ذاكرة – مع هيثم المالح ومذكراته (٣) السياسة التركية وسورية

نظرة سياسية موضوعية نحو تركيا

من كل بستان من عطاءاته زهرة

ــــــــــ

حلقة ثالثة من خواطر الذاكرة.. من صياغة بعض ما تركه في النفس والفكر لقاء كاتب هذه السطور مع الأستاذ هيثم المالح لمدة ١٠ ساعات في بون يوم ١٤ / ٩ / ٢٠٢٠م.  

(٣) السياسة التركية.. وسورية

ورد في ختام الحلقة السابقة التنويه إلى عنوان هذه الحلقة، التي تقف عند بعض ما يتعلق بالسياسة التركية تجاه قضية سورية، رغم ندرة ما صدر من مواقف وأطروحات بهذا الصدد عن الأستاذ هيثم المالح، وتعمدت أن يكون النشر في مداد القلم بعد نشر رؤية تحليلية بعنوان “العلاقات الدولية المعقدة” والتي تتناول نموذجا هو ما وصلت إليه في عام ٢٠٢٠م السياسة التركية في عهد حزب العدالة والتنمية، وبعض ما يرتبط بربيع الثورات الشعبية العربية، هذا لبيان أن الطرح السياسي والديبلوماسي يرتبط بعوامل عديدة، وقد يكون من الضروري بقاؤه محدودا أحيانا، رغم التمنيات المشروعة بتحقيق هدف ما، هذا مع أن السياسة التركية أصبحت في مقدمة ما يتناوله السوريون بالذات بأسلوب الأخذ والرد، وهو ما يشمل كثيرا من المعارضين للسياسة التركية من حيث الأساس، وكثير منهم يعبرون عن ذلك من حيث هم مقيمون.. في تركيا نفسها، بينما أصبح من المستحيل في عصرنا الحاضر أن ننظر إلى سياسة أي جهة من الجهات بمعيار الرفض المطلق أو التأييد المطلق، وأصبح من الضروري في قضايانا بالذات أن يتعايش الرأي المؤيد مع المعارض، وأن يتجاور القبول بجانب مع الرفض لجانب آخر مما يصدر من سياسات وممارسات من قوى محلية وإقليمية ودولية.

الجدير بالذكر أن الأستاذ المالح يتحدث إيجابيا على وجه التعميم عن العهد العثماني، رغم ما تعرض له قبل سقوطه، مما يعتبره بعضنا افتراءات ونتيجة لمؤامرات فعلت فعلها، ويعتبره بعضنا الآخر انحرافات، إنما بغض النظر عن هذا وذاك يتخذ الأستاذ هيثم مواقفه بميزان ما تمليه مصلحة الثورة التي يعمل لها، ومن ذلك موقفه الداعي إلى اتخاذ القاهرة وليس إسطنبول مقرا رسميا للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وكان له ذلك بالفعل كبند من بنود نظام الائتلاف، وهو ملزم قانونيا، ولم يلتزم الائتلاف به واقعيا، فبقيت غالبية أنشطة الائتلاف وتحركاته تنطلق من تركيا وليس من مصر، حتى أصبح وجود المقر الرسمي في القاهرة شكليا.
ووجهة نظر المالح بالغة الأهمية سياسيا وقانونيا، فالوجود الرسمي للائتلاف في القاهرة، يعني وجوده في المكان المشروع الذي ينبغي أن يكون له لتمثيل الدولة من خلال تمثيل الإرادة الشعبية السورية، وذلك عبر “كرسي سورية” كدولة عضو في جامعة الدول العربية، وهذا ما أقرت به الجامعة لصالح الائتلاف كما هو معروف، كما أن سياستها في عهد الأمين العام نبيل العربي كانت مختلفة عما أصبحت عليه لاحقا.

قد يلتقي المرء أو يختلف مع ما يراه الأستاذ المالح بهذا الصدد سياسيا وقانونيا، ولكن في الحالتين نعلم أن تعامل الجامعة مع الثورة تأثر كثيرا بمسار التحرك المضاد للثورات الشعبية، ولا سيما عبر تأثير مصر على صناعة القرار السياسي في الجامعة وبعض الدول الأعضاء فيها، مما ظهر بصورة عنيفة في السنوات التالية. بالمقابل بقيت تركيا على استعداد لاستقبال معظم المشردين عن وطنهم السوري، وكذلك لاحتضان جميع من يتحدث باسم الثورة في سورية سواء من يؤيدون هذا الجانب أو ذاك من السياسات التركية أو من يعترضون.

من هذه الزاوية يمكن القول إن المكان الأنسب للمقر الرسمي لعمل أي هيئة تمثل “الثورة” – بغض النظر عن انتقاد قصورها أو التماس الأعذار لها – هو المكان الذي يتيح أكبر قدر ممكن من العمل ضد الاستبداد، ولا يقتصر الاستبداد على هياكله المحلية بل يشمل شبكات علاقاته الإقليمية والدولية.

ولكن لا يفسد الاختلاف مع المالح للودّ قضية كما يقال، فلم يمنعه عدم الأخذ برأيه في الائتلاف من العمل بأقصى ما يستطيع من قلب القاهرة ومن قلب إسطنبول وكذلك من قلب العواصم الأوروبية والدولية، التي شهدت رحلاته المتوالية، لمتابعة نشاطه السابق قبل مغادرة سورية، بحلقات تالية من حركته الدائبة وحواراته مع المسؤولين من مختلف الأجهزة الرسمية الدولية الحقوقية والسياسية والإنسانية، وتسليمهم تقاريره الحقوقية والسياسية باسم الثورة وشعبها وممثليها، وجميع ذلك بعد عام ٢٠١١م، أي بعد أن بلغ الثمانين من عمره.
ويؤكد الأستاذ هيثم المالح أهمية ما صنعته تركيا لشعب سورية على أكثر من صعيد، إنما لا يتعرض بالتفصيل إلى السياسات التركية عموما وهو يطالب بما يراه واجبا عليها تجاه سورية وشعبها وثورتها، ومثال ذلك ما ورد في لقاء تلفازي يوم ٢٤ / ١٢ / ٢٠١٩م عبر برنامج (سورية الآن) في القناة التاسعة:

وكذلك قوله في أواخر مذكراته (تحت الإعداد للنشر):
(لعبت دول الخليج من حيث تدري أو لا تدري على تشتيت الفصائل لأنها باشرت الاتصال بالفصائل مباشرة لشراء الولاء وتقديم الدعم بعيداً عن القيادة السياسية، وفي تركيا عجز الائتلاف عن إيجاد غرفة مشتركة للتنسيق بين الحكومة التركية وبين القيادة السياسية للثورة، كما لم تعمد تركيا لتوحيد الفصائل المسلحة مع أنه كان بإمكانها فعل ذلك).

نبيل شبيب

إغلاق