آفاق الضادذاكرة

ذاكرة – جريمة اغتيال اللغة

أمركةُ أدمغةِ صناع المستقبل وقلوبهم وألسنتهم

ــــــــــ

في حياة المغترب ما يكفي لتبرير زعمه أنه يرى في هذا الموضوع ما لا يراه المقيم ويرى خطورتة بصورة مماثلة، إذ يرى ما يتعرّض له أطفال كثير من المدارس في عدد من دول الخليج ودول عربية أخرى، ويجسد له معالم جريمة كبرى، ليس في حق ارتباط أهل البلاد بماضيهم وحضارتهم وثقافتهم وهويتهم ناهيك عن دينهم وعروبتهم فحسب، بل في حق مستقبل البلد ومستقبل الجيل الذي يحمل أمانة بناء المستقبل أيضا. وإذ يعيش كاتب هذه السطور في الغربة، فليسمح القارئ الكريم أولا بحديثٍ موجز عن درسين اثنين من بين دروس كثيرة في فترة الغربة على امتداد عدة عقود، قبل الخوض في موضوع يطلق المغترب عليه وصف “الجريمة” بمعنى الكلمة.

الدرس الأول من حياة الجيل الأول من الوافدين من البلدان العربية إلى هذه البلاد الغربية، وقد أتاها في الخمسينات والستينات في القرن الميلادي العشرين، في حقبة كانت فيها حملات العلمانية الأصولية والتغريب الثقافي والفكري جارية على قدم وساق في البلدان العربية، جنبا إلى جنب مع بلوغ حركة القومية العربية أوجها، مما أوجد تناقضا كبيرا أوصل مع مرور الزمن إلى انفصام تدريجي بين الشعارات النارية والواقع التطبيقي، فأدرك بعضنا معنى ما كان يُصنع وخطورته، بعد فوات الأوان، أي بعد سلسلة من التجارب التي مزّقت العرب بدلا من أن توحدهم، وأضعفتهم بدلا من تعزيز قوتهم، وقد دارت رحى المعركة، في بلد بعد بلد، لا سيما في فلسطين وسورية ولبنان والعراق ومصر والشمال العربي الإفريقي، وكان المغتربون يتابعون ما يجري في بلادهم، وكان بعضهم يخوضون جولات مصغرة في مغترباتهم، وما إن استقر بكثير منهم المقام لأسباب مختلفة، وأصبح لهم أسر يرعونها، وأطفال ينشؤون بين أيديهم، حتى أدركوا ما يعنيه الارتباط باللغة العربية للحفاظ على الهوية الذاتية من الذوبان، ولاكتساب القدرة على التعامل مع الحضارة الغربية تعاملا قويما قائما على الأخذ والعطاء بين طرفين مختلفين، وليس على التلقي والانصياع من جانب طرف واحد، وإننا لنرصد الآن وقد أصبح لأولادنا أسر وأولاد، أن من حافظ على لغته وهويته آنذاك، استطاع أن يساهم في نجاة أولاده من الضياع، وعلى وجه الدقة من الانسياق في أوضاع يشكو أهل الغرب منها، ولا يرون سبيلا لنجاة أبنائهم وبناتهم من أمراضها الاجتماعية الوخيمة.
إن ألم المغترب مضاعف أضعافا كثيرة عندما يرى حملة “تذويب” هوية أبنائنا وبناتنا و”أمركة” ألسنتهم وصدورهم، وهم في سن الطفولة والنشأة الأولى، وهي تتجدد في بعض بلداننا الأخرى بصورة أعمق تأثيرا وأشد خطرا من كل ما سبقها، كما هو الحال مع الإمارات، ودول خليجية أخرى.

الدرس الثاني من حياة الجيل الأول من أهل البلاد الأصليين في ألمانيا وأمثالها من البلدان الأوروبية، وقد كانت ألمانيا في الخمسينات من القرن الميلادي العشرين مدمّرة، مجزّأة، مستعمرة، مصانعها مفككة، وأدمغتها مهجرة، وليس لنقدها قيمة، وليس فيها ثروة طبيعية، وجميع مدنها أكوام من الأحجار، حتى أن الدولة الوليدة بعد الحرب لم تجد عاصمة لنفسها سوى “بلدة بون” التي كانت في حجم “قرية” صغيرة، نجت من دمار الحرب. وتحولت ألمانيا هذه خلال جيلين إلى دولة كبرى من جديد، لا يُستغنى عنها في المحافل الدولية وإن لم تكن لها عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي، ولا يستهان بقدرتها الصناعية والمالية والتجارية، ولا بمشاركتها العسكرية عالميا، ولكن النهوض من تحت الأنقاض إلى قمة التقدم التقني والعلمي والصناعي، كان باللغة الألمانية الوطنية وليس باغتيالها، وبجعلها لغة العلم والتقنية والتقدم والأدب والفن والإعلام والتدريس من الحضانة إلى الجامعات وليس بسجنها وخنقها، ولم يكن النهوض يحتاج إلى الأخذ بلغة الدولة الاستعمارية في ألمانيا وكانت آنذاك الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركة فرنسية وبريطانية وروسية، فلم تتحول المحاضرات في الجامعات إلى لغة أجنبية، ولم توضع المناهج وفق إملاءات خبراء أمريكيين، ولم تتحول اللغة الألمانية إلى لغة “أجنبية” داخل ألمانيا واللغة الأمريكية إلى لغة التدريس، تدريس الأطفال، كما يجري الآن في الإمارات وسواها، إلى جانب تغريب حياة رجال المال والأعمال، وتغريب الدعايات التجارية، وتغريب أسماء المتاجر، وتغريب الفضائيات، وتغريب اللعب الحاسوبية وغيرها.
إن ما يجري من تغريب لغوي في بلادنا بدرجات متفاوتة، لا يمكن تسويغه بحال من الأحوال بأن النهوض يتطلبه، وأن سطوة الزعامة الحضارية الأمريكية الحالية تفرضه، وأن الطفل الذي لا تصبح الإنجليزية الأمريكية هي لغته الأم لا مستقبل له.

وإن ما يجري لا يجري اعتباطا، فمن يجعل من شروط التوظيف أن يتقن طالب العمل الإنجليزية وإن لم يتقن العربية، لا تصدر أوامره جهلا بما يعنيه ذلك من تأثير وتوجيه.
ومن يجعل دروس الدين واللغة العربية مقتصرة على بضع ساعات أسبوعية، وسائر الدروس الأخرى بالإنجليزية، لا يصنع ذلك عن غير قصد.
وإن ما يجري منذ سنين في الدول الخليجية لا سيما في الإمارات من توظيف الخبراء الصهيوأمريكيين، وصرف الملايين أجورا ومرتبات لهم، لتكون لهم الكلمة الأخيرة في المدارس من دون مدرائها وأساتذتها من أهل البلاد الأصليين، يدمّر هوية الأطفال والأساتذة والبلد معا.

ألا يكفي فتح برّ بلادنا وبحرها وجوها للأساطيل الغربية التي تدمّر بلادنا؟
ألا يكفي ربط أسواقنا بالاستهلاك لصناعات الغرب دون حساب وتزويده بثرواتنا دون حساب؟
ألا يكفي صنع النكبات المعاصرة على كل صعيد، سياسي وعسكري واجتماعي واقتصادي، لنصنع من خلال المدارس نكبة أكبر من كل ما سبقها، بأيدينا، ونجعل من فلذات أكبادنا من حيث لا يعلمون ولا يريدون “جنودا” لصنعها؟
وهل يمكن أن تعوض الأبراج والجزر عن القلوب والعقول أو أن يعوض الحجر والمال عن الإنسان واللسان؟

إنّ القضية التي تتحدّث عنها هذه السطور ليست قضية تعلّم لغة أجنبية فهذا أمر مفروغ منه، والجدلُ حوله جدل ملغوم يلفت النظر عن حقيقة الجريمة التي تُرتكب جهارا نهارا، وبصورة منظمة موجهة، وقد كان تصعيدها بخطوات أسرع وأشمل وأعمق تأثيرا، سنة بعد سنة خلال السنوات العجاف الماضية؛ إنها جريمة كبرى بحق المستقبل وجيل المستقبل، ويشارك في حمل المسؤولية عنها، كل من يشارك في التنفيذ، فتلك من قبيل الطاعة في معصية الله، بل هي المشاركة في خيانة الله ورسوله والمؤمنين، وخيانة كتاب الله ولغة كتابه الكريم، لغة التفاهم والارتباط بالتاريخ، ولغة حياة الذات الفردية والجماعية، ولغة العلم والتقدم وبناء المستقبل.
وما خلق الله تعالى الذكر والأنثى ليكون بعضهم “بيادق” في أيدي أي مخلوق، ولا أعطى مَن أعطاهم من الفكر والأدب والموهبة والقدرة على الإبداع – ممن يعتبرون أنفسهم نخبة الكتاب والمثقفين والإعلاميين – ما أعطاهم ليوظفوه في طلب رضى الحاكم أو الإسهام في تضليله بدلا من طلب رضى ملك الملوك والنصيحة لعباده، وليوظفوه في تمرير الضرر بشعوبهم، بدلا من النصيحة لها.
كل معلم ومعلمة، وكل مدير دائرة ومديرة، وكل صحفي وصحفية، وكل أديب وأديبة، وكل مفكر ومفكرة، كل إنسان في جميع بلادنا لا سيما الخليجية حاليا، مسؤول عن اتخاذ موقف الرفض إزاء “أمركة أدمغة أطفالنا وقلوبهم وألسنتهم” ونزع العروبة والإسلام من صدورهم وعقولهم، بأي ذريعة من الذرائع وفي أي ظرف من الظروف.
وإن الحديث عن هذه “الجريمة” بهذه السطور التي يمكن تقديم الأدلة والشواهد على كل عبارة وردت فيها، إنما يعرف الأدلة والشواهد مَن يعايش آثارها معرفة مباشرة.. هذا الحديث هو حديث الخشية على بلادنا وأهلها ومستقبلها من شر كل من يريد بها وبشعوبنا شرا، وكلٌّ آتيه يوم القيامة فردا، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا تنفع أقلام وإبداعات ولا تنفع عروش وجيوش ولا تنفع دول كبرى وصغرى، ولا تنفع أعذار مزورة وذرائع واهية.. إلا من أتى الله بقلب سليم.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى