خواطر – من مفكرة ثورة سورية ١٧ / ٤ / ٢٠١١م

حتمية جلاء المستبد الدموي من وحي يوم جلاء المستعمر الدموي

الثورة شعبية جامعة وجرائم القمع إجرامية دموية ومراوغة بقايا النظام غبية وعبثية

ــــــــــ

كشفت حقبة الثورات العربية عن وجود سلسلة مما شاعت تسميته بلفظة “كليشيهات”، والمقصود فكرة مصبوبة في قالب تفكير عقيم، تتردد حتى تصبح وكأنها من البدهيات وليست أكثر من “خرافات”، ولكن لا تجد ما ينبغي من البحث والتمحيص ليبطل مفعولها، إلى أن يظهر جيل ثوري يكشفها على حقيقتها وهذا ما صنعه شباب الثورات العربية، ومن تلك المقولات مثلا:
١- لا تقوم ثورة دون تنظيم نخبوي مسبق.. وربيع الثورات الشعبية العربية شاهد على بطلان ذلك.
٢- لكل بلد خصوصياته.. ربّما، ولكن أقوى منها ما يعنيه وجود الاستبداد المشترك مقابل عنصر الإرادة الشعبية لصناعة التاريخ.
٣- المشكلة في الحاشية وليس في رأس النظام.. وهذه أكذوبة سخيفة وأثبتت الثورات أن سقوط رأس النظام هو مجرد المدخل لحقبة تالية ليسقط الأطراف أيضا.
٤- أنظمة الاستبداد متفاوتة في الدهاء.. والأصح أنها متفاوتة في الغباء.
ويمكن تعداد المزيد.. لولا خشية الإطالة.

من بداية ثورة شعب سورية، أصبح انتصارها واقعا قائما عبر كسر حاجز الخوف، ويوجد من يسمي المرحلة الأولى مرحلة “حرب الإرادات” أو “صراع الإرادات” أو “مرحلة كسر العظم”، والواقع أنّ إرادة الشعب لا تحارب إرادة النظام الاستبدادي، بل تدحر عدوانه عليها، وذاك ما يبدأ بالثورة، وينتهي بانتصارها عبر تحقيق التغيير الكبير.
والشعب  لا يريد “كسر عظام” البشر في نظام استبدادي بل “كسر عظام” استبداده، بينما الإجرام الاستبدادي مضى أشواطا في العمل على “كسر العظام” بمعنى الكلمة البشع. وصيغة القمع هذه عبثية وإجرامية معا، فكل خطوة في هذا الاتجاه تعطي وقودا إضافيا، وحتى لو تراجعت الثورة فسيكون ذلك مع اهتراء بقايا النظام.

لقد انتشرت فعاليات الثورة سريعا في اللاذقية على الساحل، ودوما في ريف دمشق، وحمص وسط سورية، بالإضافة إلى درعا في الجنوب، وفي تلك اللحظة كان يفترض أن يدرك ما يوصف بالنظام – لولا معادلة تفاوت الغباء بين المستبدين – أن عليه تلبية المطالب المشروعة، لا تكرار محاولة إصلاح ترقيعي مخادع، فوصلت فعاليات الثورة إلى مزيد من المدن مثل بانياس، وخرجت النساء في موكب تحدي القتل والقاتل والاعتقال والسجان، وسقط مع استشهاد من استشهد منهنّ مزيد من أقنعة المراوغة، وظهر التخبط:

– بطرح عنوان “الفتنة الطائفية”، وما عرفت سورية يوما استعداء فئات الشعب على بعضها البعض، أديانا وطوائف وقوميات وأحزابا، إلا في عهد ذلك النظام الاستبدادي..
– ثم عناوين “الأصابع الأجنبية” و”العصابات المسلحة” و”المؤامرة الخارجية”. ولو أن أيّ جهة أجنبية تستطيع فعلا تحريك شعب سورية من أقصاه إلى أقصاه، بهذه القوة وبهذه السرعة، فهذا دليل على عجز النظام عن حماية الشعب والبلد، فليرحل مع أجهزته القمعية وغبائه السياسي.
وإذا بنا نشهد السقوط الإعلامي المطلق مقابل إبداع “إعلام الثورة الوليد” في الاعتماد على أبسط الوسائل المتوافرة بين أيدي شباب الثورة.

لقد بدأ تساقط النظام بتساقط قدرته على التصرف:
– قبيل اندلاع الثورة قال بشار الأسد: من الواقعية القول إن الإصلاح يحتاج إلى الانتظار حتى الجيل القادم.
– بعد اندلاع الثورة قال بشار الأسد: نحن نسير في طريق الإصلاح منذ 2005م وسنسرع ولكن لن نتسرّع.
– بعد العجز عن قمع الثورة قال بشار الأسد عشية يوم الجلاء: سيتم إقرار قانون إلغاء حالة الطوارئ خلال أسبوع أو في الحد الأقصى في الأسبوع القادم.
– ومن الأسئلة التي بدأ أزلام النظام طرحها: علام لا تهدأ الثورة بانتظار تحقيق ما يعد النظام به؟

يجب أن يدرك جميع من يواكب ثورة شعب سورية أن فترة الانتظار انتهت مع اللحظة الأولى لانطلاقة الثورة.. أي:
– بعد 48 سنة من انقلاب حزب البعث وبداية حكم الطوارئ..
– وبعد 41 سنة من انقلاب الأسد على رفاقه وبداية حكم الاستبداد القمعي المطلق..
– وبعد 11 سنة من وراثة الحكم الاستبدادي القمعي ووعود متكررة بالانفراج ولو جزئيا.
ثم من المستحيل الانتقال من الاستبداد الدموي عبر إصلاح (كاذب) لتقوم في أحضانه دولة الحقوق والقضاء والدستور والوحدة الوطنية. إن الإجرام لا يلد في رحم الاستبداد إلا إجراما.

ولو كانت الكلمات صادقة لوجب أن تكون أولى الخطوات الجادة هي تشكيل هيئة وطنية جامعة مشتركة، تضم (١) من يمثل بقايا النظام و(٢) من يمثل القوى الوطنية الحقيقية داخل الوطن و(٣) من يمثل القوى الوطنية خارج الحدود، لتنطلق من البداية على طريق البحث والتقرير، وتثبيت جدول تنفيذي زمني، اعتمادا على كبار الشخصيات المعتبرة التي أصبحت رموزا معروفة لشعب سورية الثائر والمعروفة عالميا أيضا.

إن مراوغة الاستبداد مع البدء بإراقة الدماء لا يمكن أن تشغل عن مواصلة العمل من أجل الهدف الثوري الأول والحاسم: إسقاط النظام لتعود سورية إلى ما هي جديرة به، بلدا حضاريا حرا، على أرض وطن سوري مشترك بين جميع أهل الوطن، عربي الانتماء، إسلامي الهوية، حضاري المسار، جامعا لمختلف أطيافه وفئاته وطوائفه والاتجاهات السياسية وغير السياسية فيه، على أسس عادلة قويمة مشتركة، ينطلق التعامل فيما بينها أولا وأخيرا من منطلق المصلحة العليا المشتركة.

نبيل شبيب

إغلاق