السياسة والدولةقضية سوريةمتابعات وحوارات

رأي – سورية ولعبة اللجنة الدستورية

هدف التغيير الثوري هو المعيار الوطني لسلامة أي خطوة عملية

ــــــــــ

وصل مشروع اللجنة الدستورية إلى لحظة فاصلة وأصبح طرحه ضروريا على خلفية ما وصلت إليه التناقضات بين أطراف ثلاثية أستانا وسوتشي وبين بعضهم والقوى الدولية الأخرى، ولكن تطاولت الفترة الزمنية لأكثر من سنتين، لمجرد استكمال خطوة أولى من ألف خطوة أو ألف ميل على طريق صياغة نص دستوري مستقبلي، وبقي ما بقي من نواقص وانحرافات في تلك الخطوة الأولى، ويكفي هذا لتأكيد بقاء المشروع مجرد مسار ما يرافق مسارات الدماء والآلام لحراك شعبي سوري بدأ عام ٢٠١١م وما يزال يواجه مرة بعد أخرى محاولات الحسم ما بين وأد الحراك إلى أن تندلع ثورة قادمة، أو إعادة النبض الثوري إليه ومتابعة طريق التغيير بمختلف الوسائل.

ليست إشكالية اللجنة الدستورية في شيطنة تفاصيل المشروع أو تزويقها، فالكشف عن ذلك يسير لأن طريق صياغة الدساتير معروفة تاريخيا، في حال الثورات وحال الحروب الأهلية وحال الاحتلال والاستقلال وحتى في حال الانقلابات العسكرية، وجميع ما يصنع على صعيد صياغة دستور ما، أي دستور، بسورية (وأخواتها) يسلك طريقا شاذا لا مثيل له من قبل.
لهذا لا ينبغي الخوض في التفاصيل نقدا وصدّا وردّا مقابل إغفال جوهر الإشكالية، وهو ما ينبغي تطهيره من شوائب عملية الخلط الجارية بين تغييب مرجعية شعبية مشروعة من جهة والترويج من جهة أخرى لمرجعية شرعة الغاب، وإن وصفت بأنه مرجعية توازن القوى بين أطراف لا تمثل منفردة ولا مجتمعة إرادة الشعب وثورته.

إن أي صياغة دستورية، بدءا بما يسمى مبادئ فوق دستورية انتهاء بشروط استفتاء شعبي شامل وحر ونزيه ومضمون ثم الالتزام بتطبيق النتيجة، هذه الصياغة لا تفضي إلى “مشروعية” ما إلا بقدر ما تمثل إرادة الشعب، وما يجسد ذلك وينبثق عنه.

الشعب سيد نفسه وقراره وصناعة مستقبله وسيد دستوره وصياغة دستوره.

كل تبديل لهذا المعيار بتحركات سورية أو إقليمية أو دولية، سيان، يعني أن مشروع لجنة دستورية أو صياغة دستورية هو بحد ذاته (ودون تشكيك بمخلصين يتبنونه) مشروع فاقد المغزى والقيمة والجدوى، ولا يمثل تعاملا مشروعا مع الثورة وما وصلت إليه عبر التضحيات الشعبية أولا وأخيرا.

توجد على ما سبق شواهد كثيرة، معروفة للدارسين والمتابعين، المتخصصين في التفاصيل وحتى للعوام انطلاقا من فطرة تستوعب ما هي الحرية والكرامة عند كل إنسان، وهي شواهد تاريخية ومعاصرة. وإن عدم الأخذ بها في الحالة السورية لا يعني سقوط مبدأ الإرادة الشعبية كشرط لمشروعية ما يصنع باسمها، أما النتيجة على أرض الواقع فخطيرة من حيث أنها تؤدي إلى تأجيل تحقيق هدف الثورة الشعبية مجددا لفترة أخرى من الزمن، قد تكون حافلة أيضا بالدماء والآلام، لأن كل عمل يشغل عن التلاقي على الخروج من عنق الزجاجة، عمل يساهم في البقاء حيث وصلت مسارات التفرقة إليه حتى الآن.

المعضلة الدستورية – بغض النظر عما يقول بع بعض من يخوضون في التحرك السياسي على صعيدها، لا حل لها بمجرد ربط مشروع اللجنة بالقرار الأممي ٢٢٥٤ أو سواه، والقول إن هذا المشروع يكتمل أو لا يكتمل حسب التعامل مع ما يوصف بالسلال الثلاثة الأخرى، أي مسألة هيئة حكم انتقالي ومسألة المعتقلين ومسألة الانتخابات، وكأن قضايا كبرى بحجم جرائم التعذيب والتشريد والتقتيل والتدمير قد سقطت بالتقادم!

سيان ما يكون عليه مسار كل “سلّة” من سلالهم منفردة أو مع بعضها بعضا، فهو لا يغير شيئا من أن مشروعية ما يصنع لسورية محليا وإقليميا ودوليا تتحقق بقدر ما تتحرر إرادة شعب سورية، وبقدر التعبير عن تحرر هذه الإرادة مع توافر الآليات والضمانات المعروفة دوليا، نظريا وعمليا، وهي آليات وضمانات لا تتبدل لمجرد تجاهلها، ولا يمكن تزويقها وتزويرها بتزييف الأدوات والوسائل والمواقف والتحالفات.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى