قضية سوريةمراجعات ورؤى

رأي – تلميع المجرم لا يشرعن مواصلة الإجرام

مرحلة أخرى في محاولات إنقاذ العصابة الإجرامية في سورية

ــــــــــ

الصورة واضحة جليّة لا تتبدل معالمها بأسلوب “اكذب ثم اكذب حتى يصدّقك الناس” أو حتى يتعامل الناس مع ذلك الكذب بالاشتراك في مؤتمر من المؤتمرات أو الانشغال به أو بما سبقه وتلاه من تصريحات، فكل محاولة لتزوير مشهد سوري غير المشهد الإجرامي الراهن، محاولة فاشلة تثير الاستهزاء حيث ينبغي البكاء، وتزيد وحل الإجرام المتراكم على مرّ عدة عقود وليس لفترة زمنية عابرة.

إن واقع التعامل مع قضية سورية في الوقت الحاضر (٢٠٢١م) هو جزء من محاولة متواصلة لما يوصف بتعويم النظام أو إعادة إنتاجه. وكان أول منعطف مستجدّ فيها ما سمي “مؤتمر روما” أواخر حزيران / يونيو ٢٠٢١م، وقد اقترن بتركيز الحديث على الجانب الإنساني وربطه بقرار من مجلس الأمن حول معبر أو أكثر لتمرير “المساعدات”. ويكفي هنا التنويه بما يقوله الكاتب كمال داغستاني بحق يوم ٢٩ / ٦ / ٢٠٢١م في مقالة له بعنوان ” كذبة المعابر.. كذبة الإنسانية”، نشرت في موقع “تلفزيون سورية”:
(أما غير المفهوم فهي الحساسية العالية للجانب الأميركي والغربي عموماً اتجاه هذا الملف والتزامهم بتمريره عبر الآليات الشرعية في بلاد لا شيء فيها شرعي).

ويلفت النظر في نص البيان الصادر عن ذلك المؤتمر، أن يرحب بالجهود “التي تقودها الأمم المتحدة لتنفيذ جميع جوانب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254” ولكن يذكر من عناصر ذلك القرار: وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات، واللجنة الدستورية، ومكافحة الإرهاب، ويهمل -بل يغيّب قصدا- عنصر “نقل السلطة إلى هيئة سياسية لها كافة الصلاحيات”.

ربما يوجد رغم ذلك من يدمن الانخداع بمواقف أمريكية استعراضية، كما لو أنها خرجت في أي وقت من الأوقات من مستنقع “الامتناع عن العمل لإسقاط النظام” كما جرى التأكيد مجددا قبل فترة وجيزة، وهذا تعبير سياسي يعني:
(١) رفض ما أعلنته الإرادة الشعبية في سورية عبر ثورة آذار / مارس ٢٠١١م
(٢) التعبير بصيغة أخرى عما يقول به الطرفان الروسي والإيراني بصدد الحفاظ على “بقايا النظام” وإعادة تدويرها وتلميعها لتبدو وكأنها “نظام سلطة حاكمة” صالحة للبقاء.

هذا مسار مرفوض وإن وصلت خدمته بقصد أو دون قصد إلى “أقلام سورية”، تشارك في عملية التلميع مع تزويقه بعبارات “ثورية”، كما هو الحال مؤخرا مع مقال بعنوان “بشار الأسد تحت مجهر التحليل النفسي”، نشر في زاوية “سكون” في “شبكة الجزيرة” يوم ١١ / ٧ / ٢٠٢١م، ثم حذفته إدارة الجزيرة، ولكن سبق أن تناقلته عدة مواقع شبكية، وكان عنوانه الشبكي: https://bit.ly/3Bh8Y2W، وأصبحت تظهر عبارة (الصفحة غير موجودة)!

وليس المقال “دراسة محكمة” ولكن كأن صياغته تستهدف الإيهام بذلك عبر توظيف غير منهجي لأقوال تدور حول “سياق” الموضوع، صدرت عن أصحاب أسماء معروفة أو يأتي ذكرها دون ذكر “أسماء” أصحابها أصلا، كأن يقال مثلا “مستشار سابق”، “أحد المسؤولين الغربيين”، ويبقى الخط العام كما ورد في المقال: (لا تهدف هذه السطور للبحث عن هيئة شيطان شرير له قرنان، ولسان من نار، وقبضة من جمر، إن أمثال هؤلاء الشياطين موجودون، ولكنهم نادرون جدا كما يقول أريك فروم. إنما نحكي عن سيرة إنسان عادي جدا، لا تبدو عليه أي ملامح سريرية نفسية لافتة، ولكن هذه الشخصية عندما باتت في موضع السلطة، أصبحت خطرة جدا، وأسفرت عن إرادة غير عادية تجاه التدمير والقتل).

هذه محاولة غير متسترة لإقناع القارئ بكشف منهجي عن “عقدة نفسية حولت بشار الأسد إلى قاتل وحارق للجثث”؛ وهذا كلام ينزلق بقلم كاتبه إلى زعم غير مباشر بأن هذا “الرئيس” القاتل بالذات كان شيئا آخر قبل أن يصبح قاتلا، أو لا يحمل المسؤولية كاملة نتيجة إصابات “نفسانية” أو تعرض لظروف قاهرة، أسروية أو سياسية، وجميع ذلك يصب بشكل عملي في خانة الإعلان الأمريكي مجددا أن واشنطون تستهدف أن يغير النظام سلوكه وليس العمل لإسقاطه. أو بتعبير آخر: أصبحت توجد أقلام سورية تقول بغض النظر عن النوايا: إن تغيير سلوك النظام ممكن لأن السلوك الإجرامي نشأ نتيجة ظروف غير عادية.

