ثقافة ورياضةمتابعات وحوارات

خواطر – العزوف عن القراءة

القراءة صفة مكتسبة

ــــــــــ

(انظر أيضا: اقرأ صغيرا تنهض كبيرا)

يكتب كثيرون ويتحدثون حول عزوف ناشئتنا وشبابنا عن القراءة، ويمعنون بتوجيه اللوم لهم؛ فهم في نظر اللائمين يعبثون ولا يقرؤون، ويقبلون على أسباب التسلية واللهو ولا يقبلون على أسباب العلم والمعرفة، ثم إن قرؤوا إنما يقرؤون ما يروق لهم من نصوص مختزلة قصيرة، لا تكفي لتحصيل ثقافة متوازنة.

مشكلة العزوف عن القراءة قائمة ولكنها ليست عويصة في الأصل، بل يغيب عن أذهاننا أن الإقبال على القراءة من الصفات “المكتسبة” وليست صفة ولادية، وتعني كلمة “مكتسبة” هنا، أنها تتحقق بمقدار الجهد المبذول لاكتسابها، وتضمر بمقدار الامتناع عن بذله، فكما يحتاج الطفل إلى التدريب على المشي، وتناول الطعام والشراب، وارتداء الملابس، إلى أن يتقن ذلك شيئا فشيئا فيصبح جزءا مما يعتاده في حياته اليومية، كذلك يحتاج إلى التدريب على القراءة حتى يتقنها وتصبح جزءا مما يعتاده في حياته اليومية.

إن المعالجة المتأخرة بتوجيه اللوم للشبيبة معالجة عقيمة، ولا يعني هذا تجاهل قسطهم من المسؤولية الذاتية، إنما المطلوب أن ندرك جميعا أن مواجهة ظاهرة العزوف تتطلب جهودا متكاملة، منطلقها الأول هو تعويد الطفل على القراءة من نعومة أظفاره بحيث يتفتُّح ذهنه على الحياة من حوله. وإذا كانت هذه من مهمات الآباء والأمهات والأجداد والجدات في البيوت، لأنهم الأقدر على الشروع في النهوض بها، والأولى بذلك، فلا يصح الاعتقاد بأنها مهمتهم وحدهم، وهي مهمة كبيرة فالظاهرة حالكة السواد، بحكم سواد آفاق المستقبل الذي تنذر به إن بقينا مكتوفي الأيدي وهي تتفاقم وتفعل فعلها في واقع المجتمع.

في التعامل السليم مع مرحلة الطفولة ما يحقق الوقاية من الظاهرة المرضية قبل استفحالها، أما علاج ما ظهر منها واستفحل فيتطلب الكثير، ويكفي هنا التنويه بضرورة التساؤل عن فحوى ما يقدمه أصحاب الأقلام إلى جيل الناشئة والشبيبة، فجوهر المشكلة كامن في قلم الكاتب وليس في عين القارئ، ومن ذلك ما يسببه القصور عن تقديم المفيد في قالب يثير الرغبة في الإقبال عليه، وتجنب الغثّ المثير ونشره وإن كان فارغا ثقافيا، هذا علاوة على أن المشكلة الأكبر هي أجواء القهر الفكري والثقافي، الذي يسبب التقوقع الفكري في إطار اتجاه ما، بينما المرجو ثقافيا وفكريا لشبابنا وفتياتنا، ولنا جميعا صغارا وكبارا، هو التعرف على كافة التصورات، والانفتاح على مختلف الأفكار، ولكن مع تنمية المعايير الذاتية للتقويم، فهي عماد الشخصية المستقلة، القادرة على القبول والرفض وفق الاقتناعات الذاتية، وذاك جوهر الحرية.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى