قضية فلسطينمراجعات ورؤى

رأي – وتبقى فلسطين قضية القضايا

حصيلة الفصل بين العمل لقضية فلسطين والعمل لسواها

ــــــــــ

مهما كانت أهمية العمل (الواجب أيضا) لمواجهة حدث من الأحداث التفصيلية المتوالية، مثل تحرك ورثة بلفور ضد منظمة من منظمات المقاومة مؤخرا، أو تهديم منزل آخر من منازل المتشبثين بأرضهم ووطنهم وحقوقهم ولو تخلى سائر العربان وغير العربان عنهم، فلا ينبغي أن يغيب أن الأنظار أن هذه الأحداث التفصيلية المتوالية هي وليدة مباشرة لأحداث أشمل وأكبر، وهذا ما ينبغي تركيز الأنظار عليه ورؤية مكانته التاريخية والواقعية والمستقبلية من مجموع المشهد الذي نعايشه.

*        *        *

لا يوجد بديل عن وضع قضية فلسطين في مكانها المصيري، كقضية مركزية محورية، تترك آثارها على الدوام، سلبا وإيجابا، حسب التعامل معها، على جميع العرب والمسلمين، وعلى قضاياهم الأخرى، بدءا بقضايا التقدم والتخلف والفرقة والوحدة، مرورا بتطوير العلاقات البينية والتحرر من التبعية للهيمنة الأجنبية، انتهاء بالتنمية البشرية المستدامة في كل ميدان من الميادين.

نعلم أن الفارق بين العمل وادعاء العمل فارق كبير؛ رغم ذلك يمكن أن نفترض جدلا استبعاد الخيانات والتضليل ووجود نية “العمل” فعلا، فإذا تأملنا بهذا المنظور في واقعنا نجد جميع أشكال الإخفاق مرتبطة مباشرة بالتعامل مع قضية فلسطين:

١-أخفق إخفاقا ذريعا فلم يحقق “الرخاء” من تخلى عن القضية مقابل الوعد بالدعم لتحقيق الرخاء، كما كان مع “السادات” عندما كسر الحاجز “النفساني” في التسليم للاغتصاب والعدوان، عبر اتفاقات كامب ديفيد.

٢- أخفق إخفاقا ذريعا من تخلى عن القضية بهرولته نحو ما سمّي التطبيع، سواء كان بثمن بخس أو دون ثمن، بمن في ذلك حديثا من قيل إنهم يحتمون بالتطبيع وما يصنعه لهم من الخطر التوسعي العدواني الإيراني، وقد وجدوا أنفسهم منفردين في ميادين صراعات يخوضونها كما كانوا من قبل.

٣- أخفق إخفاقا ذريعا من جعل من القدس سلعة سياسية، منذ تشكيل لجنة القدس ومنذ “الكلام” عن مهمته التاريخية في حماية المقدسات، فبقي هذا وذاك رهن الشلل، عاجزا عن العمل، بل أصبح وسيطا لعقد “اتفاقات” سلام دون أن تتوقف العمليات العدوانية المباشرة ضد القدس وسائر المقدسات، ودون أن تتوقف حرب الاستيطان والتشريد وهدم المساكن والاعتقالات ومحاكمات المجرمين لمن يقاوم الإجرام.

٤- أخفق إخفاقا ذريعا من كان يزعم أن زيادة الارتباط التبعي بالولايات المتحدة الأمريكية وبالغرب عموما سيجعل موازين المصالح تتبدل فيتخلى الأمريكيون أو يتخلى الغربيون عموما عن “ثكنتهم العسكرية” بقلب فلسطين من أجل مصالحهم المتنامية مع الأنظمة العربية.

٥- أخفق إخفاقا ذريعا أيضا من شذ عن طريق الثورات الشعبية وظن -كما حصل في الثورة الشعبية بسورية- أن تواصله المباشر مع العدو الإسرائيلي، يمكن أن يزاود به على من يحمي المشروع الإسرائيلي، وفق ما ورث ذلك عن أبيه، وأنه على استعداد ليبيد الشعب في نطاق موازنته الدائمة بين خدمة ذلك المشروع التوسعي الإسرائيلي وخدمة المشروع التوسعي الإيراني في وقت واحد، حتى سقط سقوطا مزريا من راهن على الانحراف بمسار الثورة في سورية على حساب قضية فلسطين، فلم يجد ما طلبه في حضن إسرائيلي، ولم يبق له مكان في الثورة الشعبية أيضا.

٦- أخفق إخفاقا ذريعا أيضا من ظن أن نفق “أوسلو” يمكن أن يعطيه دورا أوسع نطاقا من “حراسة الأمن الإسرائيلي”، ويوشك أن يظهر إخفاق من اختار راضيا أو كارها، الانحياز لصالح “حلف” يتاجر بالمقاومة والممانعة على حساب تحرر الشعوب، وظن أن ذلك الانحياز يمكن أن يخرج به من نفق الحصار المشترك “عربيا وإسرائيليا”.

*        *        *

تبقى فلسطين قضية القضايا، فهي القضية المركزية وهي القضية ذات الأولوية، ليس لمجرد حب فلسطين وأكناف بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك -وهو حب مفروض وواجب- بل لأن زراعة الثكنة المتقدمة في أرض فلسطين كان من البداية الأولى نتيجة اندماج مطلق بين الأهداف الغربية والصهيونية، وأصبح منذ ذلك الحين الأداة الرئيسية تاريخيا والأولى تنفيذيا، من أجل منع ظهور ما يهدد تلك الثكنة عقديا وحضاريا وتقنيا وسياسيا وعسكريا وأمنيا وبشريا وثقافيا وفكريا، في أي بقعة جغرافية قريبة أو بعيدة، من المحيط العربي والإسلامي، ولهذا باتت تلك الأداة تُستخدم دوما لتوجيه الضربات الأولى لكل عمل يستهدف التحرر والتقدم والوحدة من قبل وعد بلفور ومن قبل إلغاء وجود آخر شكل رسمي من أشكال الخلافة الإسلامية ومن بعد.

كل من أراد العمل حقا لتحرير شعب من الشعوب في المنطقة، أو أراد العمل حقا لتطوير دولة من دول المنطقة، لن يحقق نجاحا مستداما، ما لم يضع في حساباته ومخططاته، وفي جميع مراحل عمله، أن يتعامل مع قضية فلسطين باعتبارها القضية المركزية، مع الإدراك الواعي، أن عمله لقضيته الذاتية لا ينفصل إطلاقا عن عمله لقضية القضايا، سواء كان الفصل المصنوع صنعا آنذاك، نتيجة دعوى تقول “إن لكل فريق قضيته ولكل شعب قضيته” أو نتيجة دعوى مشابهة من مختلف ما شاع من مزاعم وذرائع، وجميعها لا يبيح الانضمام إلى من يوجه الطعنات لقضية القضايا، “تطبيعا وتسليما”، جهلا أو خيانة، فهو يوجه بذلك الطعنات لسائر القضايا الأخرى، بما في ذلك قضيته الذاتية الأقرب إليه جغرافيا، أو حتى الأقرب إليه بمنظور مطامعه المادية وغير المادية.

نبيل شبيب

الموقع الإلكتروني | + مقالات

​- درس العلوم السياسية والقانون الدولي في بون ولم يختمها بشهادة جامعية
- مارس العمل الإعلامي الصحفي والإذاعي منذ عام 1968.
- نشط في العمل الإسلامي منذ عقود.

صدر له منذ أواسط السبعينيات عدد من الكتب، منها:
قضية فلسطين، الحق والباطل + تقييم مقرّرات كامب ديفيد + تقويم "معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية" + حقيقة التفوق الإسرائيلي + الواقع القائم وإرادة التغيير + ملحمة الشهيد (شعر) { البوسنة والهرسك + وكتيبات إلكترونية عديدة منها: تحرير المعرفة – الجهر بالحق.
- كما نُشر له عدد كبير من المقالات والدراسات والقصائد في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الشبكية، وله مشاركات في عدد من الندوات التلفازية والمؤتمرات الثقافية.

زر الذهاب إلى الأعلى