قضية فلسطينمراجعات ورؤى

رؤية – انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠م

محطة تاريخية لصناعة المستقبل

ــــــــــ

هذه كلمات وفقرات مقتطفة من ثلاثة مقالات نشرت في موقع إسلام أون لاين يوم ١٥ / ١٠ / ٢٠٠٠م وفي جريدة الشرق القطرية يوم ٦ / ١٢ / ٢٠٠٠م وفي موقع الجريدة الإلكترونية يوم ٧ / ١ / ٢٠٠٢م، وجميعها حول انتفاضة الأقصى، ونشرت الحصيلة الموجزة في موقع مداد القلم يوم ٢ / ٢٠ / ٢٠١٨م ويتجدد النشر مع مرور الذكرى العشرين لانطلاقة الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى)، وهي من تاريخ فلسطين والمنطقة حديثا، وتؤكد التطورات الإجرامية تحت عنوان “التطبيع وصفقة القرن” أن المزيد من الانتفاضات والمقاومة والعمل البعيد المدى ستسجله أيام أخرى قادمة على طريق صناعة المستقبل.

*        *        *

ناصر مصبح.. طفل فلسطيني، ١٢ عاما، قتله الإسرائيليون يوم ٢٨/ ٩/ ٢٠١٨م.
كان ذلك يوم “جمعة انتفاضة الأقصى” وكان ميلاد الانتفاضة يوم ٢٨/ ٩/ ٢٠٠٠م.
محمد الدرة.. طفل فلسطيني، ١٢ عاما، قتله الإسرائيليون يوم ٢٩/ ٩/ ٢٠٠٠م.
ولن تقتل الجرائم إرادة شعب ثارت من أجل تحرير الإنسان والأوطان، وقد بلغت في هذه الأثناء محطة “مسيرات العودة”.. وستضاعف جرائم هذه الأيام من ثورة الإرادة الشعبية، كما ضاعفت الجرائم أيام انتفاضة الأقصى من اشتعال لهيبها، فامتدت في أنحاء فلسطين ولاحقا في العديد من البلدان العربية والإسلامية وحتى في الدول الغربية.
بل إن تجدد التحرك الشعبي الفلسطيني بالمقاومة، والانتفاضات، كان الشرارة الحاسمة التي وصل مفعولها إلى بلدان عربية أخرى عمّتها الثورات الشعبية، وهذا ما يعطي انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠م مكانة مفصلية تاريخية، هي محور المقتطفات التالية من مقالات نشرت في العام الأول للانتفاضة.

*        *        *

مقتطفات من مقالة “انتفاضة الأقصى”
نشرت في موقع إسلام أون لاين يوم ١٥/ ١٠/ ٢٠٠٠م

نعايش لحظة تاريخية (ولا تقاس اللحظات التاريخية بساعات وأيام معدودة) يمكن اعتبارها مفصلا من مفاصل التحوّل بين مرحلتين في مسيرة أحداث قضية فلسطين، وليست قضية فلسطين قضية “جغرافية” محصورة في بقعة من الأرض، وإن كان هذا الجانب من القضية هو المحور الأول والحاسم، بل هي قضية صراع شامل بأبعاد عقدية وحضارية وتاريخية وجغرافية، فضلا عن أشكال التعبير المباشر عنه سياسيا وعسكريا واقتصاديا. ومن طبيعة مفاصل التحوّلات التاريخية أن ينطوي الحدث الآني على مؤشرات مخاض شديدة الاشتعال، فتثير في النفوس أشدّ درجات الألم الغاضب، وكذلك أن تظهر في أفق الأحداث تناقضات تجمع في وقت واحد ما بين إفرازات مرحلة راحلة تحتضر وإرهاصات مرحلة مقبلة تولد.

ربّما بدا الحدث ” مفاجئا ” في توقيته (وهذا ما بدا من بعد في ثورات الربيع العربي أيضا) وذاك من طبيعة أحداث “التغيير” في كل مفصل من مفاصل مسيرة التاريخ، أما من حيث المضمون وحتمية الوقوع، فقد كان منتظرا، وبالمقابل لا بد من انتظار “الرد على الحدث” أيضا، بمختلف أشكاله المحتملة في الحسبان، فكما كانت “مدريد وأوسلو” ردا على الانتفاضة الأولى، يمكن أن يأتي الرد الآن في صور عديدة، فالحدث أكبر وأوسع نطاقا من إمكانية الإحاطة به بأساليب “التطويق” التقليدية وعمليات “امتصاص الغضب” المعتادة.

وتكمن قوته الفاعلة في أسباب ومعطيات عديدة، منها أنه لا يمثل “ثورة سياسية أو انقلابا حزبيا أو عمليات مسلحة”، فلا توجد لقوته الفاعلة بنية “هيكلية” يمكن تحديد معالمها وتوجيه ضربة لها، سواء على شكل طعنة في الظهر كما كان بعد مدريد وأوسلو، أو على شكل بطش مباشر، كما تجري الممارسات في المنطقة العربية والإسلامية عموما منذ عدة عقود.

للأحداث حلقات قادمة، فانتفاضة الأقصى صنعت بداية، وهذا في مقدمة ما ينبغي وضعه نصب الأعين، وجعله هدفا لبلوغ أهداف تالية، وهي دون ريب بداية تحول شعبي عربي شامل.

*        *        *

مقتطفات من مقالة “الانتفاضة بين التشكيك ووضوح الرؤية”
نشرت في جريدة الشرق القطرية، في جزئين،  يوم ٢٩/ ١١/ ٢٠٠٠م ويوم ٦/ ١٢/ ٢٠٠٠م

بعد أقلّ من شهرين من انطلاقة الانتفاضة من ساحة المسجد الأقصى، بدأت أصوات معروفة تظهر على السطح بمواقف التثبيط والتخذيل والتشكيك، وإن صدر بعض ذلك بعبارات منمقة تنتحل أصوات المشفقين حينا، والمعلّمين حينا آخر. وكانت أصوات التشكيك تلك كسواها من أصوات “التطبيع” قد همدت، ولو لبضعة أيام أو أسابيع، إذ أفلست أمام الحدث الذي فاجأها انفجاره، بعمق مدلولاته، كما أخمدها حجم التضحيات مع عمق مفعولها في الأرض العربية والإسلامية.

المشكلة ليست في “التشكيك” في جدوى الانتفاضة، ولكن في أن هؤلاء يرفضون مسبقا الانتفاضة بحد ذاتها وبفعالياتها الشعبية، وقد لا يمضي المشككون إلى درجة التجرّؤ على إنكار سمو التضحيات والبطولات فيها، ولكن التشكيك يتخذ قالبا أوسع نطاقا وأبعد خطرا، ويتمثل في اعتبار طريق النضال أو الكفاح أو الجهاد أو القتال – سمّها ما شئت – طريقا مرفوضة، واعتبار “خيارها” خيارا مستحيلا علينا، والأغرب – أو الأوقح – من ذلك، أن يقترن هذا الادعاء بزعم يقول إن العنف “سلوك منبوذ” في عالمنا المتحضر المعاصر، الذي يفضل بدعواهم أساليب السلام والمفاوضات والوقاية من الأزمات؛ ففي هذا الزعم درجة قصوى من الجرأة على قلب الحقائق قلبا “منهجيا” من جانب من يدعون المنهجية والعقلانية، يتجاهل بصورة عجيبة ما يوجد من مخازن للأسلحة النووية والحيوية والكيمياوية القديمة والحديثة، وما يُبتكر يوميا من أسلحة جديدة، وما تجري تجربته في حرب عدوانية بعد أخرى.

هل المطلوب إسقاط عنصر استخدام القوّة فلسطينيا وعربيا وإسلاميا فحسب؟
هل يقدّر الماضون على هذا الطريق عواقب ذلك بالنسبة إلى المنطقة بمجموعها، بما فيها تلك الرقعة المباركة حول المسجد الأقصى، التي كانوا وما يزالون يتعاملون معها، وكأنها أرض “أخرى”، لشعب “آخر”، وإن وصف أحيانا بالشعب الشقيق، فيمكن دعمه على حسب الظروف والرغبة، أو التخلي عن دعمه حسبما يظهر من مصلحة زائفة!

إن التأكيد على روح التمرد والرفض في هذه الانتفاضة، لا يعني أن نتجاهل أو ندعو إلى تجاهل حقيقة موازين القوى الراهنة، ولا ما تقول به المدارس السياسية والعسكرية بشأن بلوغ الأهداف عن طريق الجمع بين عدد من الوسائل في وقت واحد، كما لا نتجاهل الظروف المعيقة الراهنة في المنطقة.

هذا التشكيك ينطوي على عملية تضليل مزدوجة، فهو تضليل من حيث المنطلقات التي يستند إليها الاستغناء عن فلسطين عام 1948م، وتمسكا بذاك الخيار الاستسلامي الاستراتيجي، وخضوعا لتبعية أجنبية للقوة الأمريكية والصهيونية، دون جدال.