لا غرابة أن تردد ذلك وما يشابهه ألسنة الروس والأمريكيين، أو أي فريق آخر من قوى الاستبداد الدولي والإقليمي، وهي ترعى هياكل الاستبداد المحلي في العالم ومن ذلك في سورية، ولكن لا ينبغي أن يشارك أي طرف تحت عنوان “سوري” في أي خطوة عملية أو موقف “سياسي” في تمرير مرحلة تالية من مراحل التعامل مع الإجرام، وبئس من يعتذر عن ذلك بالقول “إنهم سيفعلون ما يريدون على كل حال، فنحن نسعى لتخفيف وطأة ما يصنعون أو التأثير عليه في خدمة سورية والسوريين”. كلا.. هذا محض مشاركة يحمل صاحبها المسؤولية عن الإسهام بها في عملية التضليل المعتادة في كل تحرك دولي لخنق أية مساع محلية أو إقليمية قد تفتح الأبواب أمام تحرير إرادة الشعوب جزئيا أو كليا، آجلا أو عاجلا.

ليست المشكلة في مشاركة “تحريرية” ولا في “مشاركة سياسية” مهما كان تزويق ذلك بعناوين وتسميات براقة، بدءا بجنيف انتهاء ال، وبدءا بعنوان “أصدقاء الشعب السوري” انتهاء باللجنة “الدستورية”، وبدءا بمقال تحتضنه مجموعة شبكية انتهاء بشبه دراسة في شبكة إعلامية كبيرة، إنما المشكلة في أن ذلك يتراكم كي يُستغل في خدمة ما يوصف بشرعنة قرار دولي أو إقليمي على حساب الإرادة الشعبية وثوراتها وأهدافها المشروعة.

لن يكون للسوريين تأثير ضعيف أو قوي ناجح أو نصف ناجح على المدى القريب أو البعيد، ما لم تتحقق شروط عديدة، من بينها أن يكون لهم وجود سياسي منضبط، يفرض نفسه من خلال ما يرى وما يقول وما يفعل، وليس عبر ما يراعيه من معادلات “الهيمنة والتبعية”، ومن خلال ما يصنع فعلا وبدلا عن ذلك، من علاقات إيجابية على مستوى مصالح صادرة عن تمثيل الشعب وما يعنيه التفاعل معه أو ضده، حتى يحترم الآخرون ذلك “التمثيل السياسي” في ميادين التجاذبات الدولية والإقليمية، وحتى يحسبوا له حسابا ما، وهذا ما يستحيل أن يحققه أحدٌ ينتظر أن يتلقى دعوة للحضور أو لا يتلقاها، وأن يبرر وجوده الشكلي أو يرضى به، وأن يعبر عن انزعاجه الشخصي من إهانته ويغفل عن أنها إهانة للشعب والثورة والوطن والتاريخ والمستقبل.

في جميع الحالات، يبقى الغياب والتغييب أقل سوءا وضررا من الوجود كشاهد زور على “شرعنة مزيفة” لمرحلة بعد مرحلة من مراحل قمع الإرادة الشعبية وإعادة تعويم القاتل.

إن قضية سورية قضية شهداء يستشهدون منذ عقود وما يعانيه ذووهم من بعدهم، وقضية اعتقالات بلا عدد ولا سبب ولا حساب، وقضية ممارسات تعذيب أشد همجية مما يتصوره عقل إنسان سوي، وقضية تشريد الملايين داخل الوطن وفي الشتات، وقضية تغيير سكاني خطير، وقضية تكالب قوى عديدة على تدمير شامل للأرض والعمران والعلاقات البشرية في أوطان حرة، وقضية منعطف تاريخي في صناعة حاضر المنطقة ومستقبلها.. ومن يتحدث عن هذه القضية الكبرى تحت عنوان “ملف” من الملفات الإقليمية والدولية، بين سياسة خرقاء ومساومة عرجاء، وضغوط خفية وتزوير علني، واجتهادات طائشة وزلاّت أشبه بالخطايا، إنما يختزل قضية إنسانية الإنسان وكرامة الأوطان، مثلما يختزل “الفعل السياسي” للالتفاف على هدف إسقاط الاستبداد والفساد، وما يعنيه ذلك من المسؤولية عن الإسهام في اغتيال روح الثورة المشروعة، بعد أن نشبت من أعماق الإرادة الشعبية، ضد أصل وجود ذلك الاستبداد بكافة هياكله وتجلياته، ومنها أخطبوط علاقاته الإقليمية والدولية الذي كان من ورائه وبقي يعتمد عليه لعشرات السنين ويحاول الآن تحت عناوين روسية وأمريكية وإيرانية وغيرها، إعادة إنتاجه، بعد أن تفسخ في وحل ما ارتكب من جرائم لا حصر لها، ولم يبدأ الحساب الدنيوي عليها حتى الآن.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى