رأي – «ثورة» ٢٣ / ٧ / ١٩٥٢م بعد عقود

الانقلابات العسكرية لا تصنع التغيير

ما أعلنت «حركة الضباط الأحرار» نية تغييره رسخت بوائقه وانتشرت في مصر وازدادت عنفوانا

ــــــــــ

(نشر هذا المقال في مداد القلم عام ٢٠٠٧م مع مرور ٥٥ سنة على انقلاب ١٩٥٢م، ويتكرر نشره في المداد دون تعديل يذكر على محتواه، بعد مرور زهاء ٧٠ سنة على الانقلاب)

ما زال يُحتفل عاما بعد عام في مصر بما عُرف بثورة 23 يوليو / تموز أو حركة الضباط الأحرار عام 1952م ، أو ما يندرج وفق العلوم السياسية تحت عنوان انقلاب عسكري. وكانت الأوضاع قبل تلك الحركة أوضاعا متردية مزرية على كل صعيد، فكانت الحركة للتغيير، وكان الترحيب الشعبي بها عاطفيا وكبيرا. ولكن ماذا عن الأوضاع الراهنة في مصر بعد عقود؟.. ولئن عجزت «الثورة» عن تحقيق أهدافها، على حدّ تعبير محمد حسنين هيكل وليس ولاؤه لتلك الثورة موضع اتهام (هذا من يوم تحرير هذه المقالة عام ٢٠٠٧م) فما الذي يُحتفل به إذن؟ ولئن انتشر في هذه الأثناء الاعتقاد أن الانقلابات العسكرية لا تُحدث التغيير المنشود نحو الأفضل، وباتت الأوضاع الراهنة أشدّ وطأة مما كانت عليه مطلع الخمسينات من القرن الميلادي العشرين، فما الذي ينبغي صنعه إذن؟

نستخدم كلمة «ثورة» من باب استخدام الخطأ الشائع، فقد شاع استخدامها على وصف ما شهدته مصر سنة ، 1952م، وأدّى في حينه إلى إنهاء الملكية وإقامة حكم جمهوري، فما الذي يوجد في مصر في الوقت الحاضر؟ هل هو حكم جمهوري أم حكم فردي لا تختلف فيه السلطات في يد رئيس الجمهورية عن صلاحيات “ملك” في دولة تقوم على “الملكية المطلقة”؟ ما الذي ينبغي صنعه – دون ثورة أو انقلاب كانقلاب حركة “ضباط أحرار”، ليصبح النظام الجمهوري نظاما جمهوريا دستوريا نيابيا فعلا، خاضعا لقواعد المسؤولية والمحاسبة، وفصل السلطات وسيادة القضاء، وتداول السلطة مع تحديد معقول لفترة الرئاسة، وجولات انتخاب حقيقي دون ممارسات مشينة تجعله من قبيل تثبيت الخيار الأوحد فحسب؟

إذا أوصلت ثورة 1952م كما يقال عنها إلى التخلص من بقايا الاستعمار الأجنبي في مصر، فكيف هو الوضع بعد عقود؟ هل يمكن القول بسيادة مصرية لا تخضع لإرادة أجنبية، ولو جزئيا، أي على غرار ما كان قبل عقود عديدة؟ هل يمكن القول باستقلال ناجز رغم شروط القروض السنوية باسم مساعدات، وشروط توريد القمح تخصيصا، والشروط المفروضة على الوجود العسكري المصري الوطني في سيناء، والارتباطات السياسية في صيغة محاور إقليمية مرتبطة بالدولة الأمريكية، وغير ذلك من مظاهر التبعية السياسية، أو الاستعمار الحديث، وهذه هي الصوة البديلة عمّا كان في حقبة الاستعمار التقليدي، وقد أصبح جميع ذلك علنيا لا يحتاج إلى دليل ونقاش؟

ثم هل قضت ثورة يوليو / تموز – كما جاء في أهدافها الخمسة – على الإقطاع وسيطرة رأس المال، أم أن الحصيلة الراهنة هي وجود فئة مرتبطة بالسلطة، كما كان الإقطاع سابقا، مسيطرة ماليا واقتصاديا، كما كان رأس المال سابقا، تفرض ما تريد وتصنع ما تريد عبر قنوات الفساد، كما كان الوضع في العهد الملكي سابقا، فكيف يمكن التخلص من الموبقات التي قامت «الثورة» للتخلّص منها، ولكن دون انقلاب عسكري، بعد أن ساءت سمعة الانقلابات العسكرية وثبت عدم جدواها؟

كان الهدف الرابع بين أهداف “الثورة” بناء حياة ديمقراطية سليمة، ولا نخوض في جدل حول ما تعنيه الكلمة، وقد أصبحت من أكثر الكلمات تداولا بعد أكثر من جيلين من عمر مصر وسكانها، وبعد ثلاثة رؤساء للجمهورية (عام ٢٠٠٧م.. وزيادة في هذه الأثناء) مع استثناء محمد نجيب الذي عُزل من منصب رئاسة الجمهورية، هكذا دون استفتاء ولا انتخاب ولا قرار نيابي، وأصبح كل رئيس ينتسب إلى تلك «الثورة» بمنزلة متسلط مدى الحياة، سواء أجريت انتخابات وفق قوانين وإجراءات مفصلة على مقاس بقائه في السلطة، أو دون انتخابات، وحتى الآنيجري الحديث عن ضرورة الإصلاح السياسي، وضرورة الإصلاح الديمقراطي، فكيف تقوم الديمقراطية رغم عوائق تصنع صنعا دون قيامها، وأكبر العوائق هو السلطة نفسها، التي كان أوّل ما استمدت لنفسها “مشروعية مزعومة” لانقلاب عسكري هو الوعد بالديمقراطية؟

