رؤية – سورية إلى أين؟

كلمة في ندوة شهرية افتراضية يوم ٢٩ / ٤ / ٢٠١٦م

إلى أين نريد أن تمضي سورية وكيف ندفع بهذا الاتجاه مع عدم إغفال ما يصنع الآخرون؟

ــــــــــ

يطرح الوضع الراهن لقضية سورية عام ٢٠٢٠م أسئلة عديدة ولكنها ليست جديدة، وتحتاج إجابتها إلى التلاقي على قواسم مشتركة بين من يحاولون الإجابة من أصحاب الفكر والقلم، وكان هذا أيضا في إطار خواطر طرحت في ندوة شهرية افتراضية عقدها التجمع الإسلامي السوري في نهاية نيسان / إبريل ٢٠١٦م، وفيما يلي موجز ما ساهم به كاتب هذه السطور آنذاك

. . .

قبل السؤال سورية.. إلى أين، سؤال آخر:
إذا غاب الأسد وبقايا نظامه غدا.. هل توجد مؤشرات فعلية للقدرة على إنشاء نواة بنية هيكلية تصلح لتسميتها دولة أو نظاما وتنطوي على شروط الاستمرارية والبقاء وشروط التطوير والنماء؟
الجواب بالنفي يعني: المعطيات الحالية تؤكد أن سورية ماضية إلى حيث لا نريد.. والسؤال نفسه يشير إلى أننا لا نكاد نملك القدرة على استشراف ما سيكون الوضع عليه.

من يطرح هذا السؤال إذن وأين موقعه من مسار سورية إلى المستقبل؟
إذا كان القصد هو الثقافة والمعرفة فهذا شأن المؤرخين والباحثين الأكاديميين في المستقبل، أما السعي لمعرفة الجواب الآن فيعني الحرص على اقتران الجواب بالتفكير والتغيير، أي توظيف الجواب على أرض الواقع، ولا بد إذن من طرح كلمة “نحن” في إطار منظور أوسع:
نحن.. المقصود السوريون على تعدد انتماءاتهم واقتناعاتهم وقدراتهم وعلاقاتهم ببعضهم ومع سواهم

السؤال: سورية إلى أين؟ مرتبط لدينا بالسؤال: أين نحن في اللحظة الراهنة من مسار الثورة في سورية بعد خمس سنوات مضت على انطلاقتها؟

نحن لا نسأل: إلى أين تمضي سورية لنبقى في غيبوبتنا عن صناعة القرار والحدث، بل نسأل من أجل أن ندفع نحن عجلة التغيير في الاتجاه الصحيح، وإلا لا داعي للدردشات الافتراضية حول السؤال ولا الجواب.

قبل معرفة أين سنصبح غدا لا بد إذن من السؤال:
أين نحن الآن؟
الجواب يبدأ باستيعاب الوضع الراهن، وكلمة الراهن لا تعني أنه ثابت فهو متبدل يوميا، فالمهم هو العناصر التي صنعت الوضع الراهن والتي تغيره باستمرار، ومنها ثلاثة كأمثلة:

العنصر الأول:
الثورة تغييرية تاريخية على مرحلتين متداخلتين: هدم الهيكلية الفاسدة وبناء البديل الصالح.
الهدم بمعنى إسقاط النظام يشمل تفكيك شبكة علاقاته الخارجية باسم سورية والسوريين.
والبناء بمعنى هدف الثورة يعني إيجاد نظام تشمل شبكة علاقات خارجية سليمة باسم سورية والسوريين

العنصر الثاني:
يقوم بالمهمة فريقان مفترقان عن بعضهما حتى الآن:
الثوار من الشعب: مهمة الهدم سلما ثم بالقوة.
النخب: مهمة التخطيط المستقبلي الذي يتطلب التوافق والتواصل والطرح الإبداعي.
ما الذي أوصلنا إلى الوضع الحاضر؟ عوامل عديدة أهمها فيما أرى:
الثوار من عامة الشعب لديهم بحكم الضرورة التاريخية والمجتمعية نواقص لا سيما في الوعي والتخطيط ولديهم أيضا ردود فعل على الممارسات الاستبدادية صنعت حساسية مفرطة على صعيد الانقياد.
التصورات الثورية احتاجت إلى توعية وتوجيه، ووجدت من النخب محاولات في هذا الاتجاه، ولكن اقترنت دوما بالحرص على السيطرة فاصطدمت بتلك الحساسية.
النخب أو غالبية النخب اعتبرت نفسها قادرة على قيادة التغيير الثوري وهي على ما كانت عليه قبل الثورة، فلم تشتغل لتغيير نفسها بحيث تصبح قادرة على التخطيط المستقبلي الشامل الذي تحتاج إليه الثورة التاريخية التغييرية، بل اشتغل كل منها في الدرجة الأولى ليسيطر على مسار الثورة أو الثوار من عموم الشعب.
مثال: عجزت النخب عن توحيد نفسها على طريق التوافق والتواصل والطرح الإبداعي فكان لا بد أن تعجز عن بيان طريق توحيد الفصائل ودفعها في هذا الاتجاه، والنتيجة كما نراها على أرض الواقع، أن النخب ساهمت في دفع تلك الفصائل في اتجاه التمزق والتفرقة.

العنصر الثالث:
أحد العناصر المؤثرة من وراء الإخفاق في مسار الثورة حتى الآن إغفال المفعول السلبي لسوء التعامل مع مسار تغيير شبكة العلاقات الخارجية، ما بين أصدقاء وأعداء وما بين مصالح ومطامع وما بين الثوابت والإمكانات.
هذا جزء من مغزى السؤال: إلى أين؟
هو سؤال من يرصد ولا يعمل أو لا يستطيع أن يعمل:
إلى أين تمضي سورية تحت تأثير القوى التي تصنع القرار والحدث حاليا، وتفرضهما على مسار الثورة؟

هذا سؤال للمؤرخين والدارسين الأكاديميين، ومهما كانت الإجابة المطروحة من قلب الحدث زمنيا ومكانيا يستحيل أن تكون مستقرة ومتكاملة أثناء مسار التغيير الجاري.
وهو في الوقت نفسه سؤال يحمل صيغة أخرى عندما يطرحه من يتفاعل مع المسار التغييري من موقعه الذي يوجد فيه:
إلى أين نريد أن تمضي سورية وكيف ندفع بهذا الاتجاه مع عدم إغفال ما يصنع الآخرون؟

إلى أين؟
أهم احتمالات المستقبل المنظور بمعزل عن مسار الثورة وترشيده أصبحت معروفة ومطروحة ويوجد من يعمل لها، ورغم أنه هو السؤال المطروح في العنوان أكتفي بالتنويه باحتمالين رئيسيين من بينها، مع الإشارة إلى أنهما يكمل أحدهما الآخر:
١- التجزئة الواقعية لسورية بحدود واضحة أو من دونها والاقتتال لزمن طويل، مع استبقاء ورقة مكافحة الإرهاب مدخلا للتعامل السياسي والعسكري دوليا مع مسار الثورة بما يتعارض مع تحقيق أهدافها المشروعة.
٢- تحول مسار الثورات ومنها في سورية إلى حروب إقليمية بتدخلات جزئية دولية لإعادة رسم خارطة القوى المستقبلية لصالح المشروعين الإيراني والصهيوني، على حساب المشروع التركي وبذور مشروع عربي أصبحت نتائج ثورات الربيع العربي بمثابة الحاضنة غير المرغوب فيها لنشأته.

ولكن توجد احتمالات المستقبل النظرية الأخرى لصالح مسار الثورة التغييرية ولن تتحول إلى احتمالات واقعية دون العمل المباشر – وهو مغزى السؤال المطروح في نظري – لدفع مسار الثورات العربية ولا سيما في سورية في اتجاهها.
١- استدراك ما لم تصنعه النخب حتى الآن، أي التواصل والتوافق وطرح مخطط مستقبلي واقعي إبداعي مرن متجدد عبر تطويره المتواصل، ويعتمد على القواسم المشتركة في الوقت الحاضر وعلى عقد وطني للتعامل بين القوى التعددية أثناء الثورة وفي الدولة المستقبلية.
٢- أن يشمل المخطط توجيه قسط كبير من العمل لدعم نمو القدرات الشبابية التي صنعتها الثورة والمعاناة، وتطويرها وتوظيفها، داخل سورية وخارجها.
٣- أن يشمل المخطط ميثاقا للمبادئ والقواعد التي تحدد مسار التعامل مع القوى الخارجية، الإقليمية والدولية، بما يراعي خطوط التقاطع مع المصالح الإقليمية في الدرجة الأولى، واعتبار الالتزام بالميثاق أحد الشروط الأساسية للعمل المشترك على المستوى الثوري الوطني.
٤- أن يشمل المخطط إعادة النظر في أولويات التمويل لاحتياجات الثورة، والتركيز فيها على اعتماد الإمكانات الذاتية لتطوير العمل الثوري والوطني، والعمل على فصل ذلك عما يفترض تأمينه دوليا لتلبية الاحتياجات الإنسانية.

نبيل شبيب

إغلاق