رؤية – العلاقات بين المسلمين والمسيحيين

بين التوتر والتعايش

تكمن المشكلة في ممارسات تنسب للإسلام أو للمسيحية، ويشهّر مرتكبها بممارسات الآخر للتنديد به، وإن تشابهت غالبا مع ممارساته الذاتية

ــــــــــ

المحتوى
مقدمة
(١) مصادر توتر معاصرة
(٢) أغراض سياسية وممارسات استفزازية
(٣) بين المنطلقات الإسلامية والتطرف
(٤) لا يزول الفساد والإفساد إلا بالإسلام

مقدمة

سبق أن نشرت هذه الرؤية التحليلية عام ٢٠١٠م في موقع “إسلام أون لاين” قبل الثورات الشعبية، وبعد الهجمة العسكرية الأمريكية على أفغانستان والعراق فضلا عن استمرارها عبر القاعدة الأمريكية المتقدمة في فلسطين ومن خلالها على ما حولها، كما نشرت في أكثر من إصدارة من مداد القلم، إنما لم تنحسر الحاجة إلى وقفة هادئة تخرج بالعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين ولا سيما النصارى / المسيحيين من الانزلاق إلى التوتر والصدام على مستوى النخب والشعوب، وهو من أخطر ما تصنعه الاعتداءات الرسمية، السياسية والعسكرية والاقتصادية، وفد كان ولا يزال من الصعوبة بمكان الحديث عما توجبه المنظومة العقدية والقيمية في الإسلام بصدد التعامل مع المسيحيين، ونحن نعايش أحداثا جساما تثير من الغضب ما يطغى في الواقع المعاش على “الجانب النظري” كما يقال، إنما هذا بالذات ما ينبغي أن يثير القلق من أن يسبب الألم الشديد تغييرا في تكوين المسلم الفرد نفسه وتغييرا في علاقاته مع سواه، في اتجاه سلبي يخالف ما يوجبه إسلامه، فآنذاك تتحقق أهداف صنّاع آليات التقتيل والطغيان حتى وإن وجدوا الهزيمة في المواجهات الميدانية العسكرية والسياسية، والواقع أن هذا في صميم ما نفهمه من الأسلوب القرآني المعجز على مدى العصور، حينما نقرأ: (وقالت طائفة..) (ودّت طائفة..) (ليسوا سواء..) (إن منهم لفريقا)؛ ففي جميع هذه المواضع وأمثالها يعلمنا القرآن الكريم تجنّب التعميم، مهما كان جرم “فريق” من الطرف “الآخر” كبيرا، ناهيك عن أن نصبح عبر ردود الأفعال وتحت ضغط الآلام والغضب مثل ذلك الفريق أو الطائفة، فنصبح ممن يستحقون ما نرى نحن الآن أنهم يستحقونه من رفض وإدانة ومواجهة في مختلف ميادين المواجهة.

في أيام احتفال المسيحيين / النصارى بأعيادهم مع نهاية كل سنة ميلادية، لا نغفل عن التعامل مع الأحداث الجارية عبر ما توجبه في كل حالة على حدة، إنما يحسن التذكير رغم ذلك بالوضع الأصلي الواجب أن يكون في ممارسة العلاقات بين المسلمين والنصارى.

(١) مصادر توتر معاصرة

الحاجة إلى استقرار علاقات قويمة متوازنة بين المسلمين والمسيحيين عموما وداخل البلدان الإسلامية تخصيصا حاجة حيوية، عقدية ومعيشية وحضارية، يمكن تحقيقها عبر الوعي بوجود اختلافات عقدية ومنهجية، ورؤى تاريخية متباينة، قديمة وحديثة، وليس عبر تجاهلها أو تمييعها أو القفز من فوقها أو تصور وهمي بإمكانية إزالتها من خلال وسائل الحوار، الضروري في الأصل بين المؤسسات والأفراد، فميزته كامنة في تثبيت قواعد للتعامل رغم الاختلافات، وليس في طرح تصورات متوهمة تقول باستحالة التعامل إلا بعد إزالة تلك الاختلافات.
المرفوض هو التوترات والمواجهات وتبادل الاتهامات افتراءً وتعصّبا، والمرفوض توظيف اختلاف عقدي في إثارتها، وليس المرفوض بالضرورة تجنب ذكر الاختلافات، فهذا مما يجعلها تتحول إلى مصدر توترات، إذ يستغل المتطرفون من كل جهة، الجهل بحقيقتها عبر نشر أطروحات منحرفة توظفها لصنع التوترات صنعا، بل إن الأمر الطبيعي هو وجود تلك الاختلافات، فهذا ما يعنيه التعدد العقدي، والأمر المفيد هو طرحها الموضوعي المنهجي، فهذا ما يمنع استغلالها المتطرف.

إنّ كثيرا من الجهات الفكرية والكنسية تطرح في أوساط المسيحيين وعلى الملأ رؤاها حول الإسلام، وهذا شأنها، فإن تجاوزت حقائقه لن يبقى ذلك طويلا بل ينكشف آجلا أو عاجلا، وإن كثيرا من الجهات الفكرية والتنظيمية الإسلامية تطرح في أوساط المسلمين وعلى الملأ رؤاها حول المسيحية، ومن يتجاوز الحقائق لن يصمد ما يطرحه طويلا، بل ينكشف آجلا أو عاجلا، إنما لا يمكن أن تستقر العلاقات على أساس “الجهل” ولا على أساس أن يطرح طرف رؤاه ولا يصنع ذلك الطرف الآخر، وليس طبيعيا اعتبار ذلك ذريعة لحملات وحملات مضادة، بل ينبغي أن يكون المسلم واعيا بدينه، عالما بما يتميز به، مدركا لمواطن الاختلاف بينه وبين سواه، وهذا أيضا من حق المسيحي – وسواه – بصورة مقابلة، إلى جانب وجوب تثبيت قواعد نزيهة متوازنة للتعامل بين طرفين مختلفين، عقيدة ومنهجا، بحيث يتقبل كل منهما وجود الآخر كما هو، ويعمل على التفاعل معه في مواطن الاهتمام المشترك، لتحقيق أهداف متوافق عليها من خلال أبعادها الإنسانية الشاملة من جهة، وعدم تعارضها مع الاقتناعات الدينية الذاتية لكل طرف مع نفسه من جهة أخرى.

ليست المشكلة في الاختلاف العقدي والمنهجي، بين الإسلام والمسيحية، بل تكمن المشكلة في الممارسات الصادرة عمن ينسب نفسه للإسلام أو للمسيحية، ثم يشهر بممارسات الآخر للتنديد به، واستثارة التوترات معه، حتى وإن تشابهت تلك الممارسات في كثير من المجالات أو من حيث الأساس مع ممارساته الذاتية.
لا يلام أهل الغرب مثلا على ما يعلنون (بغض النظر عن النوايا) من قلق بصدد مصير المسيحيين في بعض البلدان على خلفية الأحداث الجارية فيها، ومن يلومهم من المسلمين بسبب ازدواجيةٍ معروفةٍ في معاييرهم ومواقفهم – أو هذا ما يسري على نخبهم من صانعي القرار – لا ينبغي أن يقبل في الوقت نفسه بمواقف تصدر عن بعض المسلمين وتقتصر أحيانا على الاهتمام بفئة المسلمين في تلك البلدان دون سواهم.
ولا يلام أهل الغرب أو من يصنع ذلك منهم على ما يطرحونه (في حدود المشروع فقط) تحت عنوان احترام حقوق الأقليات من المسيحيين في بعض البلدان الإسلامية، فما يرونه “تضامنا” بين أهل الديانة الواحدة من وراء الحدود، يراه المسلمون كذلك عبر التضامن فيما بينهم، بما يشمل الأقليات والفئات السكانية المسلمة في بلدان ذات غالبية من المسيحيين، والأصل إسلاميا أن يضيفوا إلى هذا التضامن العقدي الواجب، التضامن الواجب مع الإنسان على أسس الكرامة والحق والعدل.

على أن ما يسود في المنطقة الإسلامية على صعيد العلاقات بين المسلمين والمسيحيين يتجاوز هذا وذاك، ويحمل من الخلفيات السياسية والعسكرية الضارية ما تحمله جوانب أخرى من تعامل صانعي القرار مع هذه العلاقات، في الغرب الذي يوصف تارة بالمسيحي وأخرى بالعلماني، وفي بلدانٍ إسلاميةٍ فقدت إلى حد بعيد ما يُفترض تثبيته من هوية وتميز ومنطلقات إسلامية قويمة، فلم تعد إسلامية بمعنى الكلمة الشامل ولم تصبح علمانية ولا يمكن أن تصبح أصلا.

(٢) أغراض سياسية وممارسات استفزازية

الأغراض السياسية عدوانية، والممارسات الاستفزازية بلغت حد الهمجية العلنية (بل وصلت – حديثا – مع ترامب وماكرون وأقرانهما، إلى البلطجة الدولية الاستعراضية). لا يكاد يوجد بلد إسلامي غير مستهدف، بجهود خارجية أو عن طريق تحرك أنظمة تبعية سياسيا وعسكريا في اتجاهات انتحارية مدمّرة.
تعرض السودان لعقود عديدة لتنفيذ مخطط تفتيته إلى أكثر من دولة انطلاقا من أطروحة التمييز بين مسلم في الشمال ومسيحي في الجنوب عموما، رغم وجود مسلمين في الجنوب ومسيحيين في الشمال.
في مصر لم تنقطع إثارة قضية قبطي ومسلم في البلد الواحد، مرة بعد مرة، وجولة بعد جولة، مما يعود في الأعم الأغلب إلى أسباب مصطنعة أو وقائع تحتاج إلى العلاج من منطلق آخر، حتى بدا أن المقصود هو تراكمُ ما يُثار ويجري تصعيده مع نتائجه السلبية، إلى وقتٍ يحين فيه تنفيذ مخطط تفتيتٍ أو فتنةٍ أو صراعٍ لتحقيق أغراض تعود بأضرارها على جميع الأطراف والفئات السكانية.
في لبنان لم ينقطع منذ نشأته الأولى الانطلاق من أنه بلد الطوائف المسلمة والمسيحية والدرزية المتعددة، ثم التعامل مع هذا التعدّد منطلقا لتحقيق أغراض سياسية، حالت دون استقرار لبنان منذ عقود.
في نكبة احتلال العراق وتسليمه للهيمنة الإيرانية ازداد تسليط الأضواء الغربية على ما يصيب المواطن المسيحي، رغم علنية ما يصيب سواه أضعافا مضاعفة.
في سورية لم ينقطع الانحياز لصالح الاستبداد الطائفي بذريعة كاذبة أنه يضمن سلامة الأقليات لا سيما المسيحية، ولم يستثن الإجرام الاستبداد أحدا من عدوانه المحتضن خارجيا والمتواصل على الشعب منذ عقود.
في بلدان أخرى كبعض بلدان الخليج انتشرت إجراءات رسمية عديدة، ابتداء من نشر اللغة الإنجليزية في مناهج التدريس، انتهاء بخطوات استعراضية، كالمبالغة في نصب أشجار عيد الميلاد والاحتفالات برأس السنة الميلادية إلى درجة صارخة، وهو ما يخدم بمجمله وتفاصيله التعبيرَ المباشر عن محاولات فرض هوية غربية، والتعويد عليها، بديلا عن الهوية الوطنية والقومية والدينية وحتى الخليجية المناطقية نفسها.

في جميع ما سبق من أمثلة وكثيرٍ سواها يتضاعف مفعول الأساليب الاستفزازية، عبر مواقف أجنبية، أو متورطة على خلفية رؤية أجنبية، تجاه الغالبية المسلمة، فكأن المراد دفعها دفعا إلى الخروج عن تعاليم إسلامها الحنيف فيما يتعلق بالتعامل القائم على الكرامة والحق والعدالة مع غير المسلمين من مسيحيين وسواهم.

بل يوجد من يروّج لقاعدة “المعاملة بالمثل” في غير موضعها، فالقاعدة بمضمونها الإسلامي تقول:
{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}
فالمستهدف (عليه)هو المعتدي ولا يقبل ذلك التعميم على كل من يحمل هويته عقديا أو وفق أي انتماء آخر:
{لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}

(٣) بين المنطلقات الإسلامية والتطرف

الإسلام ينطوي على الجانب السياسي كسواه من الجوانب، ولكن لا تعني هذه الميزة أن تعامله مع الحقوق والحريات ومع كل ما يمس الكرامة الإنسانية يقوم على أساس حصرها في نطاق المسلمين، بل هو يفرض فرضا الدفاع عن حقوق الإنسان، سيان ما لونه أو دينه أو لغته أو جنسه أو موقعه، انطلاقا من تلك القيم الأساسية الثلاث، الكرامة والحق والعدل.

لهذا يقول النص القرآني (ولقد كرّمنا بني آدم) ولهذا تضمنت الوثيقة النبوية لنصارى نجران التعهد الساري المفعول إلى يوم القيامة، بالحفاظ على أشخاصهم ورهبانهم وكنائسهم وصلبانهم، والتعهد بترميمها، بل والتعهد بالدفاع عنها وعنهم من أي عدوان تتعرض له أو يتعرضون له، ولهذا قال الفاروق (الناس) ولم يقل (المسلمين) في كلمته المعروفة “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، ولهذا تشمل تعاليم الإسلام تجاه الجار ما لا يميز بين جارٍ مسلم وغير مسلم، ويوجد المزيد لمن يريد المزيد.

إن إفساد الأسس الإسلامية الإنسانية المتحضرة للعلاقات بين المسلمين وغيرهم داخل البلدان الإسلامية هو جزء لا يتجزأ من مخططات وأهداف سياسية أجنبية، تنطوي على هدف نشر الهيمنة أو ترسيخها على هذه البلدان بكافة فئاتها السكانية دون تمييز، ويكفي دليلا على ذلك التنويه بتحول الدفاع عن المسيحيين إلى استهدافهم مباشرة، أو بالصمت المشين في الغرب عن استهدافهم، كلما بلغت الهيمنة الأجنبية درجة متقدمة من الرسوخ والعنف، كما هو الحال في فلسطين وسواها، وهو ما يمكن أن يسري آجلا أو عاجلا على المسيحيين في أقطار أخرى، بما في ذلك العراق حيث يتعرض المسيحيون فيه إلى ما لم يتعرضوا لمثله قبل الاحتلال وما صنعه من إرهاب ونشره من ألوان “الفوضى الهدامة”.

ليست المشكلات التي يشهدها بعض الأقطار الإسلامية، المعبرة عن توتر بين مسلمين ومسيحيين، أو المنطوية على صدام وعداء، أو المبنية على اتهامات متبادلة، مشكلاتٍ ناجمةً عن وجود غالبيات مسلمة وأقليات مسيحية في بلدان يوجه الإسلام فيها مختلف مناحي الحياة والحكم، ويُعتمد عليه في صناعة القرار على كل صعيد، بل على النقيض من ذلك تماما، هي مشكلات ولدت ونشأت وتزداد انتشارا، بصورة متوازية مع تغييب الإسلام منذ عقود عديدة، عن معظم مناحي الحياة وعن قطاعات السلطة وصناعة القرار، بل وتعرضه وتعرض دعاته للحصار والتهميش والملاحقة والقمع بمختلف السبل والأساليب، حتى بات ما تتعرض له الغالبيات المسلمة داخل ديارها “هذه”، أضعاف ما يصيب الأقليات المسيحية داخل ديارها “هذه”.
إذا كانت المسؤولية عن هذه المشكلة كامنة في مظالم تقع، فالظلم في مقدمة ما حرمه الإسلام وحاربه وفرض العمل على إزالته سيان أين يظهر وكيف يظهر ومن يصيب من جنس الإنسان، وما نشأت المظالم واستفحلت بمختلف أشكالها المعاصرة إلا عبر ما صنعته أوضاع استبدادية مرتبطة بالغرب “المسيحي.. العلماني”، ومتناقضة جملة وتفصيلا مع الإسلام وعدالته.
وإذا كانت المسؤولية كامنة في تعصب وتطرف، فإن التعصب والتطرف في مقدمة ما قضى الإسلام عليه منذ نشأته الأولى، وثبت رفضه وفرض الحيلولة دونه إلى يوم القيامة، وحرم ما يؤدي إليهما من تعنت وتشدد وتنطع، مع سريان ذلك على العلاقات ما بين المسلمين، وعلاقاتهم مع أصحاب الأديان والاتجاهات والأجناس والانتماءات الأخرى، حتى مع قومٍ بينهم وبين المسلمين “شنآن”، وما ظهر التعصب والتطرف في الأقطار الإسلامية على نحو مستفحل فكرا وممارسة، إلا في حقبة تغييب الإسلام إلى درجة واسعة النطاق.
إن كل من يربط بين الإسلام وما يدعو إليه، وبين ما يتعرض له أفراد أو فئات من المسيحيين داخل الأقطار الإسلامية أحيانا، ويتجاهل ما تتعرض له الغالبيات المسلمة نفسها، من مظالم، ويتجاهل مصادرها ومحاضنها الحقيقية، يمارس لونا من ألوان الظلم الفاحش المرفوض شكلا وموضوعا.

 (٤) لا يزول الفساد والإفساد إلا بالإسلام

لا يمكن وقف عملية إفساد العلاقة بين المسلمين والمسيحيين عن طريق شعارات وأهداف وهمية لا سيما إذا كانت مرفوضة من حيث الأساس، أو مستحيلة على أرض الواقع، أو تسلك وسائل تزيد إفساد العلاقة بدلا من الحيلولة دونه، ومن ذلك:
١- التخلص من الأقليات المسيحية في مواطن الغالبيات المسلمة، وذاك من أخطر الشعارات انتهاكا للمنطلقات والمبادئ الإسلامية، مهما وُضع عليه من المساحيق باسم الإسلام، ولئن وجد – باسم الإسلام – مَن يدعو إليه فكأنه يدعو إلى التخلص من أقليات مسلمة في مواطن الغالبيات المسيحية.
٢- انتظار نتائج الحوار بين مسلمين ومسيحيين، كي يوصل إلى إزالة الاختلافات العقدية وسواها، وذاك في مقدمة ما يلفت الأنظار عن جوهر المشكلة، ويتحول إلى ملهاةٍ عن ضرورة مواجهتها بصورة مباشرة، وعلى أساس وجوب الكرامة والعدالة والحق مع وجود الاختلافات واستمرار وجودها.
٣- إلغاء المنطلق الديني لصالح المنطلق القومي / الوطني بدعوى المواطنة، فالمواطنة تقتضي تكاملهما، وليس إلغاء أحدهما، ولا يمكن إلغاء أحدهما أصلا، وسبق أن أخفقت محاولات عديدة من هذا القبيل، ناهيك عن أن ظاهرة “غالبية وأقليات” لن تزول بل تظهر برداء جديد في ظل منطلقات أخرى، غير المنطلق الديني الإسلامي، فلا يتبدل الواقع بل يحمل عنوانا جديدا فحسب.
٤- إلغاء المنطلق الديني لصالح المنطلق العلماني، وفي ذلك تجاهل مطبق لحقيقة أن أشد ألوان التعصب والتمييز العنصري وتغليب موازين القوة على معايير الكرامة والعدالة والحق، نشأت وما تزال تفعل أفاعيلها، بعد هيمنة العلمانية في بلاد نشأتها الأولى، وبعد أن امتد تأثيرها عالميا على حساب الأديان جميعا، فصنعت من الكوارث قتلا في الحروب وقتلا دون حروب، أضعاف ما يقول العلمانيون بوقوعه في العصور المظلمة الأوروبية في ظل انحراف الكنيسة عن المبادئ الدينية وسماحتها وعدالتها.
٥- زوال ظاهرة التطرف المتعدد الانتماءات والأشكال وهي ظاهرة تاريخية، لم ترتبط بدين أو مذهب أو اتجاه، بل ارتبطت بعنصر التربية الفردية والجماعية، فيمكن تحجيم مفعولها وتهميشه فحسب، دون القضاء عليها قضاء مبرما، ولا يوجد كالمنهج التربيوي الإسلامي القائم على الوازع الذاتي والرقابة الربانية منهج يمكن عند تطبيقه كما ينبغي، أن يحد من انتشار التطرف ويهمش مفعوله.

لا بد من جهود كبرى لتعود الأمور إلى نصابها، فلا توجد عصا سحرية لإصلاح ما جرى إفساده عبر جهود استمرت عقودا أو قرونا مضادة للإنسان بمختلف انتماءاته، انطلاقا من نزعات الصراع والعنصرية وهيمنة القوة المادية على ما سواها.
إن إفساد العلاقات من وراء الانتماءات الدينية استفحل جنبا إلى جنب مع إفساد العلاقات – بغض النظر عن تلك الانتماءات – ما بين أثرياء ومحرومين، وأقوياء ومستضعفين، وبيض وملونين، فليست المشكلة في الانتماء الديني بل في توظيفه أحيانا لأغراض تتناقض مع ما يفرضه الانتماء على أصحابه.

لهذا ينبغي التأكيد أن وسائل الحوار والتوعية والتسامح وما شابه ذلك لتحسين تلك العلاقات وضبطها، لا تؤتي ثمارها ما لم تكن المنظومة الجامعة لها هي المنظومة الدينية نفسها، بالعودة إلى التعاليم الدينية مطهرة من شوائب من انحرف عنها وإن ادّعى تمثيلها، أو من ادّعى الإصلاح عبر محاربتها والتبرؤ منها، وهي التي تعمل عبر الدافع العقدي والوعي المعرفي لتأمين حقوق “الآخر” وضمانها، بل يتميز الإسلام بالذات في هذا المجال إذ يعتبر الدفاع عن تلك الحقوق وصيانتها من الواجبات المفروضة على المسلمين تجاه سواهم، ويخطئ بعضنا عندما يضيف إلى ذلك “شرط” أن يعيشوا في كنف الدولة الإسلامية، فدفاع الإسلام عن حرية العقيدة في كل مكان ولصالح جنس الإنسان هو ما يعنيه وجوب الجهاد لمنع الفتنة، فتنة الظلم والظالمين بحق البشر أجمعين، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين.

نبيل شبيب

إغلاق