الإسلام والمسلمونمتابعات وحوارات

خواطر – الاحتجاجات الجماهيرية لهدف كريم

"إلا رسول الله"!

ــــــــــ

من طبيعة الاحتجاجات الشعبية والجماهيرية أن تطرح شعارات تثير الحماسة العاطفية، ولا تتطلب صياغتها العفوية أن توزن بمعايير دقيقة من عالم البلاغة والقواعد اللغوية، ويسري ذلك في مواجهة الإساءات لمقام النبوة بشعار “إلا رسول الله”، وقد ثبت أن هذا الشعار يجمع فئات تبدأ بالمتدينين الملتزمين من العامة ولا تخلو من العلماء والدعاة ولا تقف عند حدود غير الملتزمين إسلاميا، بل تشمل أيضا فريقا من غير المسلمين، لا سيما من يستشعرون أنهم ينتمون والمسلمين معا إلى مشكاة واحدة، حضارية وتاريخية وثقافية، وأن بينهم الكثير من القواسم المشتركة من التاريخ والحاضر والمصير في هذه الدائرة الحضارية.

ولئن سئل أي شخص من عامة من يرفعون هذا الشعار ويرددونه، إذا كان يفعل ما يفعل ردّا على الإساءة لمقام النبوة، فهل يحتمل أن يتهاون مثلا في التحرك بسبب الإساءة إلى الذات الإلهية، آنذاك قد يفزع من السؤال ويعبر عن غضبه الشديد من هذا الاتهام. بالمقابل مضى إلى ذلك وشبيهه بعض من درس الشعار لغويا وفقهيا واستند إلى أقوال من التراث، ليؤكد وجود هذه الشبهة في الشعار.
لا داعي لذلك، فالشعار بطبيعته يجمع عفويا عامة الناس على المعنى الشائع له، وإن انطوت صياغته على بعض التناقض حسب اجتهاد بعض المجتهدين. هذا “تناقض” إن وجد فلا يظهر بوضوح للجميع ولا يكون مقصودا، ولعل هذه الحالة قريبة من حالة يطرحها علينا الحديث المشهور بتعبير (لقد ضيّقت واسعا) وهو في كتاب الأدب من صحيح البخاري بلفظ (لقد حجّرت واسعا) تعقيبا من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم على دعاء أحد الأعراب في الصلاة: (اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا).

إن الاحتجاجات الجماهيرية الشعبية، لا سيما العفوية الغاضبة، أشبه بشعلة لإضاءة الطريق نحو التغيير المطلوب ومعالمه الكبرى، وليست بديلا عن الآليات والوسائل والجهود الفكرية والتنفيذية لعملية التغيير.
لا يُستغنى عن الاحتجاجات الجماهيرية العفوية ومفعولها، إذا صدقت الإرادة بضرورة التغيير وبدأ التفكير به ثم العمل من أجله، بل يمكن أن تتحول إلى مقياس يضبط الخطى في مواكبة الفكر والجهد وعمليات المراجعة والتقويم والتطوير. وفي تداعيات زوبعة عدوانية أخرى أثارها إيمانويل ماكرون قبل سنتين من موعد انتخابات ٢٠٢٢م الرئاسية، ظهر للعيان كيف ساهمت قوة الاحتجاجات الشعبية في صدور مواقف حذرة أو إيجابية تحت عنوان رفض الإساءات، حتى من جانب أنظمة معروفة بسلوكها السلبي بالمعيار الإسلامي، وتسيطر على بلدان ذات غالبية سكانية إسلامية، هذا باستثناء أنظمة يوجهها من فقد البقية الباقية من الحياء “البشري”. ويقابل ذلك ما صدر عن منصفين في الغرب من مواقف تشهد لأصحابها بالحكمة والنزاهة، من ذلك مثلا قول المفكر الفرنسي فرانسوا بورجا Francois Burgat:
(الأبعد مدى من “كاريكاتيرات النبي” التي أدينها إدانة شديدة، ظهرت ثغرة كبيرة مرعبة من جانب النخبة السياسية الفرنسية، إذ تعبر كافة الحدود في دفاعها عن حرية التعبير كما تراها، وهي في الوقت نفسه تدوس بأقدامها بلا حياء على حرية تعبير الآخرين من “تجمع مكافحة الرهاب من الإسلام”).

وفي اتجاه مشابه يقول المفكر الفرنسي ميشيل أونفراي Michel Onfray:
(يجب وضع حد للإسلاموفوبيا في فرنسا ونزع الطابع العقائدي عن التاريخ، ولا أشك في أن إيمانويل ماكرون من أتباع الفيلسوف والمنظر السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما -صاحب فكرة نهاية التاريخ والإنسان الأخير- إن العقائدية الأوروبية تنهار نتيجة السياسة الليبرالية التي تبرر وضع المسنين في ممرات المستشفيات، حتى يلفظوا أنفاسهم الأخيرة… هذا لا ينذر بالسقوط ويعجل به فحسب، بل يطرح أيضا صورا مما قد يتخذه شكل هذا السقوط).

ليست الاحتجاجات الجماهيرية الشعبية أدوات وآليات لصنع التغيير، ولكنها مشاعل على الطريق، فلا ينبغي أن ينال منها من يمارسون التشكيك فيما تصنع الشعوب، كما شهدنا في التعامل مع الاحتجاجات الجماهيرية الأولى في مواكبة الانتفاضات الفلسطينية، وهو ما تكرّر مع غزو أفغانستان واحتلال العراق، ثم مع اندلاع الثورات الشعبية، بل تجاوز انتشار الاحتجاجات الجماهيرية وتأثيرها الحدود الجغرافية والسياسية وسواها في مواجهة الإساءات المتطرفة العدوانية، ورغم ذلك بقي التشكيك المتفاقم في جدواها، وهو بذلك مريب بمقاصده ومناوراته، إذ يصدر عمن يزعمون للاحتجاجات هدف تحقيق تغيير “فوري” ثم يقولون إنها ليست وسيلة مناسبة لتحقيقه!.

إن المشككين الذين يطرحون أنفسهم كنخبة فكرية وثقافية وسياسية وإعلامية، يحملون هم -وليس العامة- المسؤولية عن التغيير الفوري أو الطبيعي، وطرح ما يوظف تلك التحركات الشعبية في اتجاه صحيح لصناعة التغيير، ولا ينبغي لهم التغطية على القصور الذاتي بتوجيه أصابع الاتهام والتشكيك إلى “العامة”.

حتى على افتراض حسن نوايا فريق من المشككين والاكتفاء بالقول بمحدودية رؤيتهم لما وراء آفاق اللحظة التاريخية الراهنة، يبقى من المهم التأكيد أنه لا يوجد أصلا من يزعم أن “احتجاجات جماهيرية” أو أن “مقاطعة البضائع والسلع” شعبيا ستقلب الأوضاع بالضرورة وفورا، ولكن تبقى تلك الأوضاع سيئة وخطيرة وتستدعي الاحتجاج بما في ذلك ممارسة ألوان من المقاطعة، وهذا في حده الأدنى وسيلة مساعدة إضافية من بين وسائل عديدة يحتاج إليها الهدف الكبير، وعلى درب تحقيقه يجري عبر مثل هذه الاحتجاجات صناعة إنسان التغيير.
(انظر تفاصيل ذلك في الكتيب الشبكي: المقاطعة.. الدواعي وشروط النجاح)

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى