رؤية – العلاقات الدولية المعقدة

نموذج تركيا في مسارات السياسة الإقليمية والدولية

التعامل السياسي، قيميا ومصلحيا في وقت واحد، ليس شارعا باتجاه واحد، بل هو علاقة تبادلية

ــــــــــ

{قضية النزاع على ثروات المتوسط لا يمكن استيعابها بالطرق التقليدية التي عرفناها في حسابات المصالح وعلاقات التحالف السياسية!)..

تفاعلا مع هذه العبارة الموجزة التي وجدت طريقها إلى “فيس بوك” يوم ٩ / ٩ / ٢٠٢٠م، طلب أحد القراء شرح المقصود، فوعدت بذلك، وفي الفقرات التالية الجواب علما بأنه مجرد رؤية تحليلية تحتمل الخطأ والصواب.

*        *        *

بادئ ذي بدء يتجدد تأكيد هذا القلم أن التعامل مع السياسات التركية (كسواها) – وهي هنا مثال لطرح المقصود بالمقالة – هذا التعامل لا يحتمل التأييد المطلق كما هو الحال في كثير من المتابعات العاطفية من منطلق رؤى إسلامية، ولا يحتمل العداء المطلق كما هو الحال في كثير من المتابعات العاطفية من منطلق رؤى علمانية.
موضوعيا تسعى تركيا بقياداتها السياسية منذ عقدين من الزمن تقريبا للانتقال من مستوى دولة ناهضة إلى قوة دولية فاعلية إقليميا وعالميا، وهذا بحد ذاته – إن تحقق – حدث تاريخي معقد الأبعاد والمسارات والنتائج، وهو ما لا ينبغي إغفاله عند السؤال عن أبعاد سياسة تركيا ومآلاتها في قضية بعينها، مثل النزاع على الثروات في أعماق البحر الأبيض المتوسط. ومن يتابع مسارات السياسة التركية خلال عام ٢٠٢٠م تخصيصا، قد ينزلق إلى تبسيط مخلّ في إطلاق الأحكام عليها سلبا أو إيجابا، لا سيما عندما يجرد المرء أي قطاع من تأثير سواه عليه، في ميادين التحرك السياسي، أو يفصل بين الدوافع والأهداف المرتبطة بها.

الأبعاد متشابكة ومعقدة ويعبر عنها بعض المحللين عندما يتحدثون عن تنافس إقليمي بين ثلاث قوى، ويعدّدون الإيرانية والتركية والإسرائيلية، ولم يعد يلتفت أحد بصورة جادة إلى قوة “رابعة”، أي إلى دور ما للمنطقة الممتدة “من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر” كما كان يقال عن “الوطن العربي الكبير” في حقبة “تمجيد” الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر. يمكن القول إذن:
– إن التحرك التركي في شرق المتوسط يدور على خلفية “التنافس الثلاثي” بخطوطه العريضة..
– يقابله في اللحظة الآنية توغل المشروع الصهيوني على مستوى “التطبيع” مع بعض الأنظمة العربية، التي تبحث لنفسها عن مكان ما تحت جناح صهيوني أمريكي، ولم يعد لها دور ذاتي يتجاوز حدود الدور الخدمي..
– كما يقابله تعرض مشروع الهيمنة الإيراني إلى ضربات خارجية وثغرات ضعف داخلية إلى جانب انحرافات سياسية ذاتية وممارسات عدوانية..
– بينما لا تزال النتائج محدودة – سلبا وإيجابا – في نطاق استهداف تركيا عالميا للحيلولة دون صعودها إقليميا ودوليا، وليست ممارسات هذا الاستهداف لتركيا لأنها “تركيا”، بل لأن مثل هذا الصعود “محظور” بمنطق معادلة الهيمنة والتبعية منذ أكثر من قرن كامل، وهذه قضية صراع تاريخي بغض النظر عن أطرافه.

*        *        *

منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وانطلاق عملية اهتراء التطرف التاريخي الموروث في تطبيق العلمانية في تركيا نفسها، وكذلك انطلاق عملية التخلص تدريجيا من التبعية المطلقة للغرب بزعامته الأمريكية في الساحة الدولية.. أي منذ مطلع القرن الميلادي الحادي والعشرين، لم يعد يخلو الخطاب السياسي الرسمي في تركيا من تأكيد أرضية القيم الذاتية التي ينطلق منها، حضاريا وعقديا وسياسيا وقوميا، وهذا مع التأكيد الدائم على الاستعداد للحوار مع الخصوم، ولكن هذه الخلفية القيمية بمفعولها داخليا وخارجيا، تأييدا ورفضا، لم تعد تظهر بما فيه الكفاية للعيان، رغم المحاولات ذات الصلة مثل تعزيز مكانة آيا صوفيا مجددا. السبب كامن على الأرجح في مفعول أسلوب صياغة الخطاب الرسمي والإعلامي، وهو حافل بالاعتداد بالنفس، وشمول الرؤية، وثبات الأهداف، وهذا مع الحرص على اقتران الكلام بخطوات عملية، وهي – بالمنظور التركي – خطوات تقدم محسوب أو تراجع مدروس، وهذا ما لا يظهر للعيان دوما، لأنها سياسات شاملة لعدة جبهات في وقت واحد، وكل منها جبهة متعددة الميادين سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، ومتشابكة من حيث مشاركة عدة أطراف فيها، إقليميا ودوليا.
وكما أن المصادر الإعلامية التركية تركز على ما يؤكد النجاح في مختلف الميادين كالاقتصادية والعمرانية والصحية وغيرها، نجد مصادر خصوم تركيا، تركز سياسيا وإعلاميا على الثغرات الفعلية أو المضخّمة في مختلف تلك الميادين.

هذا “بعض” ما يزيد صعوبة استقرار معالم الصورة عند النظرة التحليلية الموضعية، أي التي تركز على ميدان خاص بكل قضية على حدة، أو تركز على جبهة بعينها من الجبهات التي تتحرك السياسات التركية فيها، وهي مثال على سواها، ولا بد في المقابل من أن يأخذ التحليل الموضوعي مكانه من النظرة الشاملة للأبعاد المتعلقة بتشابك العلاقات والمصالح وتقلبها.
من الأمثلة على ذلك ما تشهده قضية ليبيا من تطورات، تحركا عسكريا وآخر سياسيا، إذ يتطلب من تركيا مراعاة تأثير ذلك على العلاقات مع روسيا في سورية، ومراعاة تأرجح السياسات التركية بين واشنطون وموسكو، ومراعاة تأرجح السياسات الأمريكية تجاه ليبيا وقبرص، ومراعاة خلافات تنافسية أمريكية أوروبية..  وهكذا مع الجبهات الأخرى والقضايا المطروحة من خلالها.

موقع تركيا عالميا
موقع تركيا عالميا

بهذا المنظور يمكن عند تحليل السياسات التركية على جبهات متعددة استخلاص مفعول التأثير المتبادل في أكثر من مجال، ومن الشواهد على ذلك في مسارات عام ٢٠٢٠م:
(١) فترة التهدئة في الشمال السوري ثم نقض الاتفاق عليها من جانب روسيا على خلفية التحرك التركي في ليبيا.. وبالتالي محاولة الطرفين انتزاع التنازلات أثناء التفاوض المتجدد حول شمال غرب سورية، وأثناء التفاوض على إطلاق عملية سياسية جديدة في ليبيا.
(٢) المدّ والجزر في تطور الخلافات الأمريكية الأوروبية، سياسيا واقتصاديا، إلى جانب تنامي القلق الغربي المشترك من تمدد روسي في الشمال الإفريقي.. وبالتالي خطأ أنقرة في الاعتماد على حقيقة التشجيع الذي أظهرته واشنطون سابقا تجاه التحرك التركي على الساحة الليبية، وقد تراجع كما يبدو جزئيا على الأقل.
(٣) تلاقي مسار المعركة الانتخابية الرئاسية الأمريكية مع دور النظام القائم في مصر “عربيا” من وراء اليونان.. وبالتالي تحرك جامعة الدول العربية ضد تركيا مع تجاهل المشروع الصهيوني التوسعي، وربط ما يوصف بالتطبيع بالعداء لإيران، وهذا بالتزامن مع تحرك أمريكي جزئي ضد الحبشة على خلفية أزمة “سد النهضة”.

*        *        *

كما تكررت الإشارة لا يقتصر ازدياد نسبة التعقيد في تحليل التطورات السياسية على مثال تركيا، بل هو من سمات المسارات السياسية المعاصرة إجمالا، الإقليمية منها والعالمية. وهذا المشهد المعقد يواجه كل فرد أو فريق يركز لأسباب ذاتية مشروعة، على قضية بعينها أكثر من سواها، كقضية فلسطين المحورية عربيا وإسلاميا وإنسانيا، أو قضية سورية، أو قضية الأكراد، أو قضية مصر، أو قضايا التخلف والتقدم؛ فالتشابك بين العلاقات والممارسات المحلية والإقليمية والدولية هي دوما جزء من المشهد، ومراعاة ذلك تفرض تلقائيا استخلاص مواقف متجددة تضمن قدر الإمكان مواكبة خدمة القضية الذاتية مع وضعها في نطاق موقف أوسع نطاقا منها.

لا بد هنا من التزام مقتضيات الحق والعدالة لجميع الأطراف، كشرط للتميز عن “مواصفات العدوان على الآخر”، وكشرط لا غنى عنه عندما ننتظر الالتزام بشبيه ذلك من جانب الآخرين.. فالتعامل السياسي، قيميا ومصلحيا في وقت واحد، ليس شارعا باتجاه واحد، بل هو علاقة “تبادلية”، والسوري الذي يقول: وما علاقتي بقضية فلسطين أو تركيا أو السود في أمريكا أو الإيجور في الصين.. أو الفلسطيني الذي يقول شبيه ذلك تجاه سواه، وكذلك الإماراتي.. والتركي.. والليبي.. إلى آخر القائمة، فهذا موقف من لا يأبه بمقتضيات الحق والعدالة في القضايا الإنسانية الحية من حولنا، في عالمنا وعصرنا، وهذا موقف لا يستطيع صاحبه انتظار شيء إيجابي من الآخرين من المنصفين لدعمه في مواجهة “المعتدين.. والظالمين.. والمستبدين” في نطاق التعامل مع القضية الأهم لديه من منطلق مشروع، قيميا وفكريا أو واقعيا وعمليا أو تاريخيا وجغرافيا.

نبيل شبيب

إغلاق