ذاكرة – هذا الموقع.. إصدارة جديدة

مداد القلم منذ ١٤١٩هـ و١٩٩٨م

أصدقاء موقع مداد القلم شركاء فيه، وفي مسؤولية صاحبه للإسهام في طريق التغيير ومصلحة الإنسان

ــــــــــ

مقدمة بتاريخ ١٤ / ٢ / ٢٠٢٠م

يقال إن من المساوئ التي رافقت انتشار ما يسمّى مواقع التواصل الاجتماعي، أنها باتت تفرض نفسها على أصحاب القلم، وتكفي كلمة “تفرض” إشارة إلى أن الأمر من قبيل حكم الكراهية، ولا ينبغي أن يدفع ذلك إلى تغييب مكانة مواقع شبكية تقليدية، وهذا ما يسري على “مداد القلم”، رغم تعرضه ككثير سواه لهجمات ما يوصف بالتهكير (وهذا تعبير انتشر مشتقا من لفظة أجنبية بدلا من تعريب معناها). هذه الإصدارة من مداد القلم متميزة عن سابقاتها بالإخراج والمحتوى، لا سيما بعد أن تقدمت السن بصاحب المداد والقلم، وقد اجتمع لديه كثير من نصوص منشورة من قبل، من الكتب وحتى عبارات من بضع كلمات “برقية الصياغة”، ويفقد كثير من ذلك قيمته لارتباطه بحدث آني وهذا ما يدفع إلى اختيار دقيق وإضافة ما يكتفي بكلمات سريعة ونصوص مختصرة كما في باب (ما قل ودل)، وكذلك الحرص على المزيد من مواكبة التعبير عبر الصورة والصوت قدر الإمكان.

ومع هذه الإصدارة يتجدد الشكر لرواد مداد القلم منذ ظهوره عام ١٤١٩هـ و١٩٩٨م ولعل الانبهار بأساليب شبكات التواصل الاجتماعي -وما أبعدها عن معنى “الاجتماعي”- قد ساهم في تراجع الإقبال على هذا الموقع أيضا، بعد أن كان يستقبل كثيرا من الأحباب والمحبين، بل تجاوز عدد الزيارات خلال أعوامه الخمسة الأولى حدود خمسة ملايين ونصف المليون زيارة، ومن يدري.. قد يتجدد اللقاء مع مزيد من الجهد لتحسين العطاء، ويبقى في سائر الأحوال رجاءُ التعاون عبر انتقاداتكم وملاحظاتكم واقتراحاتكم، إذ لم يتبدل جوهر المطلوب من “مداد القلم” وهو ما أوجزته العبارات التالية المنشورة في الإصدارة الأولى، قبل أكثر من عشرين عاما:

مداد القلم موقع شبكي شخصي، إعلامي، حواري، مستقبلي

شخصي لارتباطه باسم صاحبه، كاتب هذه السطور، واعتماده على ما وفق الله إليه من كتابات منذ ١٩٦٨م، اجتمع منها ألوف المقالات، وعشرات البحوث والدراسات والكتب.

وإعلامي بحكم ما يغلب على المحتوى، وإن تعددت ميادينه من عوالم الفكر والثقافة والسياسة والاقتصاد وغيرها، وتعددت أساليب الطرح بين مقالة ورأي ودراسة وكتاب، ونثر وشعر، ويعود التنوع إلى ممارسة الكتابة لزمن طويل في أكثر من وسيلة إعلامية تحريرا وإدارة للتحرير.

أما أن يصف مداد القلم نفسه بالموقع الحواري المستقبلي، فهذا هدفه، وأمل صاحبه، ليكون ساحة لقاء، ومنتدى حوار، وحصيلة تبادل آراء وأفكار، مع رواده، لا سيما من جيل المستقبل، فهم عماد صناعته، وهم مَن يرجو كاتب هذه السطور الوصول إليهم والتفاعل معهم، وأن يطرح بين أيديهم عصارة ما أعطاه مداد القلم في مواكبته لتقلب الأحداث والأفكار والتطورات على امتداد عدة عقود، وما يزال حريصا على مواكبتها.

ولا ريب أن الإرث الذي يخلفه جيلنا لجيل المستقبل إرث ثقيل، يستدعي الحياء وربما الاعتزال لا التشبث بما كان معظمنا عليه.

كثير منا، يصنفون أنفسهم في مرتبة النخب من هذه الأمة، وقد استقبلوا الاستقلالَ عند رحيل جيوش المستعمر الأجنبي وهم في مقتبل أعمارهم، وهاهم يودعون دنياهم على معايشة مآسي الاحتلال والاستبداد معا.
كثير منا أعلنوا مرارا امتلاك مفاتيح النهوض والتقدم والوحدة والتحرر بما تبنوا من رؤى ومناهج، وليس بين أيدينا من الحصيلة سوى الانهيار والتخلف والتمزق والتبعية.
كثير منا بدؤوا النضال والكفاح والعمل والجهاد بالدعوة إلى تيار أو حزب أو جماعة، أو تأسيس تنظيم للتمرد والثورة، أو تدبير انقلاب والسيطرة على السلطة، والجميع اليوم أمام ركام ما صنع النزاع والصراع، والإقصاء والاستئصال، والخصومة والعداء.
وأشد وطأةً من هذا الإرث الثقيل على جيل المستقبل، أن فريقا كبيرا من هذه التيارات والاتجاهات، لا يزال يستأثر لنفسه باحتكار الصواب دون أن يبدل نهجه القديم، ولا يزال يمسك بما وضع عليه يديه من إمكانات وطاقات فيأبى تسليم الزمام لآخرين، عساهم يصنعون غير الذي صنع لنخرج من أتون الكوارث والنكبات، التي خلفها جيلنا نحن، والتي يحمل من يصر على ما صنع -مع أسلافه على الطريق ذاتها- أوزارها والمسؤولية عن عواقبها بعد المسؤولية عن وقوعها.

لا مجال للتعميم قطعا.. فقد عرفنا قلة من أعلام الحقبة الماضية، ممن استطاعوا -رغم حلكة سوادها، وقصورنا فيها- الاحتفاظ بمفاتيح النهوض، عقيدة وفكرا وأدبا وقيما، ولم يتمكنوا من امتلاك أسباب النهوض المادية والفكرية الأخرى، ولكن كان بفضل جهودهم بعد فضل الله تعالى، أن أوصلوا مشاعل الطريق.. إلى جيل الصحوة والتغيير، وإن أهم مكامن النهوض في الصحوة والتغيير هو الإنسان.

يبقى الأمل أن يحقق جيل المستقبل النهوض الذي لم يحققه جيلنا، وليست مهمة النهوض يسيرة، ولكنها ليست مستحيلة أيضا، فلا ينبغي التهوين من شأن مسؤولية حملها، ولا ينبغي أيضا السقوط في وهدة التيئيس من القدرة الذاتية على حملها.

والمسؤولية هنا أمانة وتكليف، ومعرفة ووعي، واستيعاب للواقع وتخطيط، وعمل يجمع الخبرات، وعطاء وقدرة على التعامل الهادف مع الآخر.

وإذ نتوجه إلى جيل المستقبل ليحمل هذه الأمانة، فمن حقه علينا أن نصدقه فنقول إن عليه أن يحملها على نحو آخر غير الذي صنعناه، وأن يعطيها حقها من الإيمان اليقيني، والفكر المستنير، والعلم المنهجي، والمعرفة الثاقبة، والوعي السديد، والتخطيط المدروس، والكفاءة والتأهيل، والتخصص والتكامل، والعمل الدائب، والجهد المتواصل، والصبر على المغريات والمرهبات، فذاك جميعه من شروط النهوض.

ومن أهم شروط النهوض أيضا أن يتمكن جيل المستقبل مما لم نتمكن منه: دوام الحوار والتفاهم والتعاون، من وراء سائر الانتماءات والتوجهات دون استثناء، وتوظيف الإمكانات والثروات والطاقات الذاتية الوفيرة توظيفا مدروسا هادفا، فآنذاك فقط تتحول الشعارات إلى منجزات وتتحول الأحلام إلى حقائق.

. . .

مداد القلم يود أن يقدم قسطا من الواجب من هذه المهمة الكبيرة، وأن يكون دعوة للمشاركة في حملها، موجهة إلى جيل المستقبل، ذكورا وإناثا، مسلمين وغير مسلمين، من مختلف التيارات والانتماءات.

وإذ يتجدد مداد القلم في إصدارته الجديدة هذه أذكر من سبق وكان من رواده وزواره فيما مضى، بكلمات استقبلتْهم عام ١٤٢٢هـ و٢٠٠١م، عند ظهوره في حلة إخراج سابقة، ومنها: أحفظ من سن الصغر بيتاً من الشعر يقول:

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا – – – نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل

ولا أرى في زوار هذا الموقع ضيوفا، بل شركاء عبر التواصل، فهو الهدف في زمن شهد من التقدم ما ضاعف سرعة عجلة التغيير في واقع الإنسان وواقع البشرية بصورة مذهلة، دون أن تفقد الكلمة مهمتها الأولى، مهمة تحقيق التواصل والحوار وتحريك عجلة التغيير، سواء انطلقت الكلمة على شـفاه خطيب أو شـاعر أو محاضر إلى جمهـور بين يديه، أو حملتهـا الأوراق بين دفتي كتاب أو مجلة، أو تهادت على أجنحة موجات أثيرية شبكية، قد لا ندري ما كنهها، ولكن نعلم أنها وسيلة نرجو أن تكون مأمونة على نقل ما يصدر عن القلب والفكر، والوصول به إلى القلب والفكر.

يرجو هذا القلم أن يكون أمينا على الكلمة التي يكتب، فيسعى أن تكون سديدةً تتحرى الصواب، طيبة تعف عما لا يليق، كما يرجو أن تجد لديك -أيها الزائر الكريم- هذه الكلمات صدرا رحبا يستوعب ما قد يتفق أو لا يتفق مع رأيك، ويرجو أيضا، أو أزيد فأقول: إني أحملك أمانة الكتابة للتواصل، نقدا.. والنقدُ أحب إلي من الإطراء، أو استكمالا يغطي نقصا أو اقتراحا لجديد أو تعقيبا على موضوع أو فكرة، على طريق التعاون بين الأقلام “والأنفس” من وراء الحدود والمسافات، لبلوغ غاية أحسبها مشتركة وإن تعددت الاتجاهات والاقتناعات، هي تحقيق سعادة الإنسان وبيان طريق خيره ومنفعته وهداه.

نبيل شبيب

حرر النص الأصلي لأولى إصدارات مداد القلم يوم: ٢٣/ ٩/ ١٤١٨هـ و٢١ /١ /١٩٩٨م، وينشر في هذه الإصدارة بعد إضافات وتعديلات طفيفة.

شاهد أيضا: هذا القلم – على جراح الغربة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق