ذاكرة – مع هيثم المالح ومذكراته (٥) مقتطفات ١ من ٢

سطور من الجزء الأول

من كل بستان من عطاءاته زهرة

ــــــــــ

حلقة خامسة من خواطر الذاكرة.. من صياغة بعض ما تركه في النفس والفكر لقاء كاتب هذه السطور مع الأستاذ هيثم المالح لمدة ١٠ ساعات في بون يوم ١٤ / ٩ / ٢٠٢٠م.
لا أزعم أن الفقرات التالية تمثل أشد الفقرات إثارة أو أعمقها مغزى من بين مئات الصفحات الموزعة على جزئين من مذكرات شيخ الحقوقيين الأستاذ القاضي والمحامي والسياسي والمناضل، وكذلك الإنسان ورب العائلة والأب، هيثم المالح، كما تبين مذكراته التي آمل أن تجد طريقها إلى النشر قريبا. إنما تأتي هذه المقتطفات من باب دعوة رواد “مداد القلم” إلى تذوق مبكر لبعض ما فيها وهو ما يعبر عن عبارة (من كل بستان من عطاءاته زهرة) المرفقة بهذه الحلقات.

*        *        *

(٥) سطور من الجزء الأول

لأكثر من اثني عشر عاما، وبالتحديد قبل فترة سجني الأخيرة، التي امتدت من الرابع عشر من تشرين الأول عام ٢٠٠٩، حتى إطلاق سراحي في الثامن من آذار عام ٢٠١١، كان العديد من أصدقائي ورفاقي المقربين يطالبونني بكتابة مذكراتي، وأنا أتساءل: ماذا أكتب؟ ومن أنا لأكتب؟
فقد عشت حياة أقرب للبساطة منها لمخالطتي الشخصيات الكبيرة، أو المسؤولين هنا وهناك، وبعد زواجي الثاني عام ٢٠٠٧، من سكرتيرتي، التي عملت في المكتب لمدة ست سنوات، وكان لديها القدرة والإمكانية لتكتب بأناملها على الحاسوب “كمبيوتر” وجدت الوقت مناسبا لذلك، ما دفعني للبدء بالكتابة.

– – –

في خضم هذه الأعمال بدأت أُمْلي على زوجتي ما علق في ذهني من أحداث الطفولة، بحيث أكتب في كل يوم بعضا من أسطر أو صفحات، ثم أكتب عن الأحداث العامة والسياسية، التي مررت بها في حياتي، بدءا من تكون وعيي في الحياة العامة، ولعل ذلك يبدأ مع مرحلة الدراسة الثانوية، التي بدأت بعد خروج الفرنسيين من سورية، حيث درست في الثانوية الجديدة التي أطلق عليها ثانوية ابن خلدون، والتي افتتحت في إحدى الثكنات العسكرية ليس بعيدا عن ساحة الأمويين اليوم.
تابعت كتابتي، فكتبت في القسم الأول منها أشياء عن طفولتي، ومن خلال ذلك كتبت عن بعض تقاليد وعادات الدمشقيين في أعيادهم واحتفالاتهم، ثم تحدثت عن الاستعمار الفرنسي الذي أثقل كاهل شعبنا، وأنا ابن دمشق، وأعرف ما تعرضت له بلادنا

– – –

تحدثت عن حل النقابات، واعتقال النقابيين، والتصفيات الجماعية التي قام بها حافظ الأسد وأخوه رفعت، وعن أحداث حماة، التي استشهد فيها ٤٨٠٠٠ شخص من الرجال والنساء والأطفال، وعن تدمير ثلث المدينة، وعن إعدام أكثر من ١٥٠٠٠ في تدمر، وقد بلغ مجموع الضحايا في سورية سبعين ألفا، تواطأ المجتمع الدولي والعربي على طمس الجريمة، بل دعم حافظ الأسد بالمليارات من الدولارات، التي تدفقت عليه من دول الخليج، في الوقت الذي احتجز فيه حافظ الأسد في سجونه المختلفة خمسين ألف معتقل، ونصب المحاكم الميدانية العسكرية لمحاكمة المعتقلين خارج إطار القانون، وقد أوضحت ذلك في كتابي “سورية… شرعنة الجريمة” الذي طبعته قناة العربية، وترجم إلى الإنكليزية، ووزعت منه على مستوى العالم ألف نسخة.

– – –

مات معظم الذين عشت معهم أحلى أيام عمري، وحالت الغربة المريرة بيني وبين بلدي، وعندما يزورني أحد ممن أعرف، تهيج في قلبي وجوارحي الذكريات لأتذكر من تركتهم في ملاعب الصبا بحرقة وألم.

وفي النهاية فإن لزوجتي الثانية ورفيقة دربي فضلا كبيرا عليّ منذ اقتراني بها، لولاها ما كتبت هذه المذكرات، فقد تحملت معي المخاطر في عيشي، وكان لها الفضل الكبير في كتابة كل ما صدر عني من مقالاتي وكتبي وهذه المذكرات، فلها الشكر والامتنان والمحبة والفضل، ولها مني كل الأماني بالسعادة والهناء.

