهم الحق أن يختاروا هذا الميدان “السياسي” بالذات، للامتناع عن التأسي بمن أمر القرآن الكريم بالتأسي به، أو حق الحيلولة دون اقتداء النساء بأم المؤمنين أم سلمة، أم أن فينا من يبيح لنفسه اختيار ما يشاء متى يشاء من ميادين التأسي والاقتداء؟

لقد شاركت المرأة المسلمة في الحياة العامة والخاصة، في الدعوة والدولة، في مختلف الميادين وفي مختلف الظروف، وجميع ذلك من العهد الأول، مصدر التشريع، وفيه رد على أساليب التحذير والتخويف المتبعة هذه الأيام وعلى مواقف تزعم الإخلاص في الحفاظ على المرأة “جوهرة مصونة” كما تصان قطعة الزينة، وكل امرأة مسلمة قانتة داعية مجاهدة جوهرة ثمينة، وكذلك كل رجل مسلم قانت داع مجاهد جوهرة ثمينة، ويبقى الخطأ كامنا في التعامل مع المرأة الجوهرة وكأنها جوهرة نملكها، وليس باعتبارها من شقائق الرجال!

حجة “الظروف”
الأمثلة من عهد التشريع الإسلامي الأول، كما يسميه علماء أصول الفقه، أي في مكة والمدينة، أمثلة كثيرة، ويمكن أن نتأمل في بعض ما هو معروف منها للعامة وأصحاب الاختصاص في آن، فليس فينا من يجهل دور سمية، في مرحلة كانت “معارَضة السلطة” فيها تُعرض المرأة لما تعرضت إليه سمية من اعتقال وتعذيب وقهر وقتل، إذ كان الكفر يسيطر ويبطش بالمعارضين!
وليس فينا من يجهل دور أسماء، في مرحلة كان أمر كتمان سر الهجرة النبوية وتأمين نقل المؤونة أمرا مصيريا في مسيرة الدعوة النبوية، وكان يسبب لِمن يتولاه مثل ما سببه لأسماء من أذى أبي جهل، ولما يستقر للمجتمع المسلم موقع قدم في عالمه بعد!
ذاك من دور المرأة في مرحلة العمل للعودة إلى الإسلام إلى موقعه في الحياة وممارسة السلطة.
يسري شبيه ذلك على خولة ودورها وهي تجادل النبي صلى الله عليه وسلم في حكم لم يشأ تغييره، حتى نزل القرآن مشرعا ومعززا رأيها، ويسري أيضا على الفتاة المسلمة المعترضة على تزويج أبيها لها دون استشارتها، ودورها في بيان التشريع للسامعات والسامعين من عامة المسلمات والمسلمين، كذلك كان لنسيبة دورها في ساحة الحرب يوم كان قائد المعركة صلى الله عليه وسلم يتلفت في غزوة أحد فلا يرى إلا نسيبه تذود عنه بسيفها، وكان لسواهن أدوارهن الأخرى في ميادين أخرى، رضي الله تعالى عنهن جميعا وأرضاهن، فما نزل تشريع يمنع المرأة المسلمةَ من أن تتحرك في مختـلف الظروف، المواتية وغير المواتية، الضرورية والطوعية، قبل قيام الدولة الإسلامية الأولى، ومن بعد، وهذا على تفاوت الأعمار، ما بين سن الشباب وتقدم العمر، وعلى اختلاف الوضع الاجتماعي قبل الزواج وبعده، وفي سائر الحالات والظروف المحيطة، كحالة الأمن داخل صفوف المسلمين وحالة المخاطرة في مواجهة المشركين.
كيف تنسجم دعوة إلى الإسلام اليوم مع ما سبق من العهد النبوي، عهد التشريع الأول، عندما:
– نردد هذه الأيام مثلا زعما من المزاعم يقول إن في المجالس النيابية في عالمنا وعصرنا مهاترات لا تليق بالمرأة المسلمة، فلتبق في بيتها إذن وليتحرك سواها من غير الملتزمات، ثم كأننا نقول بذلك إن المهاترات تليق بالرجل المسلم، أو كأنه لا يوجد بين المسلمات من هو أقدر من كثير من رجال المسلمين على التعامل الكريم الفعال مع مهاترات لا تلتزم بضوابط الإسلام وتعاليمه وقيمه، أو كأن الأصل فيما ورد من وصف “المؤمنين والمؤمنات” بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، هو أن يبيح مجتهد معاصر أن يخصص ذلك أو يعطل مقتضاه، حسبما يتراءى له في اجتهاده، فيجعل الحكم الشرعي خاصا بالرجال المسلمين دون النساء المسلمات!
– كذلك وبدون تفصيل لا مجال لزعم يقول إن السياسة المعاصرة مبتذلة فللمؤمن أن يخوض غمارها دون التساؤل هل يتحمل النتيجة أم لا، أما المؤمنة فليس لها أن تفعل ولو قدرت على ذلك بكفاءاتها وأرادته بحكم مسؤوليتها عن نفسها بين يدي الرحمن.

إن التصور الذي ينطلق من ضرورة حفظ “القوارير” بعيدا عن كل خطر في مجتمع منحرف، إلى أن يستقر للإسلام أمره كما ينبغي، وآنذاك يمكن أن تخرج “القوارير” من أوكارها.. هذا التصور يتناقض تناقضا مباشرا مع الممارسات التي كانت في العهد النبوي، في سائر مراحل الدعوة، وفي مختلف الظروف، ولن نكون عبر التشدد والتعصب والتنطع أحرص على المرأة المسلمة، أو المرأة المواطنة في بلد إسلامي، أكثر من حرص الإسلام وأحكامه السوية عليها!

الضوابط والمسؤول عنها
إن ما يوصف بقضية المرأة المسلمة في الأقطار الإسلامية ليس قضية السؤال هل يحق لها الانتخاب والترشيح أم لا، وهل يجوز لها العلم والعمل أم لا، وهل يلائمها أداء واجبها الإسلامي في عالمها وعصرها رغم سائر ما فيه أم لا، إنما ينبغي أن يتركز الاهتمام على قضية محورية، تشمل المرأة والرجل على السواء، وتطرح علينا أسئلة أخرى، محورها الكيفية والشروط والضوابط. والمقصود كمثال في محورين من محاور عديدة وبإيجاز:
1- الاختلاط المحرم مثالا على ما يشابهه، محرم إذا توافرت شروط التحريم، على المرأة، وهو ذاته دون تعديل محرم على الرجل، والاختلاط المنضبط بضوابط الإسلام، مباح للرجل، وهو ذاته المباح للمرأة، ويستحيل أن يكون الحكم التشريعي غير ذلك وإلا لتناقض مع ذاته، فالاختلاط لا يكون إلا بين “الطرفين”، وما يُستثنى من التحريم فيباح بحكم الضرورة، إنما يستثنى للطرفين في آن، دون تمييز بين ذكورة وأنوثة.
2- لا يجوز أن ينتظر الرجل في حمله المسؤولية وأدائه الواجب، أي في مرحلة الدعوة، إلى أن تزول ظروف الاستبداد والانحلال والفساد والانحراف، فغالب الواجبات المنبثقة عن ضرورات الوضع القائم هي الآن “عينية”، رغم ما يخالطها من صعوبات وعراقيل، وإذا زالت تلك الظروف قد يتحول الكثير إلى واجبات كفائية فحسب، بل ينبغي أن يتحرك الرجل الآن كما يوجب الإسلام عليه، ووفق ضوابط الإسلام كما قررها، وهذا جوهر التحرر الحقيقي المفروض على الرجل المسلم. وجميع ما يقتضيه يسري على المرأة، سواء بسواء!

يجب أن نركز فيما شاع وصفه بقضية المرأة على السؤال سؤال البحث الجاد والعمل الجاد للخروج مما نحن فيه:
كيف يتحرك الرجل وكيف تتحرك المرأة، في الظروف الراهنة في عالمنا المعاصر ورغم أوضاعنا الشاذة، لبلوغ أهدافنا الحالية، كيف يتحركان علما وعملا، فكرا وجهادا، تضحية وصبرا، تحملا للأذى ودعما لطريق التحرر، من أجل إيجاد ظروف أفضل غير تلك التي نشكو منها نساء ورجالا، ولإقامة واقع إسلامي، غير هذا الذي أصبح يُستبعد من حيث ندري ولا ندري، في صنع كثير من أفكارنا ومشاعرنا، فبات بينها ما يتناقض مع الإسلام وإن ارتدت رداءه، وإذا وجدنا الإجابة إجمالا وتفصيلا، يمكن أن تساهم في التعاون والتكامل الضروريين لترسيخ أوضاع منصفة للإنسان، ترقى بالإنسان، جنس الإنسان، من ذكر وأنثى على السواء.

إن جيل المستقبل أقبل بفتياته وفتيانه على الإسلام، إقبالا أخزى بفضل الله تعالى أولئك الذين أرادوا بالعلمانية تقليد مجتمعات منحرفة، ولا ينبغي فيما يمكن وصفه بالمرحلة الانتقالية بين حال وحال، أن يصبح اجتهاد فريق من العلماء والمفكرين، والكتاب والمجتهدين، منطويا على إقامة العوائق في وجهه، والانتقاص من دوره، أو دور النسبة الأعظم منه، تارة بتعميم تهمة التطرف وأخرى بتعميم تهمة التسييب وثالثة بزعم حاجته إلى الانقياد لِما يقال له فحسب، وفي جميع ذلك تشكيك في الشبيبة، ذكورا وإناثا، قد يكون أشد عليهم، وعلى مستقبلهم – وهو مستقبل بلادنا وعالمنا – من مؤثرات ما يتعرض له وتعرضت له أجيال من قبله تحت رايات تحرر زائف مرفوض، قد يغري المنبهرين به حينا، ويستحيل أن يدوم إغراؤه والانبهار به طويلا.
إنما ينتظر جيل المستقبل من أهل العلم والفكر والأدب والاجتهاد، أن يكشفوا عن الضوابط الإسلامية المعتدلة المتوازنة المقنعة، المستنبطة من شرع الله، الصالح بروح التيسير والوسطية فيه لكل زمان ومكان، كي يتحرك كل شاب قادر على التحرك، وتتحرك كل فتاة قادرة على التحرك، على ثغر من الثغور، وما أكثر الثغور هذه الأيام، لأداء الواجب، والنهوض بالمجتمع الصغير حوله وحولها، وبالمجتمع الإسلامي القائم عليهما معا، فذاك ما يعين على ضبط خطوات جيل الصحوة، وعلى تصحيح ما قد يقع فيه من أخطاء وزلل، وكل تحرّك ينطوي على ارتكاب أخطاء، ولكن أكبر الأخطاء هو الامتناع عن التحرك أو الدعوة إلى امتناع شبابنا وفتياتنا عن التحرك الفعال، لمجرد الخوف من الوقوع في خطأ!

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى