مراجعات ورؤىمع الإعلام

رؤية – أبعاد عملية تطوير الإعلام الإسلامي

التطوير رؤية بعيدة المدى وعملية متجددة

ــــــــــ

عناصر الرؤية التحليلية
١- عامل الزمن.. أو توقيت استشراف دواعي التطوير
٢- استمرارية التطوير المتجدد
٣- عقلانية التطوير
٤- عوامل تقتل جدوى التطوير
٥- دراسة الوضع الآني  
٦- آلية عامة للإعداد للتطوير

تنطلق السطور التالية من دراسة سبق نشرها للكاتب تحت عنوان (مدخل لتقارب الرؤى حول الإعلام والإعلام الإسلامي) وكان مما ورد فيها:

“من العسير الإدلاء بقول جازم بشأن ماهية الإعلام الإسلامي ناهيك عن طرح صيغة محكمة لتعريفه، وبالمقابل من العسير أيضا أن تؤدي عملية تطويره المرجوّة أهدافها على أرض الواقع، دون حد أدنى من التقارب على رؤية مشتركة لما يعنيه هذا التعبير المنتشر منذ زمن”. واستهدفت الدراسة استخلاص محددات عامة تساعد على تقارب الرؤى بشأن ماهية الإعلام اصطلاحيا، ثم استخلاص منطلقات عملية لكيفية توصيفه بالإسلامي.

ومن الضروري تبعا لذلك حلحلة عقدة التناقض بين:
(١) القول بعدم وجود “إعلام إسلامي” اصطلاحا بحيث يتجاوز الحدود بين اجتهادات متعددة مختلفة مضمونا ونتيجة..
(٢) والقول بالحاجة إلى تطوير الإعلام الإسلامي..
إن هذا التناقض بالذات هو ما يستدعي التطوير.. فمحوره النظر فيما انتشر وصفه بالإعلام الإسلامي على علاته، والعمل:
(١) للارتقاء به “نوعيا” و”مهنيا” إلى مستوى “إعلام” بحيث يتميز مضمونا وإخراجا عما اختلط به من كتابات في الفكر والدعوة والحركة مثلا..
(٢) وللارتقاء به من حيث توصيفه بالإسلامي على خلفية خالية من المعايير الموضوعية، واعتماد آليات المقاصد الإسلامية، بدلا من التأثّر بكثرة استخدام مفردات وصور “إسلامية” في كتابات ومنتجات نعتبرها إعلاما.

يضاف إلى ما سبق أن الهدف من “دراسة” عملية التطوير من كافة جوانبها لا يتحقق عن طريق وضع مخطط “شامل”، بل يبقى المطلوب في نهاية المطاف صياغة خطوط عامة مع آلية تجديد متتابع لها، وبحيث يكون لها من المواصفات الذاتية، كالموضوعية والمنهجية والوضوح، ما يرجّح القبول بها عند تعميمها، وبالتالي احتمال ترجيح الالتزام بها من جانب العاملين في الإعلام تحت عناوين إسلامية ومن منطلقات إسلامية، وكذلك ترجيح الانطلاق منها في عمليات تطوير متعددة قائمة بذاتها، تتكامل نتائجها على أرض الواقع.
لا يمكن في هذه الرؤية الموجزة طرح “عملية التطوير” نفسها، وهذا مستحيل ابتداء دون آليات كافية لذلك.. إنما يراد طرح بعض المواصفات المرجوة كأفكار مبدئية، يؤخذ منها ويترك، وتحتاج إلى الاستكمال وربما التصويب أيضا.

١- عامل الزمن.. أو توقيت استشراف دواعي التطوير
منذ أواسط القرن الميلادي العشرين كانت الحاجة إلى تطوير الإعلام الإسلامي ملحّة، يتكرر الحديث عنها، وقليلا ما تحقق ذلك، لا سيما عند الاعتقاد أن التطوير يتحقق بمجرد استخدام وسائل تقنية مستجدة.
مثال: في الستينات والسبعينات من القرن الميلادي العشرين، بدأ المسؤولون عن وسيلة إعلام مكتوبة – كالمجلة – يفكرون باستخدام التسجيلات الصوتية، وذلك بعد فترة من انتشار استخدام تلك “العلبة” الصغيرة للتسجيل الصوتي، وريثة لأشرطة التسجيل الأضخم منها من قبل، وبدأ العمل لتأمين متطلبات هذا التطوير “التقني” من تمويل وكفاءات حرفية وغيرها.
ولكن سرعان ما وجد الساعون أنفسهم أمام انتشار أقراص التسجيل الصوتي الدائرية الصلبة، وتقنيات التسجيل المرئي المتحرك، قبل استكمال استعداداتهم لاستخدام العلبة الصغيرة المشار إليها على نطاق واسع (وتلتها سريعا أقراص صغيرة.. ثم الشرائح.. وغيرها).. وشبيه ذلك كان في التعامل مع انتشار التلفزة، ثم مع انتشار الشبكة العنكبوتية.

في الستينات والسبعينات من القرن الميلادي العشرين كانت هذه الدورة (أي ظهور أسباب للتطوير التقني.. وإدراك ضرورة الإقدام عليه.. والإعداد له.. ثم ظهور أسباب مستجدة تتجاوز ما سبق من إعداد) دورة زمنية تستغرق بضعة عشر عاما، ثم مع ظهور مبتكرات تقنية تالية أصبحت في حدود بضعة أعوام، ثم تلاشت تماما معالم التمييز بين حلقة وأخرى من حلقات ظهور تطور تقني ومعالم السعي لاستخدامه، نتيجة قصر الفترة الفاصلة بين كلّ ابتكار وآخر.
لهذا لا يجرؤ من يدرس الوضع الآنيّ للإعلام (الإسلامي وسواه) على تحديد وتيرة زمنية لعملية تطوير ما، فربما لا تصل كلماته إلى عيون القارئ أو آذان السامع إلا ويكون قد عفا الزمن عما يقول، لا سيما إذا كانت الكلمة المطبوعة وسيلته.

إن استشراف دواعي التطوير (التقني.. وسواه) في مقدمة شروط التطوير على أن يكون استشرافا منهجيا مبكرا للقادم من المتغيرات، والاستعداد للتلاؤم معها بتطوير ذاتي يناسبها.. قبل أن تنتشر انتشارا واسعا.

٢- استمرارية التطوير المتجدد
أصبحنا أمام تحديات أكبر من مجرد اللحاق زمنيا بمسلسل متسارع لظهور وسائل وأدوات جديدة، ناهيك عن تطوير إخراج مضامين إعلامية تناسبها، فالتسارع زمني والمستجدات نوعية، وجميع ذلك عبر حركة انسيابية متداخلة، تضعنا أمام مهام جسيمة، من وجوهها تداخل تحدّيات التطوير المطلوب زمنيا ونوعيا.
تجاوزت البشرية منذ زمن بعيد صيغة مسار تطويري (كان نمطيا) يمكن أن ندرسه ونمارسه ونوجهه تفاعلا مع معلم من معالم التقدم، كما كان بعد ميلاد قفزات علمية / تقنية نوعية، مثل اختراع العجلة أو آلة الطباعة، إذ كان لكل منها قيمة ذاتية وفعالية مذهلة، فكانت ترسم معالم بداية تأريخية جديدة.
صحيح أن عناصر عملية التطوير بحد ذاتها لا تتغير: تقويم للواقع الآني، وتحديد الهدف (البعيد والمرحلي)، والتخطيط لمراحل العمل، وتنفيذ مدروس، ومراقبة للنتائج.. ولكن هذه النتائج تصنع بدورها واقعا آنيا جديدا، يتطلب بدوره التقويم، أي العودة إلى الخطوة الأولى من هذه الدورة.. وهكذا دواليك.
إن معطيات عالمنا المعاصر تفرض الشروع بكل عملية تطوير جديدة قبل الفراغ من سابقتها، بحيث توازي المرحلة الأولى من عملية جديدة، تنفيذ المرحلة الأخيرة من عملية سابقة.. هذا مع مضاعفة سرعة كل خطوة ومضاعفة إتقانها في آن واحد.
يسري هذا على توالي عمليات التطوير.. إلى جانب تداخلها وتشابكها وتأثيرها المتبادل.
في عالمنا المعاصر نشهد في ميادين أخرى علاوة على الإعلام وتقنياته، قفزات نوعية مذهلة أيضا، ولكنها جميعا متقاربة ومتوازية ومتتابعة، فكأنها تشكل معا انفجارا ضخما، له أجزاء، ولكل منها ملامح مميّزة ولكن لا تفترق “آثارها” عن بعضها بعضا، بل تشمل بتشابكها وتكاملها معظم ميادين الحياة البشرية في وقت واحد.
هذا بعض ما يفرض أن تتداخل عمليات التطوير وتتكامل وأن تشمل أيضا تلك الميادين الحياتية مع بعضها بعضا.

لقد بلغت وتيرة تسارع التطورات الجارية درجة السيل المتدفق بحركة شبه عشوائية على منحدر شديد، كما بلغ تنوعها خلال العقود القليلة الماضية أضعاف ما كانت عليه من قبل، من حيث اختصار الفترة الزمنية بين حلقة تطور وأخرى، ومن حيث اتساع رقعة التأثير وازدياد عمقه مرة بعد مرة.
وبالمقارنة لا ينبغي التردد عن القول:
إن عملية تطوير الإعلام الإسلامي في حدود ما رصدناه حتى الآن.. أشبه بحبو الأطفال في حلبة سباق للسيارات. إن استمرارية التطوير السريع والمتجدد والمتشابك والمتكامل للإعلام الإسلامي واجب ملحّ، ومواصفات التطوير المذكورة هنا أهم من كلمة تطوير نفسها، وهذا ما يتطلب جهودا متواصلة، بحلقات متوازية متكاملة ومتتابعة، دون الانتقاص من حجم العمل الأصلي المطلوب.. أي ممارسة الإعلام ومتطلباتها.

٣- عقلانية التطوير
مما نعلمه في عالم الفكر والإعلام والنشر:
ليس كل كتاب كبير بحجم مجلد ولا نص صغير بحجم مقال، يصلح أن يكون إخراجه واحدا في حالة اختيار الطباعة لإنتاجه ونشره، أو اختيار التسجيل السماعي على السواء.
كتاب الرواية القصصية وربما الشعر في قصيدة قصيرة، يمكن أن يجد من يستمتع به وقد يستفيد منه سيّان كيف يصل إليه بوسيلة الطباعة أو التسجيل.. ولا يسري ذلك على كتاب تخصصي أو محاضرة في موضوع من عالم تطوير الكفاءات في قطاع إدارة الأزمات مثلا، ففي هذه الحالة يقلّص التسجيل الصوتي كثيرا حجم الاستفادة الممكنة بالمقارنة مع الطباعة.. وبالمقابل يمكن للتسجيل المرئي أن يحقق فائدة أكبر، في حالة إدراج ميزات معينة لأدوات إخراج المرئيات، من تصوير وتخطيط، ثابت ومتحرك، ومبوّب ومجسّم.. فتتحقق فوائد أكثر مما يعطيه الإخراج الطباعي أو الصوتي.
ولكن.. رصدنا في العقود الماضية، أننا لا نحقق الهدف المرجوّ في تطوير الإعلام الإسلامي بمجرد نقل الأسلوب المتبع في حقبة زمنية ماضية للعطاء من ندوات ومحاضرات وخطب في قاعات مغلقة، إلى الشاشات الصغيرة، فميزات هذه النقلة مشروطة بالاستفادة المدروسة من إمكانات وسيلة تقنية جديدة، ومدى ملاءمتها للمادة الإعلامية والمستهدف بها وعوامل عديدة أخرى.. وهذا ما يمكن وصفه بالتطوير العقلاني.

إن عقلانية عملية التطوير مبدأ أساسي في التطوير الإعلامي وعمادها أن ينبثق أسلوب الإخراج عن مراعاة نوعية المادة الإعلامية وأن يتناسب مع فعالية الوسيلة وخصائصها ومع الفئات المستهدفة من عطاء إعلامي.

٤- عوامل تقتل جدوى التطوير
التطور الجاري عالميا على مستوى الإعلام وتموضعه في شبكة العلاقات البشرية.. والدولية، تطور حافل أيضا بنتائج سلبية ترمز إليها كلمات من قبيل الانبهار والتضليل وحتى ما يسمّى “الأخبار” المزيّفة.
أصبح ما يتوافر من وسائل لممارسة ذلك كله بالغ التأثير سلبا على أداء المهمة الإعلامية، إخبارا ورأيا، هذا علاوة على أن طغيان تأثير العامل المادي تمويلا واحتكارا أصبح أكبر مما مضى في توجيه الإعلام ومن يعمل فيه، وبالتالي أصبح توظيفه في اتجاهين:

