ذاكرة – أخي وهيب

توفي رحمه الله يوم ٢٩ / ٧ / ٢٠١١م

هو ثالث من قضى نحبه من أفراد أسرتي، أثناء غربتي، وما زالت “شجرة العائلة” ممزّقة الجذور والأغصان، تحت التراب وفوق التراب

ــــــــــ

لقيته في القاهرة لبضعة أيام قبيل انطلاقة ثورة مصر بفترة وجيزة، وكان لقاؤنا بعد سنوات من فراق يفرضه الاغتراب، فكم من قريب حبيب وُلد أثناء اغترابي ولقيته لأول مرة بعد أن بلغ سن الشباب، وكم من قريب حبيب عرفته في سن الشباب قبل اغترابي ثم لم تلمحه عيناي إلا بعد أن ملأ بياض المشيب صدغيه، وكم من قريب حبيب لم يعد يمكنني أن ألقاه في هذه الحياة الدنيا فقد فارق الحياة أثناء اغترابي عن أهلي ووطني.
لم يكن باستطاعتي زيارة الأهل والوطن في سورية منذ عام ١٩٧٩م، ولا أعرف لنفسي “ذنبا” سوى هذا القلم، وقد أبى علي وعلى أهلي وأحبتي في وطني أن يكف عن الكتابة بمداد الحرية!

اقتصر اللقاء مع الأهل الأقربين على زيارات بعضهم لي في ألمانيا، والتقينا لمرات في عمان مع الحنين لنسمات الشام، ثم طرأت موانع حالت دوني ودونهم لسنوات عديدة، لا سيما أخي الأكبر وهيب، فقد حال مرضه دون الإكثار من السفر، وكان لقاؤنا في مصر استثناء، ثم تكرر الاستثناء مرة أخرى، عندما سافر إلى دبي حيث يعمل ولداه، وتعرض لمضاعفات مرضية، فبقي فترة أطول للعلاج، فحرصت على السفر إليه لألقاه مرة أخرى وقد اشتد به المرض، وكان لقاؤنا بعد أن اشتعلت شرارة الثورة في سورية بأيام.. سألني:

– متى نلتقي مرة أخرى؟ مشيرا إلى صعوبة سفره إلى ألمانيا، فقلت:
– في الشام بإذن الله..
وأدرك ما أقصد فتساءل مشككا فيما كان يرجوه هو نفسه ويحدثني به مرارا وتكرارا:
– ومتى تقدر أنك ستأتينا في دمشق؟
قلت:
– أبشر، قبل نهاية العام!
سكت لحظة وابتسم ابتسامة طالما عرفت أنها تواري عبرات تتجمع في عينيه، ثم قال:
– وهل تحسب أنني سأتمكن من انتظارك حتى نهاية العام؟

لم يستطع الانتظار -رحمه الله- فقد وافته المنية ظهر يوم الأربعاء، ٢٨ شعبان ١٤٣٢هـ و٢٩ تموز/ يوليو ٢٠١١م، ولا أدري كيف كانت اللحظات الأخيرة قبل وفاته، فمنذ شهور أتجنب الحديث على الهاتف مع الأهل والأحبة، وإن فعلت أتجنب الأسئلة والتفاصيل، وسبق أن “تدربت” على ذلك سنوات وسنوات، فالكلمة البريئة عبر الهاتف يمكن أن تفقد براءتها في أذن تتنصت، إذا كان عقل صاحبها متحجرا، ولا أستطيع تصور إنسان يمارس مهنة التنصت على البشر إلا إذا كان عقله متحجرا.

قيل لي إن “عضلة القلب” ضعفت ضعفا شديدا في الليلة الفائتة، فلم يعد ينفع معها علاج رغم سرعة اللجوء إلى المستشفى والأطباء، فتوفي بعد ساعات، ولم أستفسر عن التفاصيل، ولكن لم أتمكن من دفع الظنون عن نفسي، فقد كنت أتابع في اليوم نفسه، ما شهده حي ركن الدين في قلب دمشق، هناك في ذلك الحي الحبيب قضيت مع الأحباب من أفراد أسرتي، ومع الأحباب في مدرسة ابن العميد، آخر شارع ابن العميد، الذي حمل اسم “الشارع التحتاني” زمنا طويلا.. قضيت آخر سنوات وجودي في سورية قبل المغادرة إلى ألمانيا بقصد الدراسة عام ١٩٦٥م، وأعلم أن أخي الأكبر كان يسكن هناك مع زوجه، وحدهما، بعد زواج ولديه وابنته، وأعلم من متابعتي اليومية لأحداث وطني، أن الثورة عمّت في حي ركن الدين، ككثير سواه من الأحياء الدمشقية، فتعرض الحي وأهله للانتقام، أو لحملة قمعية “وقائية” قبل حلول شهر رمضان -كما صُنع في أحياء وبلدات ومدن أخرى- فشمل الاعتقال المئات، وشملت الحملة اقتحام البيوت الآمنة في الحي.

أعلم من هو أخي الذي بلغ ٧٢ عاما من العمر، وأعرف مدى حرصه على زوجه، كما أعلم ما يصنع به المرض في قلبه، فلم تعد يفارقني مشهد أتخيله مرغما.. ولا أستطيع الحديث عنه، ولا الكتابة، ولا أحسب أنني سأعرف حقيقة الأمر في هذه الأيام، ولكن من يدري، قد ينفسح المجال ليحدثني الأهل عن حقيقة ما كان يوم وفاته، دون خشية “رقيب يتنصت”، إذا ما وقفت معهم ذات يوم، حول القبر الذي وارى جثمانه في دمشق، في الشام.

