ذاكرة

ذاكرة – أين تقع دبي؟

مدينة تخنقها التبعية اللغوية

ــــــــــ

لولا من لقيت من الأحباب والأصحاب في دُبي لظننت نفسي لم أغادر ألمانيا، فمن حيث الأبنية والشوارع وتنظيم السير وما شابه ذلك، ولا غبار على ذلك، ولكن كان يوجد تشابه “كريه” في ميادين أخرى تتعلق بصناعة الأحاسيس والأذواق والقيم والأفكار. هنا يبدو التقليد تقليدا أعمى، لا يزيل على الإطلاق وجود فارق شاسع كبير وخطير، فالذين يخططون للمدن في ألمانيا لا يغفلون عن هويتها الذاتية المتميزة، ولا عن روحها الألمانية عبر التاريخ، بأبنيتها وهندسة شوارعها، وبالأسماء المختارة لمرافقها ومتاجرها، وبالنصب التي تذكر بمن يُنسب إليهم وجود شعبها على مدى التاريخ.
دعاني أحد من عرفتهم في الفندق إلى مطعم الفندق، فرأيت فيه طاولات الطعام، والمفارش، والصور على الجدران، والزخارف، جميع ذلك ممّا كاد يوهمني أنني أدخل إلى مطعم غربي، وحتى الأطعمة صُنعت بأساليب طهو غربية. وقد يزعم بعضهم أن هذا من أجل “جذب السياح” وليس مجهولا أن دبي لا تحتاج إلى أن يكون في ميزانيتها دخل من “السياحة”، أو من أجل رجال الأعمال الغربيين، ولكن ما أجهل من يحسب أن الغربي يأتي إلى بلد عربي إسلامي ويرغب في أن يأكل الأطعمة الغربية، ويرى الصور الغربية، ويعيش في الأجواء الغربية، وإنما يقصد الغربيون بلادنا وهو يطيرون شوقا إلى رؤية كل ما هو عربي تقليدي وإسلامي أصيل. وعلى افتراض صحة ما يزعم الزاعمون بهذا الصدد، فما الذي يزعمونه تفسيرا لما وجدته عند الخروج من الفندق إلى شوارع المدينة “العربية” فلم أجد سوى التسميات الانجليزية للمحلات التجارية، مع كتابة تلك الأسماء بحروف عربية، بصورة سمجة مزعجة ورديئة منفّرة!
وإن قيل إن هذا لمراعاة وجود من لا يفهم العربية في دبي، أفلا يمكن اختيار أسماء عربية وإضافة الكتابة بالحروف اللاتينية إليها من أجل أولئك من ذوي الأصول غير العربية؟
ثم علام لا تصنع البلدان التي تحترم نفسها مثل ألمانيا مثل صنيع المسؤول عن هذا “التغريب اللغوي” في دبي؟
لقد أصبح عشرات الألوف وربما مئات الألوف من “المرضى” من دول الخليج يقصدون المدن الألمانية للعلاج، وينفقون الملايين وعشرات الملايين سنويا، وبدأت المتاجر تهتم بهم، ولكن لا أعرف أحدا استغنى عن الاسم الألماني لمتجر أو صيدلية أو مستشفى أو سوى ذلك أيضا، مما يقصده بعض أولئك المرضى ولا علاقة له بعلاج ولا نقاهة طبية، وإن أضاف أحيانا عبارة عربية لجلب الزبائن.

أحمد الله أنني ألقى من أهل دبي في ألمانيا حيث أقيم، ولقيت منهم خلال إقامتي القصيرة في هذا الجزء من وطني الإسلامي، من هم على ما ينبغي أن يكون عليه العربي المسلم، من حرص على أصالته في كل ميدان وعلى كل صعيد، وإنّني لا أشكو في هذا السطور إلا من مثل ما يشكون منه هم أيضا بحرقة وإخلاص، نشكو جميعا تلك التبعية اللغوية الذليلة، التي لا تفسير لها سوى صدورها عن عقدة نقص تجاه كل ما هو أجنبي، وعن شخصية ضعيفة وروح انهزامية.

إن تشريع القوانين مسؤول عن صياغة أسماء المحلات التجارية وسواها، وما هي هنا إلا مثال فلا يجهل أحد ما يجري كمثال آخر عبر شاشات التلفاز بأساليب مشابهة وبغوغائية أكبر، فأي تبعية لغوية تلك التبعية التي تجعل مدينة عربية تتحول إلى مدينة ضائعة تائهة مشوّهة، فلا هي عربية، ولا هي أمريكية – كما يراد لها أن تكون على ما يبدو – ولا لسان الذين تاهوا في تلك التبعية عربي قويم، ولا هو أعجمي سليم، فكأنهم يريدونها مثل المعلقة، فلا يهم يسرحونها بإحسان ولا هم يمسكونها بمعروف!

أي غزو ذلك الغزو اللغوي للعقول وقد أصبح من أخطر البوابات المفتوحة على مصراعيها أمام مختلف أشكال الغزو الأخرى، في مختلف ميادين المعرفة والثقافة والفكر والفنون والآداب والأذواق والتربية والتوجيه والإعلام، ثم بعد ذلك نتساءل باستغراب: علام نخفق في مواجهة الغزوات السياسية والعسكرية؟

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى