خواطر – مع شهر رمضان

بين الماضي والحاضر والمستقبل

سينبلج فجر الحق كما كان دوما بعد كل ليل هيمن الظلمُ في جنحه على البشرية حينا من الزمن.. قصيرا في عمر التاريخ

ــــــــــ

(هذه خواطر نشر بعضها في تموز / يوليو ١٩٨٢م في مجلة الرائد، وبعضها الآخر في تشرين أول / أكتوبر في مداد القلم، ويتجدد نشر ما جمعته من ذكريات وآمال مع حلول رمضان مع إضافات محدودة)

لا تنقطع سلسلة المشاهد المفجعة من أنحاء بلادنا وعالمنا على حساب الإنسان، فتثير التساؤلات في نفس المؤمن وهو يستقبل شهر رمضان ليعيش فيه لحظات تسمو به إلى آفاق منيرة مغايرة لتلك الظلمات المأساوية، ويتردد في سمعه ما تردده القلوب ويظهر على الألسنة أحيانا من تساؤلات القلق إن لم يكن اليأس والقنوط، وهي تكرر السؤال المحوري الدائم: إلى متى يحل علينا رمضان بعد رمضان، ونحن لا نكاد نحصي عدد ضحايانا، تارة في البلقان وأخرى في القوقاز، تارة في فلسطين وأخرى في أفغانستان، تارة في الجزائر وأخرى في العراق، تارة في هذا البلد وأخرى في ذاك على امتداد جغرافية المعمورة؟
إلى متى ونحن -كما تقول بعض التساؤلات- نعيش في الحضيض وتزعم أحلامنا وأوهامنا وبعض خطبنا ومقالاتنا أننا نحلق في الأجواء؟
ولكن هل يصح القول إن أحوالنا لا تتبدل إلا من سيئ إلى أسوأ فعلا؟
أليس في هذه النظرة انحراف عن تقويم موضوعي يقارن بين واقع المسلمين بين جيل وجيل، ليظهر اتجاه التغيير كما ينبغي؟
إن المقاييس الزمنية في حياة الأمم، لا تنطبق على مقاييس الفرد الزمنية في حياته اليومية. وإن الفارق الحقيقي بين عصر الانتصارات والهزائم يقاس بما يسود في أعماق النفوس ويعمر الصدور.
لقد كانت بداية انتصارات بدر والفتح، بانتصار بلال على معذبيه، وسمية على قاتليها، وكافة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، على مغريات الدنيا ومرهِبات الباطل.
وكانت بداية انتصار قُطز في عين جالوت يوم صادَرَ بنفسه قصوره وأملاكه ثم قصور أفراد حاشيته وأملاكهم، قبل أن يستنفر شعب مصر المسلم للجهاد.
وكانت بداية انتصار المعتصم في عمورية أيام غُرست في نفسه -وهو صبي تلميذ بين يدي علماء مخلصين- بذرة النخوة الإسلامية التي أصبحت مضرب المثل على عيون التاريخ.

إننا في حاجة لمثل تلك الانتصارات النفسية الكبرى في الأعماق، حتى نحقق الانتصار على أرض الواقع، في حاجة إلى أفراد كبلال وسمية، وحمزة وعمر، وحكّام كقطز والمعتصم، وفي حاجة إلى علماء صادقين في وراثتهم مهمة التربية لصناعة الإنسان، فأمثال هؤلاء هم الذين صنعوا المعتصم في بغداد وقطز في الشام، وأمثال هؤلاء أيضا -وعلى رأسهم العز بن عبد السلام- هم الذين تولوا في إطار “نظام حكم قطز” -الذي بقي عاما واحدا في مصر تحولت خلاله من حضيض الفساد والفرقة إلى قمة من قمم الجهاد- تولوا مهمة “التعبئة الجماهيرية” الشاملة للمعركة المصيرية في حياة المسلمين وحياة البشرية آنذاك: عين جالوت.

فلنوجد في صفوفنا أمثال أولئك الأفراد وأولئك القادة وأولئك العلماء، من القادرين على استيعاب عصرهم ووسائله وتوظيف القليل من الإمكانات لصناعة الكبير والجليل من الأهداف، وآنذاك نكون أهلا للمعركة المصيرية المفروضة علينا في عالمنا وعصرنا، ونكون أهلا للإجابة إذا رفعنا أيدينا بالدعاء في شهر الدعاء، سائلين الله المغفرة والنصر.

. . .

يقرأ كاتب السطور التالية (٢٠٠٢م) الكلمات السابقة وجلها مما نُشر ١٩٨٢م، ويعترف بأنه لم يكن يحلم يومذاك بما يعايشه هذه الأيام، ويثير في النفس الإحساس بمزيد من اليقين والاطمئنان المطلق إلى قدرة الله تعالى أن يحقق في حياة المسلمين وواقع البشرية التغيير، من حيث لا يحتسبه أحد من الذين نذروا أنفسهم جندا في الحرب على الإنسان ورقيّ الإنسان وحقّه في الحياة العزيزة الكريمة.

لم يكن يحلم مثلا بأن ينتشر بعض البرامج في بعض الفضائيات وعبر شبكة العنكبوت مما اجتهد القائمون عليه في العمل لبناء الإنسان من جديد، وقبل أقل من عمر جيل واحد كانت وسائل الإعلام جميعا تتبارى في رمضان وغير رمضان وتتسابق لتحويل الإنسان الفرد في بلادنا، إلى “لا شيء”، إلى عنصر من عناصر صناعة الهزيمة في المجتمع داخليا وعلى الحدود، في القضايا اليومية وفي القضايا المصيرية.
وما يزال كثير من وسائل الإعلام تلك متشبثا بهذه المهمة الانتحارية حضاريا ولكن في الوقت نفسه تعددت الأمثلة على ما بدأ يظهر على أفق التغيير المرجو نحو مستقبل كريم عزيز، وحولنا ما يكفي من النماذج لشباب مسلم وفتيات مسلمات، ممّن يسيرون في ذلك الطريق العتيد رغم أشد الظروف والضغوط من حولهم.

من يقارن أحوالنا في رمضان ١٤٠٢هـ -عندما كُتبت السطور الأولى أعلاه- وفي رمضان ١٤٢٢هـ يدرك أن حصيلة العقود الماضية تتمثل في الوقت الحاضر بالذات في ولادة جيل جديد، نشأ في “محاضن العلمانية” الأصولية، وأقبل على الإسلام، وإن كان لا يزال يعاني ممن يتشبثون بما سيطروا عليه من مصانع توجيهها وتثبيتها في مجتمعاتنا.

. . .

تتكرر المقارنة مع حلول رمضان ١٤٤١هـ ونشر هذه الكلمات، ونحن نستقبل الشهر الكريم بأمل أعظم، قائم لدينا -بعد الإيمان بالله والثقة بوعده- على رؤية موضوعية محضة تؤكد أن التحول في بلادنا وعالمنا وعصرنا قد بدأ، رغم الآلام المفجعة للقلوب على ما لا يزال مستمرا من عداء فاجر للتغيير وصناعة إنسان الخير والبناء والرقي والحضارة.

نستقبل رمضان بيقين أرسخ أن التغيير المرجو في حياة الإنسان وواقع البشرية قد بذر بذوره، ولن تحجب رؤية حصاده المقبل سحب الهمجية التي تُطل من جديد بأبشع صورها، على أيدي من يسيرون على طريق الهلاك التي سبقهم في سلوكها النمرود وفرعون وهرقل وكسرى، فضاعوا وضاعت امبراطورياتهم، وانبلج فجر الحق باستمرار من بعد كل ليل هيمن الظلمُ في جنحه على البشرية حينا من الزمن.. قصيرا في عمر التاريخ!

نبيل شبيب

إغلاق