قضية فلسطينمتابعات وحوارات

خواطر – ما بعد صفقة القرن

قد تنتحر الأنظمة ولكن لن تقتل جيل المستقبل

ــــــــــ

هذه كلمات لا تقف عند التفاصيل ولا داعي لذلك، بل تستهدف العودة بأفكارنا وعواطفنا، والعودة باستشراف طريق العمل لمستقبلنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا، إلى حيث ينبغي أن نكون، بعد أن بدأ ينتشر نوع من الذهول إزاء التساقط – لا السقوط فقط – في منحدر العار تحت عنوان “التطبيع” وهو تطبيع ما يستحيل تطبيعه باتصالات وعلاقات وصفقات وخيانات، بمعزل عن الكثرة الكاثرة من الشعوب.

هذا وهم كبير من كِبْر أهله، كما لو كان في الإمكان تغيير الباطل بتسميته حقا أو طبيعيا، أو كان لأحد من المطبّعين حق شرعي بأي مقياس سماوي أو أرضي، ليصنع ما يصنع، وليبيع أو يشتري، وهو لا يمثل شعبا ولا أمة تمثيلا شرعيا، لا في البلد الذي يتسلط عليه، ولا في المقدسات التي تنتسب الأمة إليها بقدر ما تعمل للحفاظ عليها.

لا ينبغي أن تُلفت أنظارنا عن جوهر الواجب في قضية الاستبداد والفساد وما يصنع والاستعمار والاغتصاب وما يصنع، وهذا ما نتعرض له عند الاستغراق في الجدل أو في الغضب بصدد تفاصيل تبجّح هذا الفرد أو ذاك من فريق قطع الوشائج بينه وبين جنس الإنسان وقدسية الأرض وطهارة التاريخ وصناعة المستقبل، سيان أين يقيم من قصور انتشرت بين مغرب بلادنا ومشرقها، فهو لا يملك في الأصل حق التصرف حتى بملكية ذلك القصر المغتصب من ثروات الشعوب، المالكة الأصلية لثروات بلادنا جميعا.

يجب أن يعلم هؤلاء المطبّعون المبطلون، وسائر من يتجرأ مثلهم على عقد صفقات خبيثة حول الإنسان والأوطان وحول التاريخ والمستقبل، كذلك يجب أن نخرج جميعنا من غفلة الذهول من هول ما يصنعونه بأسلوب “الصدمة بعد الصدمة”، كي نعلم أيضا بكل وضوح:  

١- إن جولات المسارات التاريخية لا تقاس بأعمار أفراد مهما كان شأنهم، بل تقاس بما تترك الأجيال من آثار، أما الأفراد فلهم ما يكسبون أو يخسرون في الحياة الدنيا، ثم يلقون جميعا نهاياتهم بالخلود في النعيم أو الجحيم.

٢- إنّ عبّاد الأصنام والأوثان ومن تصدوا بكل وسيلة عدوانية ضد رسالة التوحيد وتحرير الإنسان، صنعوا ما صنعوه من المخازي والنواقص، وجميع ذلك لم يمنع نشر الرسالة وبناء صرح حضارة إنسانية جديدة، وكان الفارق الزمني بين هذا وذاك هو الفارق بين جيل أبي جهل وأبي لهب وأقرانهما، وجيل عكرمة وخالد وعمرو وسعد من الصحابة الكرام ثم من التابعين.

٣- كذلك كان في عهد تاريخي قريب من اعتبر نسج العلاقات “طبيعية” مع صانعي سايكس بيكو في المشرق العربي بعد كل ما صنعوه من عدوان واستعمار استيطاني في المغرب العربي وفي وادي النيل، وقد ظهر من قبل ومن بعد جيل آخر يصنع حروب المقاومة والاستقلال ضد الاحتلال العسكري الأجنبي حتى رحل.

٤- كذلك فإن جميع المخازي والنواقص التي تصنعها أنظمة التسليم والتطبيع والاستبداد والفساد، وقد بلغت بها درجة متدنية من الذل والتخلف.. جميع ذلك لا يمحو مآثر السابقين ممن حافظوا على الحقوق، وكذلك لن يمنع من ظهور جيل جديد يستعيد الحقوق المغتصبة على كل صعيد جغرافي وتاريخي وإنساني وحضاري.

ويجب أن نعلم أيضا:
إن الغضب لا يصنع التغيير عبر اجتثاث جذور الاستبداد والفساد، ولا يعيد الحقوق من سيطرة الغاصبين لها عبر قهر الأرض والعباد. وإن اليأس لا يكشف الحجب عن الطرق والوسائل التي نحتاج إليها ويحتاج جيل التحرير إليها ليحدد معالم طريقه للارتفاع إلى مستوى القضايا المصيرية مجددا، للارتفاع من وهدة الأوهام إلى علياء العلم والفهم والوعي والتخطيط، عبر التأهّل الفردي الذاتي والعمل الجماعي المشترك، لتحرير النفوس والقلوب والعقول، وتحرير الإنسان والأوطان، وكذلك لتحرير الإمكانات الكبرى التي نملكها من الهدر بمختلف أشكاله، ولتنميتها والإبداع في إيجاد ما لا يزال ينقص منها لتحقيق الأهداف الجليلة القادمة بعون الله، وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى