رأي – مصر والتدخلات الفعلية والمحتملة في ليبيا

هل مصر مستهدفة أيضا؟

التدخلات العسكرية هي حصيلة استراتيجيات مدروسة أو تصبح مغامرات مجهولة النتائج ومقامرات انتحارية

ـــــــــــ

الخوض في هذا الحدث وأمثاله يتطلب اطلاعا كافيا على الخلفيات التاريخية والمعاصرة، ويتطلب وضعها في مكانها الصحيح من وراء ضباب ما يطرح رسميا في ساحات الصراع وتطوراته المتقلبة، كما تتطلب متابعة الحدث علاوة على ذلك ملاحظة أطروحات تحليلية، تنطلق من واقع عالمي يتمخض باستمرار عن صناعة حالات صراع متتابعة، اعتمادا على تفاوت قدرات أطراف الصراع لتوظيف أسباب القوة الذاتية وما يتبع لها خارجيا، وغالبا ما يكون ذلك لتحقيق مصالح ذاتية أو مطامع عدوانية أو رؤى مطلوبة أو خليط من ذلك، فتتبدل المعطيات جولة بعد جولة، وهنا يصبح التحليل انطلاقا من موازين الحق والعدالة والصواب والمبادئ والمثل وكأنه ترف فكري تنظيري، بمنظور من يروّجون للقبول بواقعية سياسية نفعية محضة تخضع لشرعة الغاب وشروطها.

يوجد في ساحة الصراع في ليبيا من يقبل في ظرف ملائم له، بما يوصف بالشرعية الدولية، وهي على التعميم حالة مطروحة في واقعنا المعاصر مع تجاهلها لنصوص المواثيق الدولية، فإن اعترفت بوضع ما أو بفريق ما، قد يصادف ويتوافق اعترافها العملي مع نصوص قانونية دولية، وهذه حالات نادرة، أما الحالات الغالبة فهي حالات اعتراف منحاز وباطل.. والسؤال: إذا اختلفت الظروف وتبدلت، ألا يصبح مجرد القبول بشروط شرعية دولية مزعومة في لحظة بعينها في منزلة “سابقة” لتبرر تلك القوى ما تشاء لنفسها وفرضه عالميا عبر تدخلاتها الأخرى؟
بالمقابل إذا وجد في الواقع المعاصر المضطرب ما يصلح لاستخدامه مبررا لدول غربية ما، أن تتحرك على أساس مصالحها ومطامعها ونفوذها في الشمال الإفريقي، هل يمكن حظر مثل هذا التحرك بتبرير مشابه على قوى إقليمية أخرى مثل تركيا ومصر؟

الأمر أمر صراع قوى متعددة على الأرض، ولا يستهان هنا بإحقاق الحق ودعمه وتحري الصواب وتبنيه والتزام العدل وحمايته، فجميع ذلك أهداف ومبادئ مطلوبة، ولكن بين أيدينا في قضية ليبيا ما يطرح تساؤلات واقعية ملحة حاليا، وتؤثر على تلك المسارات مع مرور الزمن. لم يعد مجهولا أن التحرك التركي خلال عام ونيف أوصل مع منتصف عام ٢٠٢٠م إلى أوضاع متغيرة رغم أطراف منافسة ومعادية، وهذه نتائج تسمح بالقول إن التحرك كان برؤية استراتيجية مدروسة، شاملة وبعيدة المدى، وبوسائل ذاتية تشمل استيعاب لعة صراع النفوذ الدولية وإمكانات الاستفادة منها أو التأثير عليها.
والسؤال المطروح في اللحظة الراهنة منتصف ٢٠٢٠م: هل يمكن توقع ما يشابه ذلك استراتيجيا وتوظيفا للوسائل، في حال اتخاذ خطوات عسكرية مباشرة وأوسع نطاقا مما كان حتى الآن، وفق ما جاء في مواقف صادرة عن النظام العسكري المسيطر في مصر ومن يتجاوب معه لأسباب مختلفة، بما في ذلك عدد كبير من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية؟

يكاد هذا الوضع يشابه ما أصاب السعودية في مغامرتها العسكرية في اليمن تحت عنوان “تحالف إقليمي” بقيادتها، فقد أصبحت وكأنها هي نفسها المستهدفة، ليس عسكريا فقط، بل بما يشمل مكانتها والثروات التي تستخدمها، وهذا بغض النظر عن الأهداف المرفوعة رسميا في البداية تحت عنوان عاصفة الحزم، وما بقي منها أو ما انقلب منها إلى النقيض؟
إن التحرك العسكري من جانب النظام الحالي في مصر في ليبيا أو سواها، يمكن أن يصبح بمساره ونتائجه المرجحة أقرب إلى عملية استهداف لمصر نفسها بما في ذلك ما بقي من قوتها العسكرية التي سبق استهدافها وإضعافها وليس تحييدها فحسب، عبر تنفيذ اتفاقيات كامب ديفيد خلال أكثر من أربعة عقود، فمنذا الذي يستمع النظام الآن إلى مشورته أو توجيهاته لتوريط مصر؟

إن التدخلات العسكرية بغض النظر عن تبريرها بحق وعدل أو الإقدام عليها تهورا وعدوانا، لا تحقق أهدافها ما لم تكن صادرة من قلب استراتيجيات مدروسة وكانت ملتزمة بها إعدادا وتنفيذا، حقا وليس كلاما وتبجحا كما كان أيام التدخل في اليمن سنة ١٩٦٢م، ثم النكبة العسكرية الكبرى سنة ١٩٦٧م، وإلا تتحول التحركات العسكرية إلى مجرد مغامرات مجهولة النتائج في أقل الأحوال سوءا، وربما إلى مقامرات انتحارية خطيرة.

نبيل شبيب

إغلاق