– – –

قدمت أوراقي للجامعة للتسجيل في كلية طب الأسنان، فلامني أحد رفاقي على ذلك وقال لي: ما هذه المهنة التي تريدها؟ أنصحك بكلية الحقوق فمجالاتها أوسع. فأخذت برأيه دون أن أفكر بشيء، إذ وجدت نفسي مقتنعا بما قاله، وهكذا وجدت نفسي في كلية الحقوق، ليكون ذلك بداية لفراق مؤقت بيني وبين الرياضة، إذ كنت خلال دراستي الجامعية أعمل إلى جانب دراستي، كي أكسب بعض المال الذي يعينني في إكمال دراستي، ومساعدة أسرتي في ذات الوقت.

– – –

كان لنا سهرة أسبوعية عند العالم الجليل الأديب علي الطنطاوي، تضم عددا من الأصدقاء منهم: سعيد الطنطاوي، وسعيد رمضان البوطي، ومحمد هواري، وهيثم الخياط، وتيسير عيتي، وبديع سلاخ، وأحيانا شقيقه عبد الغني الطنطاوي، والشيخ بهجت البيطار الذي كان يتردد على الأستاذ الطنطاوي من حين لآخر، وكنا نتداول في هذه الجلسة قراءة كتاب أو مناقشة أفكار دون حد معين أو موضوع معين، وكنت ألاحظ أن الشيخ علي يجمع من المعلومات الشيء الكثير، وكان يتمتع بذاكرة علمية قوية، واستمرت صداقتي وملازمتي له حتى بعد تخرجي من الجامعة.

مسجد جامعة دمشق
مسجد جامعة دمشق

يتوسط جامعة دمشق التي كانت تسمى الجامعة السورية مسجد للصلاة، تقام فيه – إضافة للصلوات اليومية – صلاة الجمعة والعيدين، ويدير المسجد مجموعة من الطلاب منهم هيثم الخياط، ومحمد الهواري، وسعيد مولوي، وسعيد طنطاوي، وكنت واحدا منهم، و في كل جمعة نكلف إحدى الشخصيات لإلقاء خطبة الجمعة، كما كان يصدر عن اللجنة محاضرة شهرية، تطبع على شكل كتيب صغير بحجم الجيب، و يجري تكليف الراغبين بالكتابة ليكتبوا في أي موضوع، وقد جمع المكتب الإسلامي لصاحبه الأخ زهير الشاويش هذه الرسائل بمجلدات بلغ عددها ثلاثة، طبعها على نفقته تخليدا لهذه المرحلة، وكان مسجد الجامعة قبلة المثقفين ومنارة الأحرار، حيث كانت الحدائق التي تحيط بالمسجد تغص بالمصلين، وقد تعاقب على منبر هذا المسجد كبار شخصيات العالم الإسلامي، منهم على سبيل المثال: علي الطنطاوي، ومصطفى السباعي، وأحمد مظهر العظمة، وعصام العطار، وأبو الحسن الندوي، ومحمد الغزالي وآخرون .

كانت الجامعة تقيم سنويا حفل تخرج للطلاب الذين يتخرجون وينهون دراستهم الجامعية، وفي أيام حكم أديب الشيشكلي جرت حفلة لخريجي كلية الحقوق، ونودي على اسم عبد الرحمن أتاسي ليتسلم شهادته، فوقف المذكور ورمى الشهادة وقال قولا عظيما، قال: (أنا أرفض استلام شهادة حقوق في بلد ليس فيها حقوق).
ساد الهرج والمرج، وألغيت الحفلة التي كانت أخر حفلة تقام بهذه المناسبة.
لا أدري إذا كان هذا الزميل لا زال على قيد الحياة أم لا، لأن موقفه هذا لم يكن مسبوقا ولا متبوعا، فلو أن الناس التزموا الدفاع عن الحق والحقيقة بمثل هذه الجرأة، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من ذل وهوان.

– – –

بتاريخ ٢٩ / ٥ / ١٩٦٦ أصدر رئيس الدولة نور الدين الأتاسي المرسوم التشريعي رقم ٤٠ الذي ينص على جواز صرف القضاة من الخدمة بقرار من مجلس الوزراء أو نقلهم إلى ملاك آخر، ويعتبر مرسوم الصرف من الخدمة غير قابل لأي طريق من طرق المراجعة القضائية، وهكذا ارتكبت السلطة في ذلك الوقت أكبر مجزرة في القضاء، حيث أصدرت المرسوم رقم ٦١٢ سندا لقرار مجلس الوزراء رقم ٢٣٨ تاريخ ٢٩ / ٥ / ١٩٦٦ بصرف أربعة وعشرين قاضيا من عملهم، وكان على رأسهم عبد القادر الأسود رئيس محكمة النقض ومحمد على الطنطاوي وعدنان مردم وآخرين، وكان اسمي هو الأخير في هذه القائمة، التي وجهت أكبر ضربة للقضاء، لبدء السيطرة عليه وإنهاء استقلاله.
صحافة النظام كتبت في ذلك الوقت عن هذا الموضوع، وكان من جملة ما قالته: إن المصروفين من الخدمة في القضاء لم يكونوا منسجمين أو موالين للنظام.

– – –

هيثم المالح في نقابة المحامين ١٩٧٥م
هيثم المالح في نقابة المحامين ١٩٧٥م

خلال عملي النقابي شكلت مع مجموعة من الزملاء المحامين كتلة نقابية أسميناها الكتلة المسلكية، بغرض المنافسة في الانتخابات وفي الإشراف على العمل النقابي، كما شكل آخرون كتلا أخرى تحت أسماء ومسميات مختلفة، وقد تميزت كتلتنا بأنها كانت تسعى لترسيخ سيادة القانون واستقلال القضاء واستقلال نقابة المحامين، ولذا سميناها الكتلة المسلكية، وقد بلغ عدد أعضائها أربعين عضوا، وحققت حضورا واضحا ومتميزا في العمل النقابي، وكان يحسب لها حساب أثناء الانتخابات، وقد اتصفت هذه الكتلة بالموضوعية والتجرد، وكنا نتحرى في الانتخابات أن نؤيد مرشحين يتمتعون بصفات مهنية عالية.

– – –

في صبيحة يوم ٣ / ٥ / ١٩٨٠ وبينما كنت أهم بفتح باب سيارتي للتوجه إلى مكتبي وأمام داري في المزة، تقدم مني شخصان مدنيان، وبعد أن استوثقا من شخصيتي، طلبا إلي أن يصطحباني بسيارتي إلى الشرطة، علما أن سيارتي مطلوبة من جهاز شرطة المرور، وقد ناقشتهم في هذا الموضوع، ولم أقبل أن أسير معهم، فانضم إليهما شخص ثالث، ثم طالبتهم بالتعريف عن شخصياتهم فقدموا لي تذاكر هوياتهم الخاصة بالأمن، فعجبت لأسلوبهم الملتوي، ثم اصطحبوني إلى فرع الأمن الداخلي التابع لإدارة المخابرات العامة، وهناك جرى نقاش بسيط بيني وبين المسؤول عن الفرع المقدم محمد ناصيف، الذي جادلته بعدم صحة الاعتقال دون أمر قضائي، وبينت له أنه لا أحد يملك ذلك بما فيهم رئيس الجمهورية، وقد بين لي أنه أرسل لي عدة أخبار لإشعاري أنني مطلوب للاعتقال، وهو لم يكن يريدني أن اعتقل، وقد كرر ذلك عدة مرات وبعدة أساليب، و قال لي بالحرف الواحد: إنه ينفذ الأوامر.

– – –

قضيت في السجن قرابة سبع سنين، وقضى غيري أكثر من ذلك، ولا يزال بعض الزملاء من كافة الاتجاهات والفعاليات يئنون تحت وطأة أغلال السجون، والله وحده يعلم متى ستنتهي معاناتهم.
إن المدة التي أمضيتها وأمضاها غيري في المعتقلات السياسية، إنما هي في حقيقتها عقوبة قررها الحاكم العرفي أو نائبه، ونفذها، فكانت عقوبة لجناية لم يرتكبها أحد.

– – –

وصلت الدار حوالي الساعة الثالثة من عصر يوم ٣٠ / ١١ / ١٩٨٦ دون أن يصل إلى أهلي أيّ خبرٍ عن الإفراج عنّي، فقرعت الباب، ففتحته ابنتي الوحيدة لينة، وما كادت عيناها تقع عليّ حتى بدأت بالصراخ والعويل والبكاء والضحك، أصوات ممزوجة مشوشة ولم تعد تقوى على الوقوف، فكانت صدمة فرحة اللقاء عنيفة مؤثرة، وما إن وصلت إلى غرفة الجلوس حيث كانت زوجتي مذهولة من الأصوات خارج الغرفة وحين شاهدتني أغمي عليها، وأوشكت أن تصاب بصدمة، عانيت بعض الشيء معها حتى استطاعت تماسك نفسها، فلم تكن تصدق عينيها، هل أنا بين ظهرانيهم أم هو الخيال؟!! وكذلك كان وضع ولدي نبراس الذي لم تصدق عيناه ما رأى؟!

– – –

ثقل المرض على حافظ الأسد وأعلنت وفاته بتاريخ ١٠ حزيران ٢٠٠٠.
مات الدكتاتور، كما قال الزميل الصديق رياض الترك، وانتقل الحكم إلى مشروع ديكتاتوري صغير هو الولد بشار الأسد.

إغلاق