قضية سوريةمتابعات وحواراتمفضلة المداد

خواطر – ما الذي يشغل السوريين عن أنفسهم وعن سورية

بين الاهتمامات والقواسم المشتركة

ــــــــــ

كلما تجددت رغبة القلم في الكتابة حول قضية سورية، يتسابق إلى عيني صاحبه ما نشرته أقلام أخرى، في بعض مراكز البحوث والدراسات، وفي وسائل إعلام تقليدية وافتراضية، احترافية وناشئة، فضلا عما يسمّى وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تأكل الأخضر واليابس من عقولنا، صغارا وكبارا.
وقبيل كتابة هذه الخواطر كان من محاور “قضية سورية!” الأكثر تداولا:
تعويم المجرم – الانتخابات الهزلية – ما بعد الانتخابات الأمريكية – الاتصالات الأمريكية التركية – والأمريكية الروسية – والروسية التركية – الانتخابات الإيرانية – سلسلة ما كان وما سيأتي تحت عنوان الفيتو الروسي – التساؤل عن موقف أوروبي جديد – مؤتمرات صغيرة وكبيرة حول سورية بغياب السوريين – عضو آخر استقال من الائتلاف العتيد أو طُرد منه – الخلاف على لجنة دستورية أو ما بقي منها – من سيشكل لنا وفدنا القادم لمفاوضات ما – في أي مسار ستُستأنف المفاوضات، جنيف أم آستانه أم عنوان آخر وفق خليط دولي جديد – ثم منشورات فيسبوكية مكتوبة ومصورة، متشابهة المضامين رغم تعدد من يكتبها من أصحاب أسماء مجهولة ومستعارة أو معروفة ومشهورة…
القائمة طويلة جدا، ويجمع المحتويات محور الاهتمام بكل شيء من خارج نطاقنا يؤثر بأوضاعنا، ويكفي هذا لملء عدة مجلدات؛ ولكن قليلا ما يشغلنا ما نصنعه نحن أو لا نصنعه، وما يمكن أو يجب أن نصنعه وكيف.

ليس الهدف من هذا التعداد ومن الملاحظات التالية الانتقاص من شأن أقلامنا وعقولنا وما تعطي، لا سيما وأن في قسط كبير من المذكور آنفا تحليلات وأبحاثا مفيدة وتقارير حافلة بمعلومات متجددة، ولكن هو التنويه المهذب قدر الإمكان إلى أننا ما نزال في معظم ما نعطيه بمختلف وسائل التعبير:
١- نركز على ما يفعل سوانا بقضيتنا ونبني عليه.  
٢- وقد نشخص بعض أدوائنا وقصورنا تشخيصا متعدد الأوجه، دون البحث عن علاج إلا نادرا.
٣- نزعم الثورة لتحرير الإرادة الشعبية ونزعم – يا للغرابة – استحالة التحرر دون استبدال استعباد باستعباد.
٤- ولو أننا بذلنا معشار الطاقة المبذولة في تأجيج خلافاتنا العتيقة والجديدة فربما نعثر على سبيل الخروج بأنفسنا وقضيتنا من نفق “التبعية” لقوى أجنبية بدعوى “الواقعية”.

أيها السوريون!
ألا نساهم بأقلامنا وعقولنا في حملات التيئيس من أي عمل ممكن؟
هل بقي إلا أن نعلن شهادة وفاة لأنفسنا وقضيتنا ومستقبل أهلنا في بلادنا وفي الشتات؟
أما آن الأوان للبحث عن طريق الحياة عبر التلاقي والتفكير والعمل الجاد مهما اختلفنا مع بعضنا بدلا من الاختلاف حول أين يكون مواتنا وتحت أي مظلة أجنبية او تركيبة أجنبية ندفن؟
بتعبير آخر: السوريون الصادقون في رغبة التغيير مشغولون عن أنفسهم وعن سورية في زوايا يقبع كل فريق منهم في إحداها بانتظار “حل أجنبي”.. ولكن إلى متى الانتظار؟
١- لقد عايشت الثورة الشعبية سياسات الرؤساء الأمريكيين، أوباما وترامب وبايدن، وما تبدل جوهر السياسة الأمريكية نحو قضيتنا تبدلا جوهريا، فهل ننتظر انتخابات أمريكية تالية ونخنق آمالنا خنقا في تصورات كاريكاتورية عن احتمالات التغيير لديهم كي نعيش نحن “أحرارا” في أقفاص التبعية لهم؟  
٢- عايشت الثورة استمرار رعونة الاحتلال والعدوان من جانب سلطات شمولية لا تتبدل شموليتها من وراء الواجهات الشكلية في روسيا وإيران، وسبق الاختلاف على طرق التعامل معها، فهل وصل بعضنا إلى مرحلة “الخنوع لنعيش” أو الاختلاف فقط حول “طرق التعايش” مع مزيد من رعونة الاحتلال والعدوان؟  
٣- قد تتفاوت نظراتنا التقويمية إلى سياسات تركيا وبعض الدول العربية، فهل يفيد اختلافنا هذا أو يضرنا بقليل أو كثير، ما لم ننتزع زمام المبادرة وفق ما يقتضيه تحقيق أهداف الثورة الشعبية التغييرية في سورية، أي ننتزع زمام المبادرة من مفعول الوهم القاتل بأن سوانا سيصنع لسورية والسوريين شيئا ما من تلقاء نفسه ووفق مصالحه، كلا.. بل ننتزع زمام المبادرة بقدر ما نعمل لتطوير أنفسنا وتوثيق علاقاتنا ببعضنا، وتوحيد الخط العام لأقلامنا وألسنتنا، كي يتوقع سوانا من “وجودنا” ازدياد وزن معايير جديدة لقابلية التأثير على مصالحه، الآن ومستقبلا؟

أما آن الأوان أن نقول معا: لا، وأن نقول معا: نعم، وأن نقول معا: سنتشاور ثم نعطي جوابنا معا؟

أما آن الأوان أن نؤجل اختلافاتنا حول “تصورات السلطة وممارستها إلى مستقبل يسمح بالتنافس على التأييد الشعبي، ولن يكون قبل أن نستعيد وطنا ما يزال الآن وراء قضبان الاستبداد والاحتلال والتبعية الأجنبية؟

أما آن الأوان أن ندرك أن التخلص من إجرام المجرمين عبر السلطة وداعميها يستحيل أن يتحقق دون تلاقي السوري الثوري مع “السوري الثوري الآخر”، على الأهداف الكبرى لا التفصيلية، والمحاور التغييرية لا الفرعية، وقواعد التعامل اليومي الصالحة للظروف الحالية على طريق التغيير، إلى أن نصبح “موجودين”، فقضيتنا أصبحت قضية وجود، قضية أصل وجودنا.

وسؤال أخير أيها السوريون:
علام تنتشر منذ فترة مبادرات سورية “عديدة” متشابهة، ولا يتلاقى من يطرحونها على رؤية مشتركة تنبثق عن القواسم المشتركة العديدة التي تحتويها تلك المبادرات، وهي متفرقة ولكن يمكن جمعها، مع “فسحة محدودة” للحوار حول صياغة رؤى مستقبلية وأهداف مرحلية بخطوطها العريضة، ثم تثبيت خطوط حمراء لإنهاء تمزقنا بسبب تبعيات عديدة، بات التحرر منها جميعا، واجبا مفروضا، كالتحرر من الاستبداد والاحتلال، سواء بسواء.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى