ذاكرة

ذاكرة – مع هيثم المالح ومذكراته (٢) السياسي… القاضي والمحامي

كيف مارس السياسة من منطلق حقوقي

ــــــــــ

حلقة أخرى من خواطر الذاكرة.. من صياغة بعض ما تركه في النفس والفكر لقاء كاتب هذه السطور مع الأستاذ هيثم المالح لمدة ١٠ ساعات في بون يوم ١٤ / ٩ / ٢٠٢٠م.

(٢) السياسي.. القاضي والمحامي

ورد في ختام الحلقة السابقة أن في مقدمة العبر والدروس التي نأخذها من سير العظماء قديما وحديثا – أنّ كلاّ منهم تميّز بعطائه في ميدان أو أكثر من الميادين التي يتقنها، فامتطى جناح التفوق فيها.. ويسري هذا على الأستاذ هيثم المالح، الذي يصفه القريب والبعيد بأنه “شيخ الحقوقيين” في سورية، ونعلم أن إنجازاته لم تقتصر على هذا الميدان الحقوقي، فكما يعلم القاصي والداني كان الميدان السياسي أيضا من ميادين حركته الدائبة منذ اندلاع الثورة الشعبية في سورية على الأقل، ويعرف كثيرون أن هذا يسري عليه عندما كان داخل سورية أيضا، أي قبل خروجه من بلده في أيار / مايو عام ٢٠١١م.

وقد يقول قائل إن إبداعه الأكبر كان في الجانب الحقوقي، وهذا صحيح، ويشهد عليه كتابه المنشور باللغتين العربية والإنجليزية تحت عنوان “شرعنة الجريمة“.

هيثم المالح خطيبا وغلاف شرعنة الجريمة
هيثم المالح خطيبا وغلاف شرعنة الجريمة

ولكن يوجد الكثير أيضا مما يشهد على إبداعه السياسي، وهو معلوم لمن عرفه مباشرة أو من له القدرة على تحليل المواقف عبر متابعة إطلالات المالح إعلاميا، كما كان في “مراجعات” عبر قناة الحوار، و”شاهد على العصر” و”بلا حدود” عبر  قناة الجزيرة، و”إضاءات” عبر قناة العربية، ومداخلاته في كثير من البرامج الإخبارية والحوارية تعليقا على الأحداث في سورية تخصيصا، وكنت أحد المتابعين له منذ أعوام عديدة، ومما استوقفني في مطلع الثورة في سورية ما صدر عنه تحت عنوان “هذا بيان للناس”، وقد جاء في ختامه:

((ولهذا فإنني أطالب:
1- الشعب بضرورة التحرك للدفاع عن مصالحه وحقوقه، والتصدي للانحراف والفساد.
2- السلطة بالتنحي عن الحكم، والتمهيد لانتقال السلطة سلمياً إلى سلطة تمثل الشعب تمثيلا حقيقياً.
“وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”))

وكنت أتساءل كيف أطلق هيثم المالح هذه الكلمات – ناهيك عما سبقها وهو أشدّ منها وضوحا وصياغة – وذلك قبل أن يغادر سورية، فتاريخ البيان هو يوم ٦ / ٣ / ٢٠١١م، وكانت مغادرته لسورية بعد أكثر من شهرين، ولكن فوجئت خلال الحديث مع الأستاذ الكبير يوم ١٤ / ٩ / ٢٠٢٠م، بأن هذا البيان بصياغته وإعلانه كان قبل الإفراج عنه بيومين.. (وكان قد لبث في المرة الثانية في السجن من شهر تشرين أول / أكتوبر ٢٠٠٩م  حتى ٨ / ٣ / ٢٠١١م) فكأن ابن الثمانين عاما آنذاك كان يقول للسلطة بهذا البيان: سأتابع الطريق بعد الإفراج عني من السجن أيضا.

وقد صدق في هذا الموقف كما تشهد كلمة له بعد أسابيع معدودة (١٦ / ٤ / ٢٠١١م) وفي ختامها:
((أيها المواطنون.. إن كل هذه المطالب هي من حقوقكم ولا يجوز التفريط بها، وإن تحرك الشعب صفاً واحداً تتشابك فيه الأيدي من كل مكوناته وأديانه وعقائده وإثنياته هو المخرج الوحيد من أزمتنا. إنني أهيب بإخوتي المواطنين جميعاً بان يلتفوا حول شعاراتنا الموحدة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ورفض أي محاولة لشق صفوفنا بذرائع طائفية وإثنية وسوى ذلك لأن هذا ما يريده النظام ويؤدي لإضعافنا)).

هذه المواقف كانت حلقة من حلقات عمل سياسي بدأ مبكرا، حتى من قبل التحرك النقابي المعارض، بمشاركة القضاة والمحامين، ضد المظاهر والممارسات الاستبدادية الأولى التي صنعها استلام حزب البعث للسلطة في سورية عبر انقلاب  ٨ / ٣ / ١٩٦٣م، ولا يمكن أن نفصل عن تلك الحلقات أنشطة المالح عبر تأسيس أولى منظمات حقوق الإنسان الفاعلة داخل سورية، ووضع النواة الأولى لما يعرف بالمجتمع المدني، وكذلك عبر إنشاء شبكة علاقات عامة محلية وعالمية واسعة النطاق مع أصحاب التأثير من القطاع السياسي والدبلوماسي، في السنوات التالية، وهذا مما أعطاه وزنا خاصا به، ظهر للعيان بقوة، بعد أن أصبح “أحد” الذين يتحركون لتمثيل ثورة شعب سورية إقليميا وعالميا.

لعل من الإشكاليات في نهجه السياسي أنه يطالب بلهجة القاضي، ويقرر بموازنات الحقوقي، ويتحرك بقيم إنسانية وإسلامية، طلّقها كثير ممن يتحركون سياسيا في عالمنا المعاصر. ولعل من إشكاليات العمل معه، وهو السياسي القاضي والمحامي، والتي أدت إلى خروجه لاحقا من “المجلس الوطني” وكذلك استقالته من “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ” ما يندرج تحت عنوان:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم – – – بهنّ فلول من قراع الكتائب
إذ كان لا يهادن في الحق كما يراه، ولا يقبل أنصاف الحلول وهي في واقعها أقرب إلى سد الأبواب أمام تلبية المطالب المشروعة، ويضاف إلى ذلك أنه كان من قبل الثورة حادّا في مطالبه، يستعلي بذلك على الاستبداد الإجرامي الذي يقارعه مباشرة داخل سورية، فلا تلين له معه قناة، وهذا مع مستوى من الحدة الضرورية للتعبير عن اعتزازه بنفسه وشعبه ووطنه، وقد بقي شيء من ذلك أثناء مزاولته العمل السياسي من منطلق الحق والعدالة كما يعرفهما في تخصصه القانوني، فأعطى وأبدع، وحق فيه القول:
ليس له عيب سوى أنّه – – – لا تقع العين على شبهه

ومن أراد المزيد فعليه بالمذكرات بعد أن تجد طريقها إلى الطباعة بإذن الله، أما هذه الحلقات فسيكون عنوان الحلقة الثالثة منها (السياسة التركيّة وسورية) إن شاء الله.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى