رؤية – تهويد الأرض وتهويد الفكر والسياسة

تمييز مضلل بين فريق وآخر من الغاصبين

لا أخطر من حملات التيئيس ترويجا للعجز وترسيخا للوهم أن الأمة لفظت أنفاسها الأخيرة

ــــــــــ

أرضية التهويد – جوهر المشكلة – حمائم وصقور – القدس هي المعيار

إضافة من عام ٢٠٠٣م

في عام ١٩٩٨م انتشر السخط والغضب في المنطقة العربية، عندما اتخذ نتنياهو من حزب الليكود / اليمين مزيدا من خطوات المصادرة للأراضي وإقامة المستعمرات لتهويد مدينة القدس مثلما فعل أسلافه من حزب العمال / اليسار، وآنذاك كان فريق ممن يعتبرون أنفسهم في القمة بين المثقفين، مثل لطفي الخولي، قد تداعوا مع أقرانهم من الإسرائيليين سرا (في البداية) إلى مؤتمر لدعم خطوات السلام، وتأسست بذلك مجموعة كوبنهاجن (١٩٩٧م) وعُرفت حصيلة مؤتمرها الأول بوثيقة كوبنهاجن، وها هي المجموعة نفسها أو بقاياها تتحرّك مجددا في منتصف ٢٠٠٣م، أي بعد احتلال العراق، وبالتزامن ما تشهده فلسطين من تهويد للأرض ممزوج بدماء أهل الأرض وأصحابها الأصليين، وتخرج مجموعة المثقفين تلك بمحاولة جديدة لإنعاش أساليب “كوبنهاجن” المكملة لأساليب “شارون وبوش”!

أرضية التهويد

قضية فلسطين المصيرية.. وجعلوا منها “مشكلة فلسطينيين وأزمة الشرق الأوسط “.
قضية اغتصاب وتحرير، وتشريد وعودة.. وجعلوا منها مسألة حدود ووعود، واتفاقاتٍ وأكاذيب.

إن تحرك نتنياهو بمشاريع استيطان القدس، يعطي دليلا إضافيا على تلاقيه من اليمين مع أسلافه من اليسار على طريق ابتلاع الأرض وضمّها، مرحلة بعد مرحلة، منذ الاستيطان الاستعماري الصهيوني الأول حتى اليوم، وعلى تعاقب تبدل السلطة بين أحزاب العمال والليكود، وما يوصف بالحمائم أو الصقور، دون تمييز.

ونرصد بالمقابل الاكتفاء بالتركيز على القدس مع التذكير بأنها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين والأرض المباركة وأرض الإسراء ومهد النبوات، ثم ماذا؟ لا نرفض التذكير، ولكن هل المشكلة في مجرد معرفة تاريخ القدس وهويتها أم في تعاملنا الفعلي مع القدس وتاريخها وهويتها؟ هل نحتاج إلى مزيد من الدروس في العقيدة والتاريخ والجغرافيا وعلم الشعوب والقانون الدولي وما إلى ذلك، ونحن غافلون عما ينبغي صنعه رغم علمنا أن ما سيأتي به قادم الأيام أخطر مما مضى، وأفدح بعواقبه إقليميا وعالميا، ما لم يجد من يتصدى له على المستوى المطلوب.

إن قيمة التذكير ترتبط على الأقل بضرورة العمل كيلا ينشأ جيل جديد على أيدينا نحن، نجرده من سلاح المعرفة والوعي بعد تجريد أنفسنا من مختلف الأسلحة الأخرى، مثلما نحتاج إلى التذكير والتأكيد بأن جوهر المشكلة في قضية فلسطين المصيرية –وسواها- يكمن في تضييع نهجنا نحن أولا، فهو ما أدى ويؤدي إلى ضياع الأرض ومقومات الحياة أيضا.

نعايش موجة من سياسة “الابتلاع والضم” اليهودية، في فلسطين عموما وفي القدس على وجه التخصيص، وليست هذه “بدعة” جديدة تحتاج إلى تفسير جديد، بل مرحلة تستكمل ما سبق، وتعد لما بعدها، مع تكرار ما شهدته سائر الفترات الماضية، كذلك ردود الفعل المحلية والدولية ليست جديدة، بل تكرر ما سبق وتمهد للمزيد. وقد نرصد أحيانا ارتفاع وتيرة الاحتجاج في صفوفنا، ولكن لا نلبث أن يغلب عليها نشر التشاؤم والتيئيس مع التثبيط عن أي عمل فعال، فنساهم في وضع أنفسنا بأنفسنا في حلقة مفرغة، ثم في إحكام إغلاقها.

جوهر المشكلة

إن الأوضاع القادمة في بلادنا سـتكون إما من صنعنا نحن بأنفسنا لأنفسنا، أو من صنع سوانا لنا، ثمّ نتقبل النتائج كارهين، وذاك على قدر حجم “تهويد” تعاملنا مع الإرادة الصهيونية ومن وراءها ومع مخططاتها.

المشكلة مشكلة سلوكنا نحن، ورؤانا نحن، وسياساتنا نحن، مشكلة تحركنا أو عدم تحركنا، ونهوضنا أو عدم نهوضنا، وتفاعلنا مع بعضنا وتكامل أطروحاتنا أو عدم تفاعلنا، وذاك ما لا يفرضه سوانا علينا إلا بقدر ما نعطيه نحن من الأسباب والثغرات والمجالات الفكرية والثقافية والاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية ليصنع ذلك.

مشكلتنا أننا لا نصنع على أرض الواقع شيئا لأننا نساهم من البداية، بقصد أو دون قصد، في الإجهاز على كل صوت يطرح جديدا على الساحة، قبل التمحيص فيه وفي دوافع صاحبه، فلا بد من الخروج من حلقة التشكيك المتبادل المفرغة. لا بد من العمل لاستعادة أسباب القوة المعنوية وإيجاد الظروف النفسانية للتحرك، بدلا من محاربة ذلك عبر الاتهامات باللغة الخطابية والحماسية إلى درجة قتل الوجدان وانعدام التأثر بأبشع الجرائم الدموية والحضارية الجارية، ولا بد في الوقت نفسه من العمل الضروري أيضا لاستعادة القدرة على تحويل أسباب القوة المادية المتوافرة إلى قوة فاعلة.

إن القدس وما يُصنع بها لا يعود إلى قوة استيطانية توسعية خارقة بل يعود إلى ضعفنا الانهزامي وتمزقنا الذاتي المتناقض مع كل صيغة من صيغ الحماسة الوجدانية وصيغ التفكير الواقعي المنهجي على السواء. ناهيك عمن يساهمون في هلوسات تنتشر بصبغة فلسفية تنظيرية، للتشكيك في كل ما هو مقدس لدينا وفي كل ما هو ممكن على السواء، حتى الحديث عن الأمل في أجيال المستقبل وأن تحقق ما نعجز عن تحقيقه. وكأن من يمارس ذلك التثبيط طابور خامس بين ظهرانينا، بمواقع فكرية وثقافية، علاوة على المواقع السياسية والأمنية والاقتصادية وغيرها.

هؤلاء المثبطون منذ عقود عديدة تقلبت عناوينهم وتوجهاتهم ولم يتبدل سلوك أسلوب التيئيس في ممارساتهم وأطروحاتهم، وإن تلونت على حسب طبيعة المرحلة، هم تقدميون في عهد القومية الاشتراكية، وهم واقعيون في عهد تزوير “الشرعية الدولية”، وهم مثقفون في مواجهة “الأصولية” بعد تعويم المصطلح وتشويه محتواه واستخدامه في ضرب كل توجه إسلامي، وهم متمدنون مسالمون في ظل العولمة الأمريكية والحملات المضادة للعمل من أجل نصر حقيقي بعد سلسلة هزائم كبرى، في حروب كانت ساحة لهدر الطاقات بدلا من تعبئتها، وكذلك لتوظيفها لأغراض أنانية ترسخ التخلف والتمزق والضعف على كل صعيد.

هؤلاء يحولون كل ساحة فكرية وثقافية وإعلامية وفنية إلى ساحات جدال حول مسلمات من المفروض ألا تكون ابتداء موضع نقاش، لا من منطلق عقدي إسلامي، ولا قومي عروبي، ولا من منطلق الإخلاص للوطن، والشعب، ولا بمنطق المصالح المعنوية والمادية، الحاضرة والمستقبلية، ولا حتى من منطلق هزيل للمفاوضات، فالمفاوض لا يضرب في عمق المساندين وراء ظهره إذا كان يريد حقا انتزاع شيء ما أمامه.

لا يأبهون بشيء وهم يمعنون ضربا في المسلمات، ويستفزون من يستفزون للانشغال بالرد على كل فكرة صـغيرة وكبيرة يطرحونها، وأغرب الغريب في ذلك السلوك بكل ما فيه، من أيام “وثيقة كوبنهاجن” إلى أيام جمعية “حركة السلام” هو أن “الفريق اليهودي المسالم” الذي يتحدثون عنه، ليس فيه من يقبل بطرح “مسلماته التوراتية والصهيونية للنقاش مع مسلمين أو نصارى، من العرب أو العجم، فأين منهم من يحاور حول “يهودية” تل أبيب ناهيك عن تهويده لتاريخ حيفا ويافا وعكا وأخواتها؟

“حمائم” تهويد الأرض

من باب التفريط في الوقت والجهد الاستغراق في مناقشة مثل هذا الكلام، ولكن تفرض قضية الساعة إزاء خطوات تهويد بيت المقدس الشريف وجزء كبير من بقايا فلسطين باسم، بعض الإشارات لعلها تثير مراجعة أطروحاتهم، ومن ذلك ما ورد بقلم “أوري أفنري”، أشهر المثقفين اليهود من “الحمائم” بحسب تقسيماتهم، إذ نشرت جريدة “الأيام” الفلسطينية يوم ٢٧ / ٨ / ١٩٩٧م بعض أقواله نقلا عن جريدة “معاريف” الإسرائيلية معلقا على إجراءات نتنياهو آنذاك:

((الهدف هو تهويد القدس من خلال إخراج العرب منها، وهذا ليس هدفا جديدا، لم يخترعه الثنائي المرح نتنياهو- أولمرت، فحتى أسلافهما من حزب العمل، وعلى رأسهم تيدي كوليك، عملوا بلا كلل لتحقيق هذا الهدف ولكن بصمت))

ثمّ يعـدد الرجل كيف استُخدم أسلوب “منع ترخيص البناء” عن الفلسطينيين رغم تكاثر عددهم بالولادات بصورة طبيعية، وأسلوب “سحب الهويات المقدسية” عنهم بعد أن ساهمت الأزمة السكنية وسواها في خروج ٧٠ ألف فلسـطيني من أبناء القدس إلى بلدان أخرى بقصد الإقامة المؤقتة، وأسلوب استخدام الجرافات في هدم الأبنية التي يقيمها الفلسطينيون دون “ترخيص قانوني.. يستحيل الحصول عليه” ثم يؤكد بعد ذلك كله ضرورة التعايش بين الغاصبين والفلسطينيين، في ظل الكيان الإسرائيلي القائم.

لئن كان أولئك “المثقفون” في صفوفنا يزعمون أن المشكلة هي سياسات نتنياهو وأقرانه فحسب، ويشيدون بالمقابل بسياسة بيريس ويترحمون على رابين، ويغفلون ما كان في عهد حكومات العمال الإسرائيلية من تطهير عرقي في القدس الغربية، ثم ضم القدس الشرقية، ثم توسعة بلدية المدينة لتشمل خُمس الضفة الغربية، وكانت مصادرة ١٥٠ ألف دونم من أرض الفلسطينيين، وكان توطين ١٤٠ ألف يهودي غريب في أرض المشردين، وكان تهديم البيوت ومنع الترخيص ببناء بيوت للفلسطينيين وإقامة ٤٠٠٠ وحدة سكنية يهودية واستئناف بناء ٣٠٠٠ أخرى سبق لحكومات الليكود الشروع بها، كما كان الشروع في بناء ١٠ آلاف تابعت حكومة نتنياهو إقامتها من بعد، وفي عهد العمال أيضا كانت الطرق الالتفافية حول القدس بالذات وفي مجموع الأرض المحتلة منذ عام ١٩٦٧م، مما بلغ ٢٨ طريقا بطول ٢٢٨ كيلومترا على أرض مصادرة مساحتها ٢١ ألف دونم.

وفي عهد العمال قبل الليكود كان معظم الحفريات في بيت المقدس الشريف، بما أحاط الحرم القدسي من مختلف أطرافه الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية، وما قضى على الأحياء الإسلامية الفلسطينية حوله كحي المغاربة، وانتشر تحت أسسه، وبات يهدد بانهيار منطقة المحراب، وجامع عمر، والأروقة الجنوبية، والمحكمة الشرعية، ومدرسة الروضة، ومعظم أبواب الأقصى ومسجد الصخرة، ومع استخدام المواد الكيمياوية بما يهدد أسس الأبنية كما ورد في تقرير اليونيسكو عام ١٩٦٦م، وحتى النفق الذي افتتحه نتنياهو متبجحا به كان قد فرغ بناؤه قبل عهده.

إن الفارق بين اليمين واليسار أن فريقا من الصهيونيين يصنع بتبجح غبي ما صنعه الآخرون من قبل بدهاء مضلل، ولكن التبجح لا يحرج على ما يبدو طابور الساسة والمثقفين الداعين إلى “السلام”، ولم يحرجهم من قبل مسار مماثل سيّان من يختاره الإسرائيليون للسلطة ونتنياهو لم يصنع في القدس وفلسطين وفي التعامل مع الفلسطينيين والعرب جديدا، إنما انكشف في تبجحه ما كانت حملة التضليل “السلمية” تموّه عليه، والمفروض أن يدرك كل مخلص للقضية، أن الصهيونيين لن يتخلوا عما يصنعون وأن العداء الأمريكي لن ينقطع، وأن القضية لن تجد مسارا عادلا إلا بعد أن ينتهي الاغتصاب المعاصر وما فيه من تسليم إقليمي وعلى المستوى الدولي، كما انتهى العهد الصليبي الغابر وكان من يعايشونه يظنونه أبديا لا نهاية له.

القدس هي المعيار

إذا كان تغيير الواقع باتجاه تشييد البناء المنشود في المستقبل بما يعيد الكرامة والأرض والقدرة على الحياة في عالمنا المعاصر وهما من الأوهام في أعين المستسلمين باسم الواقعية، فلا نملك سوى النظر في تقلب صفحات التاريخ، وتقلب الأيام معها بين الأمم لنقول: ما ذاك على الله ببعيد، ولا هو بمستحيل على أمة تملك ما نملك.

المفروض أن يعلم أدعياء “الواقعية الانهزامية” بأن هذا الطريق الآخر لفهم الواقع واستيعابه من أجل تغييره، هو ما يمثل “المنهجية الواقعية” عند سائر الأمم الأخرى، فعلام يراد حرمان العرب والمسلمين منها، ويراد تزييف “المنهجية الواقعية” لهم، لتكون “استسلامية” تقوم على تراجع بعد تراجع وتسليم بعد تسليم، والخنوع لكل واقع جديد، يصنعه الآخرون؟

طوال المسيرة السـلمية العتيدة، منذ لاءات الخرطوم وحتى كامب ديفيد ومشتقاتها وأوسلو ومتاهاتها، وهم يعملون لإقناع العرب والمسلمين بأن حيفا ويافا واللد والرملة وقيسارية وبيسان والساحل والنقب، جميع ذلك كان عربيا وصار إسرائيليا، كان “أرضا مباركة” وصار “أرضا موعودة”، كان يوجد أمل في تحريره ولم يعد يوجد أمل. وقد نشروا اليأس فعلا على أوسع نطاق، أو شغلوا القطاع الأعظم من شعوب العرب والمسلمين بقضايا الفقر والبطر وقضايا الحدود الجانبية والخلافات القطرية، ثم استعصت عليهم “مشكلة” القدس، فهنا لا تملك سائر الأساليب وسائر الألبسة والأصبغة إقناع فرد مثقف أو جاهل من عامة المسلمين بتهويدها، أو السكوت عن تهويدها، وهو يسمع ((سبحان الذي أسرى..)) كذلك لا تستطيع إقناع فرد منصف، مثقف أو جاهل، من عامة العرب النصارى، بأن القدس وما فيها من كنائس وأديرة، المحفوظة منذ قيامها إلى اليوم، يمكن أن تكون في وضع أفضل في “عهدة اليهود” مما كانت عليه عبر القرون المتوالية الماضية في أيدي من صدقوا في حملهم تبعات “العهدة العمرية”!

هذا مما ينطوي عليه المغزى الفكري والسياسي والواقعي في متابعة إجراءات التهويد المستمرة في القدس، فهي تخاطب الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وتقول: إذا صدّقتم زعم من زعم أن الصراع مشكلة حدود واتفاقات، فتذكروا مجددا أنه صراع أرض ومقدسات، وحضارة وتاريخ، وعقيدة ووجود!

القدس هي المعيار، بناها اليبوسيون من قبل ظهور يهود واليهودية بألوف السنين كما بنوا نابلس وأريحا والخليل وبيسـان وعسقلان وغيرها، ولم يغادروها هم ولا أقرانهم من الشعوب التي هاجرت من قبل إلى فلسطين من قلب الجزيرة العربية وأطرافها، من الكنعانيين والأروميين والحثيين وسواهم، لم يغادروها قط ولم يغادروها في حقبة دولة التوحيد الأولى، حتى في أيام بناء هيكل سليمان -عليه السلام- إذ تقول توراة اليهود إن عدد من شارك في بنائه من غير اليهود، من أولئك الشعوب، كان يعادل خمسة أضعاف اليهود!

القدس هي المعيار، وهي التي تقول بصددها التوراة الحالية في سفر حزقيال (١٦ / ٢-٣): (هكذا قال يهوه الرب لأورشليم: معدنك ومولدك من أرض كنعان، أبوك أموري وأمك حثية)

القدس هي المعيار، وهي التي ورد في التوراة عن جرائمهم بالأمس المشابهة لجرائمهم اليوم ما لا يكاد يُحصى من مثل ما جاء في سفر عاموس (٨ / ٧-١٠): (قد أقسم الرب.. أني لن أنسى إلى الأبد جميع أعمالهم، أليس من أجل هذا ترتعد الأرض، وينوح كل ساكن فيها، وتطمو كلها كنهر، وتفيض وتنضب كنيل مصر.. أنني لأغيب الشمس في الظهر، وأقتم الأرض في يوم نور.. وأحول أعيادكم نوحا، وجميع أغانيكم مراثي..)

القدس -ولا ننسى أو نتناسى سواها- تبقى هي المعيار والعنصر الحاسم في مسيرة التاريخ الذي نعاصر أحداثه الراهنة، والتي ستكون منطلق ما سينبني عليها في مستقبل المنطقة بأسرها، وهي المعيار لمدى إخلاص أصحاب مختلف الدعاوى والاتجاهات والانتماءات والمدارس السياسية والثقافية والفكرية، فهل تصل أوهام كامب ديفيد ومدريد وأوسلو إلى مستوى التخلي عن القدس أيضا، أو مستوى تقبّل عروض فاسدة كاقتسام إدارتها دون السيادة عليها أو تسمية بضع قرى فلسطينية مجاورة لها باسم “القدس” لتكون من ثمّ عاصمة لدويلة فلسطينية ممسوخة مقيدة، بديلا عن مدينة القدس الحقيقية، بلدة المنبر القائم في المسجد الأقصى، وعليه العبارات التي نقشها نور الدين زنكي في حلب، على بعد مئات الكيلومترات من القدس، قبل أربعين عاما كاملة من فتح صلاح الدين  الأيوبي للمدينة، محررا لها لما حولها من استعمار الصليبيين الاستيطاني على امتداد ٨٨ سنة سابقة.

القدس هي المعيار، وستكون معيارا حاسما للتعامل مع القضايا المصيرية في بلادنا العربية والإسلامية وفي عالمنا وعصرنا، وقد تكون نقطة التحول المركزية من حقبة تاريخية مظلمة إلى أخرى مشرقة مشرّفة، وصدق الله تعالى القائل في كتابه العزيز {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرة وليتبّروا ما علوا تتبيرا}.

نبيل شبيب

إغلاق