يسقط مفعول التشكيك تلقائيا عند وضوح الرؤية كما ينبغي..
نحتاج إلى وضوح الرؤية كواجب مفروض من حيث الأساس، بوجود المشككين وغيابهم، وبما يشمل رؤية المنطلقات والأهداف المرحلية والبعيدة، والموازنة بينها وبين الممكن المتوفر، والمطلوب المفتقد الآن وسبل إيجاده، وبما يشمل تحديد الثغرات ونقاط الضعف، لغرض واضح بيّن هو العمل على سدّها والتعويض عنها، وليس للتسليم بالدعوى القائلة إنها ثغرات كبيرة لا تُسد، وهنا يكمن الفارق الرئيسي مع ما يصنعه التشكيك، عندما يجعل من النواقص والثغرات ونقاط الضعف، أسبابا وذرائع للتثبيط والتخذيل بدلا من منطلقات تستدعي استثارة مزيد من القوى من أجل التصحيح وسدّ الثغرات وتقديم الدعم الفعال.

إن العرب والمسلمين، لا سيما الجيل الشاب الناشئ في ظل هيمنة حملات العولمة بهوية أمريكية أو عولمة الهيمنة الأمريكية بحملات جديدة، يدينون بالكثير لحدث الانتفاضة التاريخي، وللوعي الشعبي الذي عبّرت عنه، ويجب أن يأخذ ذلك شكله الظاهر للعيان عبر التضامن المشترك والمحقق للأهداف المشروعة، من وراء سائر الحدود والحواجز، وهنا ليس المطلوب تقديم “الدعم” من طرف خارجي للانتفاضة، بل المطلوب هو الوعي الذاتي بموقع الانتفاضة من خارطة المتغيرات الجارية على أرض العرب والمسلمين وحيثما ساد ظلم الإنسان، جنس الإنسان.

وهنا بالذات يبدو للعيان كم باتت مواقف التشكيك في الانتفاضة وجدواها هزيلة وواهمة، لا سيما تلك التي تقول إن الانتفاضة لا يمكن أن تدحر آلة الحرب الإسرائيلية، هذا صحيح إذا تحركت الانتفاضة وتحرك العرب والمسلمون بمنطق المشككين، فصورة الحجر مقابل الدبابة والشهيد الطفل مقابل متاريس الجنرالات وجنودهم، صورة بطولية قد لا يفقه المشككون مغزاها، إذ لا يستشعرون أو لا يريدون أن يستشعروا ولا أن يدرسوا ما يعنيه في عالم السياسة الواقعية ومدارسها كسرُ حاجزِ الخوف في واقع المواجهات والتعامل اليومي، وليس في أفلام سينمائية وروايات أدبية وقصائد حماسية.
1- إن هذه الصورة البطولية الجليلة تعبّر عن روح الانتفاضة ولكنها لا تعبر – وحدها – عن منطق آلية التغيير الذاتي والحاسم كما يبديه موقع الانتفاضة بمجموعها من تاريخ القضية.
2- الانتفاضة لا تدحر جيشا، ولكنها تصنع شعبا، ويستحيل انتصار جيش على شعب حيّ، كما يشهد التاريخ القديم والحديث، وعبر مختلف حقب تطوّر التقنيات العسكرية، وهذا بعض ما يفسر الرعب الراهن لدى بعض عقلاء اليهود وعقلاء الغرب عموما.
3- والانتفاضة لا تطرح تلقائيا “صيغة سياسية” متكاملة وبديلة عن الصيغة التي جلبت من الأضرار والأخطار ما جلبت، ولكن الانتفاضة تحيي الإرادة.
٤- ليس المطلوب دعم الانتفاضة بحدّ ذاتها، بل المطلوب دعم التطور الجاري نحو مستقبل أفضل في المنطقة، والذي تشكل الانتفاضة جزءا عضويا منه، فمن يشكك ويثبط ويخذل، ومن يمنع مظاهر التضامن المشترك في كل مكان، أو يحظر الدعم الفعال بمختلف الوسائل، إنما يطعن في مستقبل المنطقة بمجموعها، وليس في قضية فلسطين المصيرية المشتركة فقط، ولا يطعن في ظهر شعب فلسطين في مواجهته الميدانية فحسب؛ بل ويطعن في مصلحته الذاتية، فعجلة بناء مستقبل أفضل قد تحركت، ولا يوقفها تشكيك بل يعزل صاحبه عن مسيرتها، ولا يوقفها “إجراء أمني” وإن سبب الضرر والعراقيل، كما لا يمكن أن يوقفها “عقم سياسي” بات عاجزا عن إيجاد البدائل والخيارات المتعددة حتى في حدود أهدافه الضيقة، وذاك في عصر من الواقعية السياسية يجعل الاقتصار على أي خيار استراتيجي “وحيد” ضربا من ضروب الانتحار السياسي، لا أكثر.

*        *        *

مقتطفات من مقالة بعنوان “الانتفاضة تؤرخ لقضية فلسطين”
نشرت في “الجريدة الإلكترونية”، يوم ٧ / ١ / ٢٠٠٢م

الانتفاضة أسقطت أقنعة الخداع والتضليل..
عبر ربع قرن على الأقل (هذه الكلمات من عام ٢٠٠٠م) أي طوال مسيرة كامب ديفيد- مدريد -أوسلو، كان التصرف الرسمي بقضية فلسطين المحورية المصيرية وتحت مختلف العناوين، يجري بمعزل عن إرادة الشعوب العربية والإسلامية، وهي في فلسطين وخارجها صاحبة الحقّ الثابت بممارسة حقّ المصير وحقّ التحرير، بمفهوم القانون الدولي، كما أنها هي التي تحمل الأمانة للحفاظ على الأرض المباركة ولتحريرها، بمفهوم الإسلام، وهي أيضا صاحبة الكلمة الفصل بمقاييس المسيرة القومية العربية في العقود الماضية!
وكان غالب من يتحدث عن القضية ويتصرف بها، يزعم لنفسه أنه إنما يتحرك باسم تلك الشعوب، أو يتصرف وفق إرادتها. ولكن باسم تلك الشعوب المسلمة بغالبيتها طُرحت شعارات الهبوط بالقضية إلى مشكلات مجزأة مفتّتة، ما بين نزاع فلسطيني-إسرائيلي، وأزمة “شرق أوسطية” أي مشكلة حرب وسلام وليس اغتصاب وتحرير، وخلافات حدود واتفاقات وليس صراع حقّ ووجود، وفي كل مرحلة من تلك المراحل كانت النقلة تجري مصحوبة بعملية غسيل دماغي جماعية جديدة، وبموجة من الشعارات المخادعة الجديدة، ما بين بريق الصياغة الإيجابية وحضيض المضمون الواقعي للمقصود منها.

الانتفاضة أسقطت أقنعة الخداع والتضليل..
ربما ما زال في الإمكان أن يُصنع بعد مسيرة انتفاضة الأقصى بقضية فلسطين شبيه ما كان يُصنع بها قبل ذلك التاريخ، أي ربما تتعرض لمزيد من الطعنات في النحر والظهر، ولكن لم يعد يمكن تسمية الطعنة الغادرة وطنية وإخلاصا، ولا تسمية الهزيمة المنكرة انتصارا مؤزرا، ولا تسمية تنفيذ إرادة الهيمنة الأمريكية تلبية للإرادة الشعبية، ولا تسمية التسليم سلاما، والخضوع مَجْدا، والظلم شرعية دولية، وألوان الخيانات والموبقات تطبيعا. لقد أعادت الانتفاضة إلى الأشياء مسمياتها، هكذا علنا جهارا، فالأبيض أبيض، والأسود أسود، ولم يعد يمكن المخادعة بما يسمونه اللون الرمادي، فما هو إلا “خليط من بعض الحق ومعظم الباطل” وما كان في يوم من الأيام “حلا وسطيا” يصنعه سائر الناس، كما يزعم أدعياء الواقعية والعقلانية متسائلين ببراءة الثعالب: فعلام لا نصنعه ونقبل به نحن أيضا؟

لقد آن أوان الماضين وراء سرابٍ فقد حتى بريق السراب، أن يدركوا أن بين أيديهم حقائق ووقائع جديدة، إن لم يضعوها في حسابهم فلن يفيدهم سواها، كما لن يفيد الغاصبين عدوانهم وإن ظنوا “حصونهم مانعتهم” فإنهم – بما يصنعون الآن – بدؤوا يخربون بيوتهم بأيديهم.

آن الأوان أن يدركوا أن تاريخ القضايا المصيرية لا يقاس بالشهور والسنوات ولا بأعمار الزعماء، بل بما تصنع الأجيال وقد انفصم ما بينهم وبين الجيل الذي يتسلّطون عليه، وما أبناء فلسطين إلا جزء من جيل البلدان العربية والإسلامية هذه الأيام، وهم معه على درب آخر، غير الذي أسقط فلسطين وما حولها.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى