بلادنامراجعات ورؤى

رأي – السودان في معركة ثورية

لا أصل لتسمية قوات مسلحة "مكونا عسكريا" يشارك في صناعة السلطة

ــــــــــ

في بلادنا مشتركات أساسية لا تخفى على أحد، مثل كرامة جنس الإنسان وحقوقه وحرياته، وما ينيني على ذلك من حق سيادة الشعوب على صناعة القرار وتحديد المصير على مستوى الأوطان وأنظمة الحكم فيها، وفي إطار هذه المشتركات يمكن رصد خصائص كل بلد على حدة، ومعظمها مما صنعته الحدود والأنظمة خلال عشرات السنين الماضية ومعظمها مرتبط بهيمنة قوى ورثت معطيات السيطرة والاستغلال من الحقبة الاستعمارية الأجنبية من قبل.

إن الثورات الشعبية تنطلق من المشتركات وهذا ما يسري على السودان وسواه، أما التحرك المضاد للثورة من جانب قوى إقليمية ودولية معادية لتحرر الشعوب فينطلق من تباين الخصائص والمواصفات فيتعامل مع كل بلد بأسلوب يناسب الهيمنة عليه، ويختلف في ذلك عن بلد آخر، ولهذا كان الانقلاب المكشوف في مصر والمستتر في الجزائر، والتعطيل السياسي والاقتصادي في تونس، وصراعات التجزئة في ليبيا، وحرب الإبادة والتشريد في سورية، والتضليل الإقليمي المسلح في اليمن، والإمعان في التفرقة الطبقية في لبنان، وتقلب النزاعات الدولية والإقليمية على العراق، وهكذا في بلدان أخرى وإن لم تشهد ثورات شعبية واسعة النطاق.

السودان يمر في الوقت الحاضر بمرحلة حاسمة من مراحل التعامل معه بهدف إخماد مفعول الثورة الشعبية فيه، وتتركز الجهود المضادة على تمزيق عقدة التوافق المرتبطة بالوعي السياسي الذي يتميز به الشعب السوداني والالتزام الديني المتوازن كما عرفه منذ عقود، فقد كان التعايش بين أطراف البنية الهيكلية التعددية من أسباب قوة السودان وبقائه رغم تعاقب أنظمة الاستبداد فيه، ورغم الضغوط الدولية والإقليمية الخارجية إلى درجة الحصار المطبق من حوله.

في هذا الاتجاه أصبح تسويق جهود وقف تيار التحرك الثوري يجري تحت عنوان التفاوض مع التلويح بالعصا العسكرية، بين ما يسمونه المكونات العسكرية والمدنية، حول “خارطة طريق” أي حول مستقبل توزيع مراكز القوى الفاعلة في صنع القرارات السيادية وغير السيادية، والمناصب الرئيسية في هياكل السلطات الثلاث.

إن السلطة الحاكمة كلها، بما في ذلك إعادة تشكيلها، هي سلطة الشعب بمكوناته “المدنية”، والمدنية فقط، وهذا ما يشمل السيادة في صناعة القرار وتنفيذه لتوجيه قوات مسلحة يجب أن تتبع في الأصل لجهاز السلطة المدني، ويعني ذلك في المرحلة الحالية: سحب وجود القوات المسلحة في مواقع صناعة القرار. ولا يوجد سند سياسي ولا قانوني في أي مشروعية دولية أو دستورية محلية، لتسمية تلك القوات المسلحة “مكونا عسكريا” مقابل المكون “المدني” بل لا يمكن استقرار أي وضع سياسي إلا عندما تكون تلك القوات خاضعة للسلطة الشعبية، المدنية الدستورية، خضوعا دستوريا يشمل تشكيلها وتسليحها وتوجيهها وإدارتها وصناعة قرارات الحرب والسلم السياسية لتنفذها القوات المسلحة، بما في ذلك التصديق على ما تضع بنفسها من مخططات استراتيجية بعيدة المدى ومخططات آنية للتحرك في مواجهة أخطار “خارجية”، وخارجية فقط، فلا علاقة لها بالتفاوض حول عقد اجتماعي وهيكلية سياسية، ولا علاقة لها بأمن داخلي ولا “حراسة” استقرار نظام حاكم، ناهيك عن تعطيل الدستور وانتهاك استقلالية القضاء واتخاذ أي قرار بشأن حالة طوارئ، حقيقية أو مزعومة. كما أن صلاحيات السلطة “المدنية” تشمل من فوق القوات المسلحة إجراءات التعيين لقياداتها، مباشرة أو بالتصديق على ما ينبثق عن الأنظمة القانونية المتعلقة بعمليات التعيين والعزل والتعديل والإحالة للتقاعد وما شابه ذلك.

إن الثغرة التضليلية المصنوعة صنعا لإخماد ثورة شعب السودان، هي ثغرة الخلط المتعمد في طرح تسميات لا أصل لها والتعامل معها تحت عنوان “مكونات مدنية وعسكرية”.

يسري هذا أيضا على المواقف السياسية الخارجية الأجنبية التي لا علاقة لها بالشأن السوداني الداخلي إلا “علاقة التدخل غير المشروع” عندما يكون مضادا لسيادة الشعب على نفسه وقراره، ويتضح ذلك مباشرة في أن الدول التي تقول إنها تتوسط أو تضغط أو تنصح بشأن التوازن بين مكون عسكري وآخر مدني في السطلة السودانية، هي نفسها لا تصنع ذلك داخل حدودها، والكلام هنا عن دول غربية “ديمقراطية” وليس عن دول إقليمية تخشى أنظمتها على نفسها من مجرد ظهور وضع سياسي غير استبدادي في أي بلد من بلادنا، وهذا بالذات ما يجعلها تحارب الثورات الشعبية بلا هوادة، ولا تتردد في ذلك عن التطبيع مع “احتلال غاصب” و “استبداد غاصب” لحقوق تحرر الشعوب وسيادتها على نفسها.

إن تمزيق عرى الثورة الشعبية في السودان وعرى ارتباط القوات المسلحة بالإرادة الشعبية والخضوع لها، هو الخطر الأكبر، فهو المدخل إلى أخطار حقبة أخرى من الاستبداد بوجهه المحلي البشع وباعتماده على تدخلات الهيمنة الدولية الاستغلالية البشعة، وكلاهما يتناقض مع كرامة الإنسان وحقوقه المشروعة وحرياته الأساسية.

نبيل شبيب

الموقع الإلكتروني | + مقالات

​- درس العلوم السياسية والقانون الدولي في بون ولم يختمها بشهادة جامعية
- مارس العمل الإعلامي الصحفي والإذاعي منذ عام 1968.
- نشط في العمل الإسلامي منذ عقود.

صدر له منذ أواسط السبعينيات عدد من الكتب، منها:
قضية فلسطين، الحق والباطل + تقييم مقرّرات كامب ديفيد + تقويم "معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية" + حقيقة التفوق الإسرائيلي + الواقع القائم وإرادة التغيير + ملحمة الشهيد (شعر) { البوسنة والهرسك + وكتيبات إلكترونية عديدة منها: تحرير المعرفة – الجهر بالحق.
- كما نُشر له عدد كبير من المقالات والدراسات والقصائد في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الشبكية، وله مشاركات في عدد من الندوات التلفازية والمؤتمرات الثقافية.

زر الذهاب إلى الأعلى