الأول ترسيخ هذا التأثير وتغوّله عبر مستويات غير مسبوقة في إخراج يستهوي الأنظار، وعبر ازدياد الهيمنة على الوسائل بالمقارنة مع من لا يملك القدرة على ذلك.
والاتجاه الثاني هو تحقيق أهداف أساسية تخضع لأغراض مادية وثقافية، وفق توجهات الحاضنة الحضارية والاجتماعية ذات العلاقة بالتأثير المادي المذكور.
لا يعني ذلك غياب تنامي التأثير المضاد عالميا غيابا تاما، فكثير من المبادئ والمثل التي سبق ظهور تأثيرها حضاريا وتاريخيا، بدأ يتجدد مفعولها في اتخاذ مواقع “مقاومة” التأثير السلبي للهيمنة أو الحدّ من تغوّلها على الأقلّ، بما في ذلك ما يتعلق بقطاع الإعلام.
على هذه الخلفية لا يستهان بالخطأ الفادح الكامن في غلبة الاهتمام بالمظهر والشكليات على حساب الاهتمام بالهدف والمضامين في تصوراتنا وفي مجرى المساعي التطبيقية لتطوير الإعلام الإسلامي (وسواه).
لا يكفي تعليل ذلك بأهمية الإخراج في عالم الإعلام، فتكملة العبارة هي الأهمّ:
بما يحقق التلاؤم مع المضمون، ومع ضمان سلامة أهداف العمل الإعلامي المعني.
إنما يمكن تعليل غلبة المظاهر – وليس تبريرها – بعوامل عديدة أخرى، منها طغيان تأثير سرعة التطور التقني (مثلا الشبكي) نفسانيا، على تأثير جوانب موضوعية (مثل إتقان توثيق التحرير وتقنين حماية حقوقه) فكرا وتخطيطا وتنفيذا.

٥- دراسة الوضع الآني
لا يبدو في الإمكان البناء على المعطيات الحالية للقيام بخطوات تطويرية ورؤية نتائج مرئية ناهيك عن طرحها وتنفيذها، إنما يبدو من الضروري الشروع في التأسيس لشروط تأمين المعطيات الضرورية المفتقدة حاليا لعمل تطويري مثمر.
بتعبير آخر: البناء يبدأ من الأساس.. حسب مبدأ وجوب ما لا يتم الواجب إلا به.
وسبقت الإشارة إلى أننا نفتقد ما يمكن الاعتماد عليه للإحاطة بما يوجد من معطيات فعلية تسمح بتعريف اصطلاحي للإعلام الإسلامي وتقدير واقعي لحجمه وانتشاره وفعاليته وما يعاني منه لتطويره.. ولهذا نحتاج إلى:
سلسلة دراسات من نوعية “الرصد والمسح والإحصاء” حول ما يوصف بالإعلام الإسلامي، تبدأ بحصر ما سبق وضعه ونشره من دراسات لهذا الغرض وتصنيفها، ومتابعة ما أنجزته للإحاطة بواقع الإعلام الإسلامي جغرافيا ونوعيا، وما طرأ ويطرأ على ذلك من متغيرات، ومن حيث ظروف العمل الذاتية والخارجية وتأثيرها عليه، لا سيما من النواحي السياسية والتمويلية والتوجيهية، فضلا عن درجة استقلالية الوسيلة الإعلامية والتزام القائمين عليها بمحددات عمل إعلامي حرفي، ومن حيث ما يُعتمد عليه من كوادر تحرير وإخراج وإدارة، وما يُلتزم به أو يقال به من سياسات إعلامية، وما يمارس من إنتاج وتوزيع، وما يوجد تحت عنوان الإعلام الإسلامي من علاقات بينية وخارجية، وغير ذلك مما يوضع في صيغة مرنة قابلة للتعديل من أجل سلسلة الدراسات، وتأمين شبكة تربطها بمركز أو أكثر للبحوث والدراسات.

٦- آلية عامة للإعداد للتطوير
لا يمكن تحقيق الفائدة الأمثل في أي عملية تطوير دون نشأة آليات تدرس وتخطط وتقوّم وتنفذ وتتواصل مع بعضها اعتمادا على قواسم مشتركة في رؤية الإعلام الإسلامي واحتياجاته ومهامه وكيفية تطويره.
وما دام ذلك غير متوافر يمكن الشروع في تواصل هادف لهذا الغرض، من خلال سلسلة ندوات تتبناها جهة معتبرة منفتحة على مختلف الجهات ذات العلاقة، بحيث تجمع الندوات تخطيطا وإعدادا وتنفيذا:
(١) من يمارس العطاء الإعلامي من جيل الشباب..
(٢) متخصصين من مستوى النخبة في الإعلام..
(٣) أصحاب التوجه الإسلامي من العاملين في الإعلام..
(٤) متخصصين في المقاصد الإسلامية، لا سيما ما يتعلق بالإعلام والنشر عموما..
على أن يوجه الندوات جهاز إداري فيه آلية تضمن تقويم تنفيذها تقويما متواصلا، وتطوير مضمونها تطويرا متجددا، وآلية تفعيل نتائجها وتعميمها.
والحمد لله رب العالمين.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى