الإسلام والمسلمونمتابعات وحوارات

خواطر – أنت وأنا ورمضان

الإقبال على فضل رمضان

ــــــــــ

هل يوجد ما يمكن أن نذكره في أوائل شهر رمضان المبارك هذا العام ولم نذكره في أعوام ماضية؟
ألا يذكر بعضنا بعضا بالآيات والأحاديث وبالصيام والقيام وبغض البصر وحفظ اللسان وبالإنفاق والإحسان وبالغزوات والمعارك الفاصلة والانتصارات التاريخية وبجوامع الكلم كالتقوى والبر والصدق والإيمان؟
ألا يمضي بعضنا شوطا أبعد فيتحدث عن أحوال المسلمين في أنحاء الأرض، من فقراء وأغنياء، ومحرومين ومترفين، ومحكومين وحاكمين، ومظلومين وظالمين، ومن بؤساء ومعتقلين ومشردين وشهداء ومجاهدين ولا مبالين الغارقين في قشور دنيا فانية؟
ألا ينظر بعضنا نظرة قنوط إلى أحوال الأمة والبلاد، وواقع الإنسان والعالم، وينظر بعضنا الآخر نظرة التفاؤل إلى بذور تغيير وآمال عراض؟
ليس للقنوط واليأس مكان في قلب المؤمن، والتفاؤل واجب مفروض يصنعه الإيمان.

قد يقول قائل: ألا تستدعي أوضاع فلسطين والعراق، وسورية واليمن، وأفغانستان والصومال، والشاشان والسودان.. ألا تستدعي أوضاع الظلم الدولي والمحلي والطاغوت والطغيان، وواقع المسلمين والعالم يأسا وقنوطا!
بلى.. إن بقينا على ما نحن عليه نرصد ولا نتحرك إلا قليلا، فإن استقبلنا رمضان وودعناه فقليلا ما نعيش رمضان وما يقتضيه منا.
وقد يقول قائل: ألا يستدعي ما عايشناه من انتفاضات وثورات وإنجازات، ورؤية دعائم الهيمنة الاستبدادية تتزعزع وإن ازدادت عنفا وطغيانا، ألا تستدعي مؤشرات التغيير أملا وتفاؤلا؟
كلا.. إن بقينا نعتمد على ما تحقق ونحسبه كافيا لبلوغ ما ينبغي أن نصل إليه!
ليس اليأس والقنوط قيمة مطلقة وليس التفاؤل والأمل قيمة مطلقة! وليس رمضان.. شهرا من الشهور نقضيه بين هذا وذاك.. فحسب. الأبواب كلها مفتوحة في رمضان، إن سلكنا الطريق المطلوبة من خلالها، وموصدة إن لم نسلك تلك الطريق.

يوجد الكثير مما يستدعي الخشية من مزيد من النكبات والكوارث والمآسي.. فإن عشنا رمضان كما ينبغي فسوف نرى كيف يستنهض فينا الطاقات عاما بعد عام، ويجدد العزيمة بعد فتورها، ويدعم الارتباط بالعزيز الوهاب القاهر الجبار، فلا تبقى في القلوب نبضة تخشى أحدا سوى رب الأرباب، أو ترجو شيئا من غير مسبب الأسباب، ولا تبقى في العقول والسواعد وساعات الليل والنهار وأيام العمر المعدودة، طاقة إلا وتتحرك على طريق التغيير.. إلى أن يتحقق التغيير، على أيدي هذا الجيل أو جيل قادم.

*        *        *

العنوان: أنت وأنا في رمضان، فما شأن كاتب هذه السطور وقارئها بما سبق من خواطر؟
إن السر الأعظم في صيام رمضان حق الصيام، كما في أداء الصلاة حق الأداء، وكما في كل عبادة شرعها رب العباد للعباد.. إنه يكمن في أنها تحوّل طاقة الفرد إلى طاقة أمة، تصب في صناعة مستقبل الأمة، بقدر ما يدرك أنه سيُسأل يوم الحساب الأعظم عن نفسه، عن إيمانه وعمله، عن شبابه وشيخوخته، عن علمه وماله، ولهذا يستشعر الآن أن كل لحظة من لحظات يومه، هي جزء من فترة امتحانه واختباره في عمره، منذ نشأته الأولى إلى يوم الرحيل عن هذه الدنيا، فيبذل المستطاع ليتحول إنجازه أثناء حياته أو من بعد مماته إلى لبنة أخرى في بناء الصرح الذي نزل الإسلام مبينا الطريق إليه، من أجل الإنسان والإنسانية جمعاء، حقا يزهق الباطل، وعدالة تمحو الظلم، وإحسانا يعمّ برحمة الله خلق الله.

يجب أن يتحول رمضان في واقع حياتنا أفرادا إلى شهر التغيير أملا وعملا، ليحتضن بذور التغيير في حياة الأمة، ولا يتحول من خلال الشعور بيأس أو أمل، بل يتحول من خلال ما تقتضيه دواعي اليأس من المحاسبة الذاتية وتقتضيه دواعي الأمل من ترجمته إلى عمل، فيكون شهر رمضان في الحالتين نبعا لا ينضب من طاقات العمل والعطاء.

يجب أن يتحول رمضان في واقع حياتنا إلى شهر التغيير في حياة الفرد، ليكون شهر التغيير في حياة الأمة، ولا يصنع التغيير إن اقترن الصيام عن الشراب والطعام بارتكاب الفواحش وإن من الفواحش الاستخذاء والركون للظلم، حيثما يستدعي الواقع العمل والصبر والمجاهدة والجهاد والمجاهدة والصبر والمصابرة.

فلنكن في رمضان وفي سائر الأيام والشهور والأعوام كما يريد رب الأكوان والأزمان، ولن نجد آنذاك في أعماق القلب وفي واقع الحياة مكانا لأمل يجعل من التوكل تواكلا يمنع تحقيقه ولا لقنوط محبط يجعل من التشبث به ذريعة للبقاء في قفصه.

رمضان شهر فضيل عظيم بذاته، ورمضان شهر الخير والمغفرة، شهر مبارك نعيش في بركاته بقدر ما يكون فيه من عمل يغير ما بأنفسنا ليغير الله ما بنا، ويباركه الله تعالى فيتحقق التغيير بإذنه، وهو العزيز القدير، الأرض في قبضته والسموات مطويات بيمينه.. نسأله المغفرة والهداية والعون، ونسأله النصر الذي وعد به عباده المؤمنين الصادقين القانتين العاملين المخلصين المجاهدين، إنه على كل شيء قدير.

نبيل شبيب

زر الذهاب إلى الأعلى