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر

وكان من الأهداف الستة أيضا بناء جيش وطني، ونعلم مدى ما تحقق من تقليص للجيش أفرادا ومعدات، من قبل أن يصبح السلام كما يقال عنه هو “الخيار الاستراتيجي الأوحد” لمصر وأمثالها من بلدان عربية بسلطات شبه مطلقة. والجيش الوطني لا يكون جيشا بمعنى الكلمة دون أن يراعي عنصر التوازن مع مصدر الخطر، ومصدر الخطر القائم على مصر وجيرانها معروف، ولا ينقطع تسلحه، ولكن مع تجاوز ذلك كله، هل كان الجهد المبذول والنفقات المالية، من أجل بناء “جيش وطني” يعادل ولو على وجه التقريب ما كان من جهد ونفقات لبناء “أجهزة أمنية قمعية” تعمل داخل البلاد، داخل الوطن، وتستهدف الشعب، والنزلاء في معتقلات لا تكاد تفرغ إلا وتُملأ من جديد، وتستهدف المتظاهرين في الجامعات والمساجد وراء ما يشبه قضبان السجون ومصفحات الحصار، للحيلولة دونهم ودون التعبير عما يريدون في الشوارع، فإن تجرأ فريق على ذلك يلقى ما يلقاه من اعتداءات وإهانات وانتهاك حريات وحقوق، ولو كان من مستوى القضاة، وهم من يُفترض أن يكونوا سلطة نزيهة عليا وليس رجل الأمن ومن يأمره، أو كان من فريق العاملين في الإعلام، وهم من يُفترض أن يكونوا سلطة رابعة ضمانا لحرية كلمتهم لممارسة رقابة الرأي العام على السلطة، ناهيك عما سمي حالة الطوارئ – والوصف يعني مؤقتة – وصار حالة مزمنة، وعن محاكم عسكرية وأخرى مبتكرة صارت رمزا للمظالم بأنواعها، فما الذي ينبغي أن ينتشر في مصر بعد، للقول إن الأوضاع فيها بعد عقود من قيام «الانقلاب / الثورة» قد أصبحت أسوأ مما كانت عليه الأوضاع التي أراد “الثوار من العسكر” تغييرها كما قالوا؟

كم جرى ويجري الحديث عن “ثورة يوليو” وعن مصر التي كانت – وستبقى – في صدارة الحديث باعتبارها مفتاحا رئيسيا لأوضاع المنطقة بأسرها، وكلما مس قلم حصيلة “الثورة” بنقد، وجد من يدافع عن منجزاتها، وما منجزاتها بغائبة عندما يجري الحديث عن “الثمن الأمني الداخلي الباهظ” أو عن التحول التاريخي الخطير من انقلاب على الاستبداد إلى ترسيخ استبداد أشد وأخطر.

إن ما تحقق على المستوى العربي وعلى مستوى حركة عدم الانحياز دوليا، كان منجزات كبيرة في فترة ما عُرف بالعصر الذهبي للقومية العربية، ولكن مضى ذلك العصر مع حرب النكبة الثانية عام 1967م، ومضت العقود من بعد ذلك، فلا يفيد أوضاع مصر وأوضاع المنطقة ولا يفيد العرب والعروبة أن نشيد أو لا نشيد بما تحقق قديما، ونحن نعايش الآن ما يجري في مصر وأخواتها، وما يتهدّد المنطقة العربية والإسلامية بأسرها من أخطار.

إننا في حاجة إلى ثورة على الاستبداد، وثورة على التبعية الأجنبية، وثورة على التخلف والفساد، وثورة على الظلم والمحسوبية، وثورة على الجهل والفقر، وثورة على كل مظهر من مظاهر استعباد الإنسان، واستعباد الأوطان، ولا نحتاج إلى انقلابات عسكرية، تعود بنا القهقرى، ولا إلى نظام حكم حزبي أو فردي أو عائلي، يتصرف بالبلاد وكأنها عزبة يملكها، وبالثروات وكأنها إرث يخصّه، وبالشعب وكأنه عبيد وإماء له.

في حاجة إلى ثورة في الفكر السائد على مستوى السلطة والمعارضة، في الأحزاب الكبيرة والصغيرة وخارج نطاقها، في وسائل الإعلام ودور الأدب والثقافة، في المدارس والجامعات والمصانع والمزارع وروابط المجتمع المدني والأهلي، ثورة تصنع الإنسان الذي لا يمارس الاستبداد ولا يسكت عليه، ولا ينتهك الحقوق ولا يخنع لانتهاكها، ولا يُشغل بلقمة الطعام بنشر الفقر رغم الطاقات الذاتية الكبرى، ولا يُشغل بالبطر عن مصير البلاد والقضايا المصيرية على حساب أقوات الشعب وثروات الوطن.

ولئن اتخذ صانع القرار كافة ما يمكن أخذه من احتياطات في نظره، كيلا يطيح به انقلاب تصنعه مجموعة من «ضباط أحرار» فهو من يوجد من خلال ممارساته السياسية إذا صح هذا الوصف، أوضاعا يستحيل أن تفيد معها احتياطات من أي نوع، وهو المسؤول عن جرّ البلاد وأهلها إلى «ثورة» حقيقية يصنعها الأحرار من مختلف فئات الشعب، ولن يمكن آنذاك ضبط نتائجها الفورية مسبقا، ولكن ستصنع آنذاك التغيير، الذي يطرحه كثيرون شعارا، ويزعمون العمل من أجله، ثم يتحركون في الاتجاه المعاكس جملة وتفصيلا، ولا يأبهون بأنه يمكن أن يفوت الأوان، آجلا أو عاجلا.

نبيل شبيب

إغلاق