ذاكرة – مع هيثم المالح ومذكراته (٦) مقتطفات ٢ من ٢

سطور من الجزء الثاني

من كل بستان من عطاءاته زهرة

ــــــــــ

حلقة سادسة من خواطر الذاكرة.. من صياغة بعض ما تركه في النفس والفكر لقاء كاتب هذه السطور مع الأستاذ هيثم المالح لمدة ١٠ ساعات في بون يوم ١٤ / ٩ / ٢٠٢٠م.

هذه عينات معدودة من الجزء الثاني من مذكرات الأستاذ هيثم المالح، وكان اختيارها صعبا، ولجأت أخيرا إلى اختيار ما يعطي بعض الانطباعات عن سجل السنوات الأخيرة داخل سورية قبل الثورة، ثم عن دوره فيها داخل الحدود، أي قبل خروجه في أيار / مايو ٢٠١١م، وأضفت لقطات معدودة وقصيرة للغاية عن جانب من عمله في صفوف ما سمي “المعارضة” المرتبطة بالثورة، وهي تسمية خاطئة في اعتقادي، وكان من الأفضل تشكيل جهاز سياسي يُلحق بالثورة، وتقتصر صلاحياته على ما يمكن الشعب من التحرر لصناعة دولته بنفسه، دستوراً وسلطاتٍ دستورية.

*        *        *

(٦) سطور من الجزء الثاني

في هذا الجزء من المذكرات سيجد القارئ فقرات عن تشكيل المجلس الوطني السوري وهيئة الأمناء ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، كما خصصت فقرات توضح سيرة واختصاص من قاد العمل السياسي سواء في المجلس الوطني أو في الائتلاف، وأما ما يتعلق بالجانب المسلح من الثورة، والذي بدأ فعلياً مع مطلع عام ٢٠١٢ وانتشرت الفصائل المسلحة بصورة عشوائية غير منظمة فهو مما سأتحدث عنه لأضع صورة لواقع الثورة في الجانبين العسكري والسياسي.

*        *        *

يوم ٢٦ / ٧ / ٢٠٠١ باشرنا عملنا في الجمعية (السورية لحقوق الإنسان) بصورة نشطة، وشكلنا عدداً من اللجان، لجنة إعلامية، ولجنة ثقافية تهتم بنشر ثقافة حقوق الإنسان، وكذلك لجنة العلاقات العامة.
وقد ترأست الجمعية لدورتين متتاليتين أي أربع سنوات، كانت حافلة بالنشاط وأصدرنا أربعة تقارير عن حقوق الإنسان في سوريا، كما أصدرنا نشرة شهرية عن طريق الإنترنت اسميناها “المرصد”، كما غطت بياناتنا العديدة سائر الانتهاكات سواء لجهة الحريات العامة والاعتقالات أو لجهة البيئة والفساد وما إلى ذلك….

مع مجيء بشار الأسد إلى الحكم وريثاً لوالده حافظ الأسد بتعديل للدستور من قبل مجلس الشعب خلال أقل من خمسة عشر دقيقة، كما هو معروف لدى عامة الناس، ثم إلقائه لخطاب القسم الدستوري في مجلس الشعب والذي تعرض فيه إلى معاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، توهم البعض أننا أمام عهد جديد يختلف في مضمونه عن عهد حافظ الأب، وبدأ حراكٌ اجتماعي وسياسي يدب في أوصال المثقفين من أبناء الشعب السوري، ثم بدأت حركة المنتديات فكان أن افتتح منتدى جمال الأتاسي في بيت المرحوم جمال الأتاسي، وكذلك منتدى رياض سيف….
كل هذا مع صدور العديد من البيانات، وقد يكون من أهمها “بيان ٩٩”، إذ أدى من حيث النتيجة لظهور إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي المكون من سبع عشرة فقرة، وعقدت معظم الاجتماعات في مكتب حسن عبد العظيم، كما أرسل الإعلان إلى خارج سوريا حيث تم عرضه على الإخوان المسلمين وعلى برهان غليون فقد أيده الجميع.
كنت أحد الموقعين التسعة المستقلين على الإعلان وهم : جودت سعيد ورياض سيف وفداء الحوراني وعبد الرزاق عيد وعبد الكريم الضحاك وكمال زكار وآخرون….
حين صدر إعلان دمشق، كان الهدف منه فيما أعتقد هو نشر المبادئ التي وافق عليها الموقعون على البيان، إلا أنني لاحظت مع تعدد الاجتماعات للموقعين على البيان أن هناك توجهاً لجعل (إعلان دمشق) حزباً سياسيا، أو تكتلاً سياسياً يتماهى مع التنظيمات الحزبية، ومن المعلوم أن هذا غير صحيح ابتداء لأن اتفاق مجموعة من الأشخاص أو الكتل على المبادئ لا يعني تحولهم إلى حزب.

*        *        *

من الجدير بالذكر عقب عودتي من الدوحة (بعد المشاركة في برنامج بلا حدود في فضائية الجزيرة) استدعيت إلى أربعة فروع للأمن منها فرع الشعبة السياسية في منطقة الجبة “الصالحية” وقد أجرى معي أحد الضباط “عاطف نجيب” حواراً وقال لي في نهايته: يا أستاذ هيثم أنت رجل مسن لماذا لا تحيل نفسك على التقاعد وتذهب فتعيش مع أولادك في أمريكا حيث هناك الأماكن الجميلة وتمتع نفسك فيها وترتاح من هذا العناء! فأجبته بكلمات قلت له فيها “إنني مولود توءماً لجبل قاسيون”، وبالتالي لا أستطيع ترك توأمي وانتهى اللقاء.  

*        *        *

كانت قناة بردى أجرت معي لقاءً هاتفياً أجبت فيه على الأسئلة التي وجهت إلي من قبل المذيع وقد أحاطت إجاباتي بكافة مفاصل الموضوع، وعلى ما يبدو أن هذه المقابلة كنت القشة التي قصمت ظهر البعير….
هكذا بتاريخ ١٤ \ ١٠ \ ٢٠٠٩ دخل إلى مكتبي عنصر أمن وسألني عن المكان الذي أوقفت فيه سيارتي فأعلمته بمنتهى البساطة دون أن يخلد بذهني أن كميناً سوف ينصب لي بجانب سيارتي لاختطافي، وفعلاً خرجت من مكتبي، وما إن وصلت سيارتي وهممت ركوبها للذهاب إلى داري وكانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الظهر، فوجئت بثلاثة شبان أشداء اختطفوني بالقوة ودفعوني بسيارة كانت تقف إلى جانب سيارتي، فسألتهم من أنتم قالوا “بعدين بتعرف”، ووصلوا بي إلى إدارة المخابرات العامة أمن الدولة وأدخلوني غرفة وجدت فيها اللواء زهير حمد وإلى جانبه شخص قيل إنه المستشار الخاص لمدير إدارة المخابرات وشخص آخر هو كاتب ضبط….
بعد أربعة  أيام وبتاريخ ٢٢ \ ١٠ أخذوني بسيارة وسلموني للمحكمة العسكرية، وكل هذه الفترة لم يسمح لي بالاتصال بأحد ولم أستطع أن أتناول دوائي الخاص، كما لا تعلم أسرتي مكان وجودي، كما لم يبذل أي محام جهداً كي أعامل معاملة محامٍ يحاكم خارج إطار القانون….
مع نهاية التحقيق تم سوقي إلى سجن دمشق المركزي في عدرا، حيث أمرت بالدخول إلى الحمام كباقي المساجين، في الوقت الذي لا أملك فيه ألبسة أو منشفة، ثم ساقوني إلى الجناح ٦ في المهجع الرابع وكنت حتى ذلك الوقت لم يدخل معدتي أي طعام، فأحاطني بعض المساجين الذين عرفوني، وحضروا إلي صحناً من الطعام تناولته ثم أخذني بعض المعتقلين وكان بينهم أحد الإخوة الأكراد فأحاطوني بعنايتهم وقد نسيت أسماء هؤلاء ولكن أوجه لهم الشكر على هذه الصفحات….

هيثم المالح في السجن ٢٠٠٨ / ٢٠١١م
هيثم المالح في السجن ٢٠٠٨ / ٢٠١١م

بعد بضعة أشهر استدعيت للمثول أمام قاضي التحقيق العسكري الذي عرفت اسمه عبد الرزاق الحمصي وحضر معي في الاستجواب المحامي بهاء الركاض، وسألني قاضي التحقيق عن سائر المقالات الموجودة في الملف وعن مقابلاتي التلفزيونية فاعترفت بها جميعها….
في جلسة النطق بالحكم وقفت لأستمع قرار محكمة الجنايات العسكرية الذي انتهى إلى الحكم علي بالسجن ثلاث سنوات بالتهم التي نسبت إليّ….
قبل خروجي من السجن بثلاثة أشهر جاء دوري لاستلام سرير لأنام عليه، وكنت في كل زيارة أردد على مسامع زوجتي أنني سوف لا أكمل المدة، وقبل الإفراج عني بأسبوع واحد قلت لها سأخرج في القريب العاجل، لأنني كنت أشعر بتمام الارتياح والاطمئنان بأن الفرج سيكون قريباً.

وفي السادس من آذار ٢٠١١ أصدرت بياناً من السجن تحت عنوان: (هذا بيان للناس)، طالبت فيه من حيث النتيجة النظام بالرحيل والشعب بالتحرك للمطالبة بحقوقه.

*        *        *

في صبيحة أحد الأيام تلقيت  مكالمة هاتفية على الساعة الرابعة صباحاً تدعوني لمغادرة منزلي فوراً، بمقولة  أنه تم التحضير لمهاجمة منزلي على الساعة الخامسة صباحاً، وفعلاً غادرت إلى بيت ابن أختي القريب مني فأقمت عنده ليلتين إلا أنه كان يعد العدة للسفر، فتركته إلى دار أهل زوجتي، ومن أجل تغير بعض ملامحي أطلقت لحيتي، وبدأت بالتنقل من مكان إلى آخر….

*        *        *

كان عدد من العلماء المسلمين تقدر بمئة شخصية قد نظموا وثيقة عهد على غاية من الأهمية وتصلح لأن تكون منطلقاً للعمل، وقلت للإخوة اتمنى من الجميع أن يتبنوا هذه الوثيقة كأساس للعمل الثوري باعتبارها تحمل توقيع رموزٍ من المشايخ المسلمين المعتمدين لدى جمهور من المواطنين المسلمين، إلا أنه لم يجر الموافقة على ذلك لأنه لا يوافق أحد على تبني مشاريع نظمها آخرون….
تناقشنا طويلاً حول صيغة الوثيقة التي نريدها، ووصلنا إلى حل هو اختصار المبادرات التي وردت عبر النت إلى مبادرة واحدة لا تتجاوز الصفحة والنصف كتابة، وتم ذلك فعلاً، وكتبنا مبادرة أودعناها لدى حبيب عيسى في أخر اجتماع، وذلك بحضور ميشيل كيلو وعارف دليلة وعبد العزيز الخير وآخرين، واتفقنا على توقيع هذه الوثيقة من خمسين إلى ستين شخصية سورية معروفة، ثم نضعها على صفحة النت لتوقيعها، ثم ندعو لاجتماع الموقعين وننتخب منهم لجنة لتنسيق العمل الثوري على الأرض.

بعد أن أودعنا الوثيقة السياسية التي كتبناها لدى حبيب عيسى، كنت من حين لآخر يسألني بعض الأشخاص ماذا تم في اجتماعكم يوم أمس مثلاً؟ فأنفي علمي بالاجتماع، وبعد فترة تبين لي أن هؤلاء الذين بدأت معهم في محاولة للعمل الجماعي هدفوا إلى إقصائي، وبعد شهرين تقريباً اتصل بي حبيب عيسى ليعلمني أن اجتماعاً عاماً سيعقد في المزة القديمة في دار طارق أبو الحسن، فاعتذرت عن الحضور بسبب ما حصل من اجتماعات دون علمي، ثم عقد حسن عبد العظيم مؤتمراً صحفياً حول ما سمي هيئة التنسيق وأعلن أنني واحدٌ منهم، مما دفعني لإصدار تصريح صحفي نفيت علاقتي بهيئة التنسيق، وهكذا سيطرت عقلية الفردية والإقصاء مع بداية العمل السياسي للثورة.

*        *        *

هيئة التنسيق التي ضمت التجمعات اليسارية والليبرالية في سورية، وأهمها:
حزب الاتحاد السرياني – حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي – حزب العمل الشيوعي السوري – الحزب الشيوعي السوري ، المكتب السياسي – حزب البعث الديمقراطي العربي الاشتراكي – تجمع اليسار الماركسي – حركة معا من أجل سوريا حرة ديمقراطية – الحزب اليساري الكردي في سوريا – حزب الاتحاد الديمقراطي – الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا – الحزب الديمقراطي الكردي السوري – حركة الاشتراكيين العربي.. وكذلك شخصيات مستقلة، إلا أنه من المفيد الإشارة هنا إلى أن جميع هذه الأحزاب هي أحزاب صغيرة وليست ذات وزن في المجتمع، إضافة إلى أن الاتحاد الاشتراكي برئاسة حسن عبد العظيم يمارس السياسة بطريقة أن يضع قدم لدى السلطة وقدم خارجها، ولا يستطيع هو ولا باقي الأحزاب أن يجاهروا بضرورة إسقاط النظام، واستبداله بنظام ديمقراطي حسب ما يطالب به الشعب السوري في ثورته.

*        *        *

ما إن خرج اللبواني من سورية حتى استطاع كما حدثني الحصول على جواز سفر دبلوماسي، ثم تعاون مع عقاب صقر سكرتير سعد الحريري، ولم أكن أتعرف على مكان تواجد اللبواني على اعتبار أننا عملنا معاً فترة في سورية، حتى أفقده، فكان يتنقل من بلد لآخر، ويدخل إلى سورية فيلتقي بالفصائل المقاتلة، وكان يقدم لها الدعم حسب قوله، والواقع أنه من خلال تحركه كان يتصور بأن لديه القدرة على تغير نظام الحكم، ثم ما لبثت أن سمعت خبر زيارته للكيان الصهيوني ولم يرشح عن هذا الكيان أخبار هذه الزيارة ولا الشخصيات التي تم لقاؤها، والواقع أن عددا من الأشخاص قد يكون تياراً لهدم الثورة زاروا كيان بني صهيون في فلسطين وهم فضلاً عن كمال اللبواني ناصر أبو المجد، منيف العبد الله، دارين العبد الله، رائد خالد العيسى، علي بدران، علي أمين سويد، محمود سليمان، محمد جهاد السمان، محمد أمين، حمود قطيش، نضال صبيح، أنس شبك، وحبيب الرحيم، ولا أدري ثمة أشخاصٌ أخرون قد ” شرفوا” بزيارة الكيان الدخيل على فلسطين.

*        *        *

كانت اللجنة القانونية في الائتلاف مشكلة على الشكل التالي:
المحامي هيثم المالح رئيساً. د. هشام مروة. ود. مروان حجو. وحسين السيد. وجمال الورد. ثم انضم في وقت متأخر ياسر فرحان أعضاء في اللجنة القانونية.
لم يكن غيري متفرغاً بشكل كامل لعمل اللجنة القانونية بينما الباقون يحضرون في اجتماعات الهيئة العامة، ويقدمون آراءهم أثناء الاجتماعات، وبالتالي لم يكن لدى الائتلاف هيئة قانونية من كبار رجالات القانون المتفرغين حتى تكون قاعدة صلبة لتصويب عمل الائتلاف، كما لم يكن الائتلاف يهتم بوجود اللجنة القانونية التي لم يوجه لها سؤالاً واحداً من قبل الائتلاف حول المواضيع القانونية المطروحة، وكانت الهيئة السياسية تتخذ سائر القرارات بما فيها القرارات ذات الطابع القانوني والحقوقي متجاوزة اللجنة القانونية.

*        *        *

كان التنسيق كاملاً بين وزير الخارجية الأمريكية جون كيري ووزير الخارجية الروسي سرغي لافروف، وبينما كانت قيادات ” المعارضة” تلتقي بهذين الوزيرين دون ان تشارك في اجتماعاتهما لبحث الملف السوري، ودون أن تدرك أن هناك تنسيقاً كاملاً بين القيادة الأمريكية والقيادة الروسية في السماح للتمدد الإيراني في سورية….
من الغريب أن بعض “المفكرين” من السوريين المحسوبين على الثورة السورية ومن غيرهم يعتقدون أن الغرب بما فيه الولايات المتحدة الأمريكية كان ضد نظام بشار الأسد ومع الثورة، ولم يكن هناك تآمر من قبل هؤلاء على الثورة السورية….
من المستغرب في الثورة السورية أن نرى من تسلم قيادة “المعارضة” لا زال يعتقد بإمكانية التدخل الغربي للضغط على النظام وإجباره على الرحيل، أو إنصاف الثورة السورية بصورة من الصور، وهم يقابلون مسؤولين في موسكو وواشنطن، فبينما الإدارة الأمريكية تساعد الأحزاب اليسارية الكردية “بي كي كي” و”بي واي دي”، المصنفة إرهابية فيما يسمى “قسد”، وتقدم لهم السلاح والدعم السياسي….
وقد صرح الرئيس الأمريكي ترامب لأكثر من مرة أنهم أمنوا حماية آبار النفط، ويعاون الأمريكيين الفرنسيون، فكيف يمكن لمن يؤمن بالثورة السورية أن يعتقد بأنها ستلقى دعماً من هذا الغرب المنافق  والذي كان وراء دعم الأنظمة العسكرية الانقلابية في منطقتنا وخاصة في سورية، وعلى الخصوص دعم عصابة الأسد من حافظ إلى ولده بشار، وترسيخه للطائفية في سورية؟

إغلاق