رأي – متى يتحرر الإنسان في الدولة الأمريكية؟

على هامش موجة الاحتجاجات الشعبية ضد العنصرية عام ٢٠٢٠م

التعامل مع الاحتجاجات يكشف ما يعنيه التحالف العنصري المادي على حساب المبادئ الدستورية والإنسانية

ــــــــــ

مشاهد الاحتجاجات الشاملة للأعراق وللاتجاهات المتعددة هي مشاهد نضال إنساني للتحرر في دولة توصف بزعيمة “العالم الحر”، وقد واكبت احتجاجات عام ٢٠٢٠م هذه مسارا له مذاق مرّ مشابه في التعامل الرسمي مع جائحة كوفيد-١٩، كما أنها تمثل حلقة أخرى في مسلسل طويل من موجات عديدة سابقة منذ ١٨٦٣م، أي منذ الإعلان الرسمي على الورق بشأن نهاية عهد الرق ولتحرير الرقيق، كنتيجة من نتائج حرب أهلية طاحنة تحت هذا العنوان، امتدت خمس سنوات متعاقبة، وسقط خلالها أكثر من مليون قتيل.
ولكن تلك النهاية للحرب الأهلية أصبحت بدورها البداية التاريخية لموجات نضال متتالية من أجل تثبيت “تحرير الإنسان” في الواقع المعاش، وليس في مواثيق ونصوص قانونية فحسب، وهذا مسار يعيد إلى الأذهان ما يعنيه إنكار وجوب دعم مكانة العنصر الأخلاقي والقيمي في صناعة القرار السياسي والمصلحي وآلياته والمحاسبة على ما يترتب عليه.
يمكن تعداد الكثير بشأن ما تعنيه شعارات الحداثة حسب من قيّدها بأغلال الإرث المعرفي الغربي فحسب، ولكن ماذا يجدي ذلك التعداد عندما نشهد أن تحقيق أمر “بدهي وقانوني” كتحرير الإنسان نفسه، وقد أصبح شعارا تمتطيه الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما في التعامل مع بقية الأسرة البشرية، قد احتاج إلى أكثر من ١٥٠ سنة أو خمسة أجيال متعاقبة، ولا ريب أنه سيحتاج إلى المزيد من الزمن والضحايا، فحتى الآن لا يوجد ما يشير إلى التراجع الجاد من جانب من يجسد تحالف الهيمنة المادية مع العنصرية والتمييز العنصري، ويدافع عنها، ويعمل على تطبيقها واقعيا وإن ندّد بها كلاما.

توجهت أصابع الاتهام في موجة احتجاجات التحرر عام ٢٠٢٠م إلى الرئيس الأمريكي الآني دونالد ترامب، تارة بالربط بين ما يجري وردود الفعل على توجهاته العنصرية عقب انتخابات الرئاسة ٢٠١٦م وقبلها، وتارة أخرى بالربط بين تطلعه إلى دورة ثانية في الرئاسة وما يدلي به من تصريحات ومواقف و”تغريدات” من قبيل ما يوصف بصب الزيت على النار. ولكن المدافعين دون تردد عن دولة “الحياة الأفضل” مهما صنعت، يقولون في مناسبات مشابهة، إنها دولة مؤسسات مهما كانت صلاحيات رئيسها واسعة، فلا ينبغي إدانة “الدولة” واتهامها بالعنصرية مثلا إذا صدر عنه ما يسوّغ اتهامه هو بذلك.
ويفترض أن الولايات المتحدة الأمريكية هي فعلا دولة الدستور والحريات والمؤسسات والديمقراطية إلى آخر ما هنالك من عناوين ومفاهيم “راقية”، لا ينبغي نكران قيمتها في حال تطبيقها فعلا، ولكن ما جدوى ذلك إذا احتاج تطبيق وثيقة “تحرير العبيد” كما وُصفت بتوقيع الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لينكولن إلى خمسة أجيال وأكثر؟ وما جدوى تلك الأوصاف “المؤسساتية” للدولة إذا كانت لا تمكّن في دولة الحداثة الأولى عالميا من كبح جماح الشذوذ في التصريحات والتصرفات و”التغريدات” من جانب رئيس الدولة؟
من حيث الأساس – لا الأسلوب المتبجح – لا يختلف دونالد ترامب في تعامله (عمدا أو عجزا) مع موجة احتجاجات ٢٠٢٠م عن كثير من أسلافه في تعاملهم مع موجات سابقة، من أبرزها خلال زهاء ثلاثين سنة مضت (وسطي ما يعتبر جيلا في علم التاريخ) في ميلووكي / ويسكونسن عام ٢٠١٦م، وبالتيمور عام ٢٠١٥م، وفيرجسون / ميزوري عام ٢٠١٤م، وأوكلاند / كاليفورنيا عام ٢٠٠٩م، وسينسيناتي / أوهايو عام ٢٠٠١م، وسانت بطرسبيرج / فلوريدا عام ١٩٩٦م، ولوس أنجلوس / كاليفورنيا عام ١٩٩٢م.

ولكن ما تميز به أسلوب ترامب عن سواه أنه كشف دون مواربة – كما فعل في سائر القضايا الأخرى – أن صاحب السلطة الفعلية من خلاله وخلال أسلافه ومن خلال المؤسسات حاليا ومن قبل، هو القوة المادية المهيمنة على صناعة القرار وإخراجه، غالبا في حدود ما يسري من قوانين وأنظمة، ولكن مع تجاوزها وانتهاكها عند الحاجة، حيثما كان الانتهاك مضمونا دون محاسبة فعالة تحقق عملية التغيير وإن حدثت عملية تجميل أو امتصاص للغضب.
وما يسري على جولات الاحتجاجات من أجل التغيير في الولايات المتحدة الأمريكية وعلى التعامل الرسمي معها، يسري بصورة أشد وأنكى على التعامل مع الاحتجاجات الشعبية التغييرية خارج الحدود، أي مع الإنسان “الآخر” في البلدان “الأخرى” من عالمنا المعاصر، المنكوب بالهيمنة المادية ومسارات التمييز العنصري وبالتالي العالم المنكوب بتحويل جولات الصراع والنضال والثورات التغييرية إلى ساحات دامية لتطبيق شرعة الغاب.

نبيل شبيب

إغلاق