خواطر – أعاصير التحرك الانقلابي على الثورات الشعبية

مراجعة ٢٠١٤م في مطالع مسار التغيير

لكل ثورة شعبية نصيبها من موبقات التحرك المضاد من جانب منظومة الهيمنة والتبعية ضد التحرر

ــــــــــ

(سبق نشر هذا الموضوع في مداد القلم يوم ٥ / ١١ / ٢٠١٤م ويعاد نشره مختصرا في هذه الإصدارة الجديدة)

٠ ٠ ٠

ثورات شعبية متجانسة
ثورات شعبية متجانسة

لم يعد مشهد تعامل قوى الهيمنة الدولية والتبعية الإقليمية مع الثورات الشعبية العربية قائما على محور المراوغة: “نؤيد تحرر إرادة الشعوب.. ونحن أصدقاء الشعوب.. ولكننا مقصرون “، بل أصبح واضحا لمن لم يكن يراه أنه محور عدائي خطير وسافر عنوانه: “نرفض تحرر إرادة الشعوب.. ونحن أعداء للشعوب.. ونتلاقى ضدكم مهما اختلفنا فيما عدا ذلك”

تونس..  
بدأ العداء للثورة الشعبية مبكرا ولم ينتقل إلى مستوى انقلاب أو إرهاب أو تدخل خارجي، ولكن حقق أهم أهدافه لأن من كسب ثقة إرادة الناخبين أكثر من سواه، تنازل جزئيا، ليبقى في الحجم “المسموح به” دوليا وإقليميا، بحيث لا يغير آلية صناعة قرار منظومة الهيمنة والتبعية تغييرا جذريا. لا يمكن لأحد أن يجيب مسبقا على سؤال يطرحه من يدافع عن هذا التراجع “السياسي الثوري”، ما إذا كان هو الطريق الأفضل، وفق من يوازن بين “تحقيق الهدف المشروع” و”ثمنه الجسيم عبر إراقة الدماء”؟

مصر..
شهدت ثورة “شبابية حضارية” لم يشهد العالم مثيلها من قبل، فكان متوقعا أن يصبح التحرك المضاد لمنظومة الهيمنة والتبعية بعد فترة مراوغة قصيرة انقلابا عسكريا متعديا على جميع ميادين الحرية والكرامة بجميع الوسائل المعبرة عن ذل العبودية المادية والانسلاخ من القيم الإنسانية، واتضح للعيان أن من كانوا يراوغون دوليا وإقليميا حول “صداقة مزعومة” مع شعب مصر، كانوا يعدّون في ظلمة الغاب لإنقاذ “شرعة الغاب”. هنا يمكن أن نجيب مسبقا وبثقة كبيرة، على سؤال يتردد سرا وعلنا، أن شباب مصر، من الطلبة والطالبات، ومن سائر الفئات المحرومة من الحياة الكريمة، يعلمون أن طريق الثورة أطول من ١٨ يوما، ولا يبدو أنهم سيمتنعون عن متابعة الطريق في لحظة تاريخية مفاجئة أخرى، على نقيض ما حصل مع من توهموا أن سقوط “رأس الأخطبوط” قد أنهى ما أسموه لاحقا “الدولة العميقة”.

اليمن..
كانت ثورة الشباب والفتيات أشبه بمعجزة تاريخية غير منتظرة، وبدا للوهلة الأولى أن وعيهم بما بدأ يحاك ضد ثورتهم سيمنع منظومة الهيمنة والتبعية من تحقيق أغراضها، ولكن يجب الإقرار بأن احتيال المراوغين كان أكبر من يقظة الثائرين، فتبدلت التحالفات ضد الإرادة الشعبية، وبقي جوهرها، ليضع شباب اليمن أمام خيار حرب داخلية دامية أو التسليم بالعودة إلى قفص منظومة الهيمنة والتبعية في رداء جديد لا يخفي سوأتها. رغم الآلام الهائلة يبقى السؤال مطروحا: هل يتمكن شباب اليمن وفتيات اليمن من إنقاذ ثورة اليمن من جديد مع إدراكهم ضخامة المهمة التي يحملونها على عواتقهم؟

ليبيا..
تعلّم الثوار على ما يبدو الكثير من تعامل المنظومة الأخطبوطية مع ثورات البلدان العربية الأخرى، لا سيما في مصر وتونس المجاورتين، فلم ينزعوا “لأمة الثورة” في مواجهة مرحلة الحرب ضدهم بعد المراوغة معهم، وأسقطوا أقنعة أصدقاء وحلفاء مزعومين، وتابعوا طريق اعتمادهم على أنفسهم في مواجهة الأعاصير ولهيبها المتصاعد يوما بعد يوم، ولم يعد السؤال المطروح: هل يتحول مسار الثورة تدريجيا إلى طريق صناعة تغيير حقيقي في واقع ليبيا، وإنما متى سيتحقق ذلك وبأي ثمن، وسيتسمر تدفق المليارات من المال، وستستمر سلسلة الدعم العسكري العلني المتواصل لأعداء الثورة الخارجيين من أقبية سقوط الاستبداد وقصور داعميه، إنما لن تنجح على المدى المتوسط والبعيد في خنق إرادة شعبية تفجرت ثورتها بعد نصف قرن من ظلمة استبداد إجرامي وعبث تضليلي وألعاب مصالح ومطامع خارجية لا تعرف اعتبارا لقيم إنسانية وإرادة شعبية متحررة.

سورية..
توزعت على بلدان ربيع الثورات الشعبية جميع موبقات التحرك المضاد من جانب منظومة الهيمنة والتعبية، وكان لكل بلد من بلدان الثورات الشعبية نصيب، ولكنها اجتمعت دون استثناء في سورية الثائرة:

هنا.. تلتقي موبقات تبديل التحالفات الدولية والإقليمية، ومن رموزها من كانوا يشتمون بعضهم بعضا بمواصفات “شيطان أكبر وشيطان أصغر”..
هنا.. يمنع السلاح عن الشعب الثائر ضحية الإجرام، ولا يمنع المال الذي يبحث عمّن يمكن توظيفه من أجل متابعة دور الاستبداد الساقط لاحقا، دون أن ينقص من ذلك الدور شيء قد يفقد منظومة الهيمنة والتبعية مفعولها.. وهنا.. يتدفق السلاح الإجرامي ليتابع الاستبداد إجرامه علنا ويردّ “الأصدقاء” عليه بكلام مكرور لا قيمة له حول “شرعية مزعومة”..
هنا.. يلعبون بجميع أوراق التدخل المباشر وغير المباشر لإراقة الدماء.. حصارا كيمياويا وحصارا “إغاثيا”.. إبادة جماعية وتشريدا جماعيا.. صراعا موجها بين الثوار وصراعا عبثيا بين السياسيين.. أكواما من الوعود الكاذبة وسلسلة طويلة من المؤتمرات “الفاخرة”..
هنا.. لعبوا ويلعبون بورقة الإسلاميين والعلمانيين.. وورقة المتطرفين والمعتدلين.. وورقة الأكراد والعلويين.. وورقة الثوار والسياسيين.. وورقة الإخوان والسلفيين.. وورقة “ميليشيا” ثائرة تحت الضغوط و”ميليشيا” عدوانية كانت “متهمة” في غابر الزمان عندهم.. وورقة الصراع الدولي بين شرق وغرب والصراع الإقليمي بين سنة وشيعة..
هنا.. لعبوا وما زالوا مستمرين على لعبتهم الدموية الإجرامية الشائنة بورقة الإرهاب تحت عناوين القاعدة وداعش ومن يصنفونه معهما حسب أهواء مطامع “عباقرة التصنيف” ومصالحهم ومخططاتهم ومراكز “فكرهم”.
في سورية.. التي لم تنقطع يوما جهود الوصول بثورتها إلى حرقها مع الأحياء أو اختطافها بقفازات حرير، أو إخمادها بالحديد والنار، أو تطويعها بمختلف أدوات المكر والاحتيال.. في سورية لم يستطيعوا أن يجدوا على امتداد أربع سنوات “سيسي” ولا “حفتر” ولا “حوثي” ناهيك عن أن يجدوا “كرزاي” و”مالكي”.. وهنا تكمن عقدة مشهد الأعاصير الدولية والإقليمية المضادة للثورات الشعبية في سورية وأخواتها.
لم يوصل “الانتظار” الدولي والإقليمي الطويل إلى النتيجة التي يريدون، وبقيت الثورة مستمرة.. منهكة ولكنها غير مستسلمة، محاصرة ولكنها غير مقهورة، متعثرة ولكنها غير مستكينة.
التركيز الدولي والإقليمي على سورية وإن دخل عبر بوابة العراق ولبنان، وعلى سورية الثورة أي سورية الشعب وإن بدأ عبر العمل للانحراف بمسار قضية الأكراد العادلة لتكون بؤرة نزاع وطني وإقليمي إضافة إلى بؤر الصراعات القديمة المتجددة.
التركيز على سورية الثورة لأن مسار الثورة مفصل تاريخي لمسار التغيير الجذري الذي أطلقت الثورات الشعبية العربية عقاله لينطلق، وبدا لأركان منظومة الهيمنة والتبعية، الدولية والإقليمية، أنهم نجحوا في وضع الأغلال، المختلفة شكلا الموحّدة جوهرا، على الشعوب الثائرة في تونس ومصر وليبيا واليمن.. (ولاحقا السودان والجزائر) وبقيت سورية.
لا توجد جهة قادرة بمفردها على إعطاء جواب على السؤال المصيري المطروح حتى الآن: ماذا نفعل؟ ولكن يوجد كثير من المخلصين القادرين على السعي للجواب، ممن هم موضع الثقة عند عموم المخلصين الثابتين من شعب سورية، وعلى هؤلاء المخلصين القادرين، أن يتنادوا للعمل من أجل إجابة هذا السؤال معا، ليس بأسلوب البحث عن “حلول وسطية” لجمع اتجاهاتهم، بل بأسلوب الرجوع إلى القواسم المشتركة القائمة ابتداء بين الجميع.. لأنها هي القواسم المشتركة التي جعلت شعب سورية شعبا، وسورية وطنا، والثورة طريقا، والتغيير هدفا، وجعلت “جنسية” انتماء التضحيات تضحيات جماعية مشتركة هائلة.. ويمكن أن تجعل من التلاقي عليها والعمل بموجبها ذلك المفصل التاريخي في مسيرة التغيير الجذري التاريخي وقد فتحت الثورات الشعبية بوابته على مصراعيها، ولن يستطيع جمع القوى المضادة في منظومة الهيمنة والتبعية إغلاقها بعد اليوم.

نبيل شبيب

إغلاق