ذاكرة – إسطنبول الصغرى وإسطنبول

الأتراك والسوريون في المهاجر

مجرد تحويل الوجود السوري في تركيا إلى “مشكلة” يسبب خطرا كبيرا

ــــــــــ

كنت قبل سنوات عديدة في إسطنبول، وشعرت أنني في بلدي من جديد، فأنا أعيش في ألمانيا منذ عقود، ولكن لا أجد حيث أسكن في مدينة بون مثل تلك الأجواء والمشاهد التي وجدتها – ولا تزال توجد حتى الآن – في إسطنبول، فهناك لا يسمع الزائر سوى اللغة التركية، وأحيانا نادرة الألمانية، ولا يقرأ لافتة باسم متجر من المتاجر بالألمانية بل بالتركية غالبا، وهذا ما يسري على المطاعم والمقاهي، وعلى البائعين والشارين والعابرين من عموم الناس في الشوارع العديدة التي تذكرك بأسواق (البازار) في تركيا.

قبل أن يلتبس الأمر على القارئ الكريم، أشير إلى أنني أتحدث في هذه السطور عما يُعرف بإسطنبول الصغرى في ألمانيا، وعلى وجه التحديد القسم الأكبر من حيّ كرويتسبيرج (Kreuzberg) في العاصمة الألمانية برلين، فهو ما يلقب بإسطنبول الصغرى منذ عقود، إذ تسكن فيه الغالبية من أصل مئات الألوف من ذوي الأصل التركي في برلين، وشبيه ذلك في الحي المجاور “كولن الجديدة” (Neukölln) وفي أحياء أخرى في مدن ألمانية أخرى مثل كولونيا وهانوفر.

صحيح أنه توجد قلّة ممن يتحدثون عن هذه الظاهرة سلبا، ولكن الألمان من تلك القلة يغفلون عن حقيقة أن عدد المهاجرين الألمان، المستوطنين في آسيا وفي أمريكا الشمالية، أكبر من عدد المقيمين في بلدهم الأصلي ألمانيا، وأن وسائل الإعلام الألمانية تتابع بفخر واعتزاز أنهم حملوا معهم ثقافتهم وعاداتهم وعلاقاتهم الاجتماعية إلى البلدان المضيفة، وهذا شأن “المهاجرين.. المستوطنين” من الأتراك في بلدان المهجر المضيفة.

والسؤال هنا: أليس هذا هو الواقع الحالي أيضا لمظاهر الوجود السوري (والعربي عموما) الظاهر للعيان في بعض المدن الجنوبية في تركيا، وفي بعض أحياء اسطنبول، وقد أصبحت تلك المدن مقصد كثير من المشردين والمنفيين عن بلادهم العربية والإسلامية؟

لقد اشتدت ظاهرة التطرف اليميني في ألمانيا في التسعينات من القرن الميلادي العشرين، وانطوت على كثير من الشائعات الكاذبة لتجييش الرأي العام، وبدأت الجهات المسؤولة تكشف آنذاك بالأرقام عن وجود مئات الألوف من الشركات برؤوس أموال تركية والتي كان لها نصيبها في تخفيف نسبة البطالة عموما، وتكشف كذلك عن أن الأجانب العاملين في ألمانيا، لا سيما المسلمين منهم، وهم من تنامت ظاهرة العنف ضدهم في تلك الفترة، يسدّدون قدرا من رسوم الضمانات الاجتماعية أكبر بما يعادل المليارات من القسط الذي يمثل ما “يستفيدون” منه من الدعم الاجتماعي، أي أنهم يساهمون إيجابيا في تمويل شبكة تلك الضمانات لغيرهم، وشبيه ذلك ما ينبّه له المسؤولون في تركيا في مواجهة الشائعات المناقضة للواقع.

وعودة إلى السؤال المطروح آنفا على خلفية ما ثار أو أثير من مشكلات على هامش المعارك الانتخابية البلدية ومن ذلك في إسطنبول، ينبغي تأكيد ضرورة أن يتعامل “ضيوف” تركيا مع تركيا باعتبارها بلدهم الثاني حقا، أي أنهم يحرصون على المصلحة التركية، وعلى طيب علاقاتهم مع “أهلهم” في تركيا دون تمييز بين فريق وفريق، بل ينبغي التعامل حتى من لا يرى ذلك – لأي سبب – بأسلوب حكيم، فمجرد تحويل الوجود السوري في تركيا إلى “مشكلة نزاع وخلاف” يسبب خطرا كبيرا.

وأؤكد أنني في زياراتي لتركيا منذ خمسين عاما وأكثر، وفي الأعوام القليلة الماضية لأكثر من خمسين مرة، لم أشعر يوما أنني لست في بلدي وبين أهلي، وذاك فارق كبير بين نوعية وجود السوريين وغيرهم من العرب والمسلمين في تركيا، في هذه الحقبة الحاسمة في صناعة المستقبل، وبين وجودهم في أي بلد أجنبي (حضاريا) يجعل من استقبال كل ذي أصل أجنبي مشكلة، وهي بلدان لا تستقبل المشردين واللاجئين إلا بالقطّارة، ولا تستجيب إلا في حدود الضرورة القصوى لدعوات الدعم المالي الصادرة عن منظمات دولية تعمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانية الإنسان في عصر شرعة الغاب.

نبيل شبيب

إغلاق