خواطر – المشروع الصهيوني والفظائع الأسدية

كل جريمة أسدية تجري بمشاركة صهيونية

كل جريمة أسدية تجري بمشاركة صهيونية

ــــــــــ

أثناء الكشف عن الفظائع الهمجية التي ارتكبها أمريكيون في جوانتانامو وأبو غريب وغيرهما من المعتقلات التي صممت خصيصا لقهر الإنسان، نشر بعض الأقلام -ولكن ببعض الحذر- مقولات من قبيل “في سجون الدول العربية مشاهد أفظع من ذلك بكثير“، „عشرات من جوانتانامو موجودة في البلدان العربية”.. وما شابه ذلك.
وأثناء مسار الثورة الشعبية في سورية انتشرت تحت وطأة الممارسات الهمجية غير المسبوقة في التاريخ مقولات من قبيل “اليهود أرحم من الأسد وعصاباته”، “لم يفعل اليهود ما يفعل هؤلاء المجرمون”.. وما شابه ذلك.

لا ريب أن هذه مقولات تعبر عن الألم والغضب، ولا تطرح بالضرورة رؤية منهجية نتيجة دراسة موضوعية، ولا يعني ذلك أنها خاطئة من حيث الأساس، فالمقارنة المحضة بين عمل همجي وعمل همجي آخر، يمكن أن توصل إلى نتيجة تعبر عنها هذه المقولات، ولكن انتشارها بأسلوب التعميم دون وضعها في إطار المشهد بكامله وخلفياته التاريخية والحالية، يمكن أن يفضي إلى خلل في الرؤية المنهجية للعمل الثوري ومنطلقاته وأهدافه وطريقة طرحه بل حتى الوسائل المتبعة على صعيده، ويفيد في بيان الشراكة الأسدية-الصهيونية في المسؤولية عن الجرائم في سورية، التمهيد ببيان العلاقة السببية بين الجريمة والمسؤولية عنها.

. . .

كل فرد يرتكب جريمة بحق الإنسان يحمل المسؤولية المباشرة عما تقترف يداه من إثم، ويجب أن يحاسب على جريمته، ولا يعفيه أن يقول إنه “عبد مأمور” مثلا.

كل فرد يمكّن فردا آخر من ارتكاب جريمة آثمة بتأمين الوسيلة، أو الحماية، أو التسويغ والتبرير، أو حتى بالامتناع عن منعه وهو قادر على التصرف، أو بالامتناع عن إدانته وهو قادر على الكلام، هو شريك في الجريمة، ويحمل المسؤولية عن تلك الشراكة بقدرها، ولا يعفيه أن يقول إنه “لم يرتكب الجريمة بنفسه”.

وعندما نتحدث عن دول وأشباه دول وعن مؤسسات وعصابات تحمل وصف مؤسسات، تصبح المسؤولية الأكبر من مسؤولية منفذ الجريمة هي مسؤولية من يمسك بزمام صناعة القرار، ويصدر الأوامر، ويهيّئ الأسباب، ويؤمن التمويل، فهو لا يسأل ويحاسب عن مشاركته في ارتكاب جريمة فردية واحدة، بل عن المشاركة في ارتكاب جرائم جميع الأفراد الذين ينفذون تلك الجرائم، وما تسببه من ضحايا بأعداد كبيرة.

هؤلاء يوصفون بكبار المجرمين، أي أحقرهم في واقع الحال، وهؤلاء لا يعفيهم من المسؤولية والمحاسبة ما يتردد أحيانا من خلال عبارة “هذه مسؤولية سياسية وليست مسؤولية جنائية”، فالمسؤولية السياسية تعني عدم العلم بما يقع في نطاق تلك المسؤولية، وعدم البقاء في المنصب، أما السياسي المجرم فهو من يصنع القرار، ويحاسب بذلك على جريمته.

ولا تزال شبكة العلاقات الدولية الحديثة القائمة منذ الحرب العالمية الثانية، تميز -إلا قليلا- بين المسؤولية عن جرائم يرتكبها مسؤول داخل نطاق الرقعة الجغرافية التابعة لدولة يعمل في إطارها، وبين جرائم يرتكبها خارج نطاق تلك الرقعة الجغرافية، ولا يزال السعي لملاحقة جنائية عابرة للحدود في بداياته الأولى، وهي بدايات منحرفة، تحكمها حتى الآن قاعدة “استثناء الأقوى”، أي من يتحكم بتطبيق شرعة الغاب عالميا، ولهذا لا نجد ملاحقة جنائية دولية لرئيس أمريكي مثل بوش الصغير رغم كل ما قيل عن مسؤوليته عن الجرائم بحق الإنسانية خلال حروبه ضد أفغانستان والعراق، ولا نجد ملاحقة جنائية لرئيس أمريكي مثل أوباما، رغم ثبوت أن أوامره باستخدام طائرات دون طيار في حروبه عن بعد، قد سببت سقوط الألوف من الأبرياء بمختلف المعايير.

. . .

نعود إلى أصل الموضوع، وما تعنيه العلاقة السببية في تثبيت المسؤولية عن ارتكاب الجريمة، وفي حالة فلسطين -موضوع الحديث هنا- لا يمكن تبرئة مسؤول صهيوني إسرائيلي ولا مسؤول غربي من ورائه أو إلى جانبه، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، عن أي جريمة من مسلسل الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها الأنظمة الاستبدادية المحلية، بحق الإنسان والإنسانية، في المنطقة بمجموعها، ما دام المشروع الصهيوني نفسه، طرفا في دعم وجود تلك الأنظمة مباشرة أو عبر شبكة العلاقات الدولية، وما دام وجوده مرتبطا ببقائها وممارساتها، وأن أمره ينتهي بنهاية أمرها.

في النسبة الأعظم من العصابات الإجرامية المنظمة، لا يرتكب رؤساء تلك العصابات الجرائم اليومية بأنفسهم، بل إن كثيرا منهم يحتل “مواقع اجتماعية وسياسية ومالية مرموقة”، ويتركون ما يسمى “المهام القذرة” ليقوم بها أتباعهم، وشبيه بذلك ما نعايشه على صعيد الأحداث الجارية في بلادنا منذ عقود، وبلغ منحدرا غير مسبوق أثناء مسار الثورة الشعبية في سورية، ويحمل المسؤولية عنه “كبار المجرمين”، بمن فيهم من يساهم بقسط مباشر، كما تصنع إيران وروسيا في سورية، أو تصنع قوى دولية وإقليمية في مصر، ولا قيمة هنا لزعم من يقول هذه الدولة أو تلك “تنأى بنفسها” عما يجري، فواقع حالها أنها لا تنأى بنفسها ولكن تتحرك وفق رؤاها وأساليبها وظروفها في الاتجاه المضاد لإرادة الشعوب وتحررها، كما أن النأي بالنفس رغم القدرة على التصرف هو مشاركة في الجريمة في الأعراف القانونية القديمة والحديثة.

. . .

إننا نناقض أنفسنا عندما نقول إن “الواقع القطري” القائم في بلادنا هو نتيجة من نتائج “سايكس بيكو” -وما تلاها أو سبقها من أسباب ذاتية- ثم نفصل في استيعابنا لما يجري والحكم عليه ما بين كل حدث قطري وحدث قطري آخر، أو بين مسار الثورات الشعبية بمجموعها وبين مسار المشاريع الإقليمية ذات الصلة بالمنطقة كمشروعي الهيمنة الصهيوني والإيراني، أو بين جميع ذلك والواقع الدولي القائم حتى الآن على ما أفرزته جولة “صراع القوة” في الحربين العالميتين، أي على ما أصبحت تفرضه وتحمل المسؤولية عنه “قوى” دولية توصف بالدول المنتصرة في الحرب.

فلا يقولن قائل إن ما تشهده الثورة الشعبية في سورية من ممارسات همجية أو الثورة الشعبية في مصر من ردة انقلابية، أفظع مما تصنعه آلة القتل والتشريد والاستيطان الاستعماري الصهيونية بفلسطين وأهل فلسطين جميعا، أو ما صنعته وتصنعه آلة القتل الأمريكية في أفغانستان والعراق واليمن والصومال وغيرها، فهذه مقارنة “صحيحة” ناقصة، تتناقض مع حقيقة أن قضية فلسطين كانت وما تزال هي القضية المحورية المصيرية المشتركة في المنطقة، وكان المشروع الصهيوني الغربي للاغتصاب والهيمنة ولا يزال هو المشروع المسؤول مباشرة عن النسبة الأعظم من جرائم الأنظمة الاستبدادية بل عن أصل وجودها، وعما ارتكبته وترتكبه من أفاعيل على مختلف الأصعدة.

نبيل شبيب

 

إغلاق