غادرت دمشق وكانت أسرتي تضمّ تسعة أفراد، وكان وهيب -رحمه الله- الأكبر بين ثلاث بنات وأربعة أولاد، وبعد أقل من ثلاث سنوات من إقامتي في ألمانيا قضى أبي نحبه، ولم أتمكن من السفر إلى بلدي، لأشارك في حمل نعشه، فقد كنت طالبا لا أملك القدرة على تأمين نفقات السفر بسهولة.
وقبل سنوات معدودات مرت كأنها أيام، توفيت أمي، كانت وفاتها عام ١٩٩٨م، ولم يكن باستطاعتي زيارتها قبيل وفاتها، ولا السفر لأشارك في حمل نعشها، ليس بسبب ضيق ذات اليد، إنما لأن الحاكم في سورية لا يحتمل أن تطأ أرضَ الوطن قدمُ مواطن يعلن بملء فمه وبما يسيل من قلمه أنه “لا يحبه!” ليس بسبب طوله وعرضه، ولكن بسبب تسلطه وما مارس من الظلم بحق الأهل والوطن في طول البلاد وعرضها.

وأخي وهيب -رحمه الله- هو ثالث من قضى نحبه من أفراد أسرتي، أثناء غربتي الطويلة، وقد أصبح لكل من إخوتي وأخواتي أسرة، وفي كل أسرة شباب وشابات، تزوجوا وأصبح لهم أولاد وبنات، كما تزوجتُ وأنجبت وتزوج بعض أولادي وأنجبوا الأحفاد والحفيدات.. وما زالت “شجرة العائلة” ممزقة الجذور والأغصان، تحت التراب وفوق التراب، وقد تبدلت الدنيا غير الدنيا، وتساقطت الحواجز والعقبات عبر أحدث وسائل الاتصال والمواصلات.. ولم يسقط بعد حاجز الاستبداد الفاسد العتيق المهترئ!

اسمح لي يا أخي الحبيب.. رحمك الله وغفر لك وأسكنك فسيح جنانه وألهم زوجك الكريمة وولديك وابنتك، وإخوتك وأخواتك، وجميع محبيك وأصحابك، الصبر والسلوان.. اسمح لي بعد كلمات يذرفها المداد مع العبرات، أن أتوجه ببضع كلمات إلى ذلك الجيل الذي وُلد شبابه وفتياته بعد أن وُلدنا وكبرنا، وشب على عشق الحرية التي عشقناها وافتقدناها حتى هرمنا، ورضع من لبن الكرامة في ثرى أرضنا وتاريخ شعبنا وأمتنا، فبدأ يروي تراب الأرض بدمائه ليستعيد الكرامة والحرية لوطنه ولأهله ولأبنائه وأحفاده..
يا أيها الأحباب في كل مدينة وقرية في سورية..
يا أيها الأحباب في سفوح قاسيون في دمشق..
يا أيها الأحباب في بيوت ركن الدين ومساجدها..
إننا -نحن المغتربين المشردين وجميع أهلنا ممن فارقوا الحياة، ومن لا يزالون ينتظروننا داخل وطننا- ندين لكم بشعلة الأمل التي أوقدتموها من جديد بثورتكم الأبية البطولية، ونتطلع إلى أفئدتكم النابضة بالحياة والعزيمة، وإلى سواعدكم ترفعون بها راية العزة والنصر، وإلى أقدامكم تمضون بها إلى العلياء والمجد، وننحني بعيون دامعة إجلالا وإكبارا للشهداء في صفوفكم، وللخنساوات من الثكالى والأرامل في بيوتكم، وللحناجر المدوية بأهازيج التحدي للطاغوت في الأحياء والساحات من مدنكم وقراكم..
يا أيها الأحرار الأبرار الثوار..
استردوا سورية من قبضة هذا النظام المتحجر المتخلف..
حرروا الأهلَ ممن سباهم جيلا بعد جيل..
طهروا هذا الوطن ممن توارثوه مغتصبا عن مغتصب..
أعيدوا نور المجد للتاريخ بعد اسودادٍ حالك، وازرعوا الأمل في مستقبل أولادكم وأحفادكم..
يا أيها الأحرار الأبرار الثوار..

لقد بلغ بنا الشوق مداه لرؤيتكم من كثب، على تراب أرض تحررت من رجس الاستبداد وفساده، ولعناقكم على درب الكرامة والعدالة بعد عربدة البغي وجرائمه..
لقد كسرتم الأغلال والأصفاد وحطمتم جدران السجن الكبير.. فبوركتم وبوركت الأسر الكريمة التي نشأتم فيها، واعلموا أن نصركم قريب.. قريب بإذن الله، فمن كان على مثل ما أنتم عليه من الإيمان والعمل والوعي والصبر، لا بد أن ينجزه الله وعده بالنصر.. وإنه النصر الذي لا يهنأ قبل تحقيقه الأحياءُ من أهلكم داخل سورية وخارجها، ولا يقر من دونه قرار لمن واراهم تراب سورية.

اللهم نصرك الذي وعدت.. اللهم نصرك الذي وعدت.. اللهم نصرك الذي وعدت
اللهم لك الحمد حتى ترضى، اللهم لك الحمد حتى ترضى، اللهم لك الحمد حتى ترضى
ولله ما أخذ وما أعطى، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وإلى الله ترجع الأمور.
والعاقبة للمتقين.

نبيل شبيب

إغلاق