تحليل – نزيف إقليمي وشظايا هيمنة أمريكية

قضايانا في بؤرة الصراع الإقليمي - الدولي

حلقة شيطانية مفرغة بين جولات الصراع والهيمنة وتحركات أطراف إقليمية ودولية

ــــــــــ

ما يجري في منطقة إدلب وما حولها وفي الأرض الليبية والعلاقة بينهما مثال صارخ على ما يجري في ساحات قضايانا الأخرى، منها تقلب العلاقة الثلاثية العراقية – الأمريكية – الإيرانية، ومنها تربص الاغتصاب الصهيوني لاقتناص المزيد من الجسد الفلسطيني ودعمه على ذلك بالتطبيع الانبطاحي العربي، وكذلك لعبة المد والجزر في علاقات دول مجلس التعاون الخليجي، وحتى تصعيد أمواج الخلاف مجددا على شريان حياة شعوب حوض النيل، وجهود الانحراف أو مواصلة الانحراف بمسار تحرير الإرادة الشعبية في تونس والسودان والجزائر.

نتوقف إذن قليلا عند أحداث إدلب وليبيا كمثال على تداخل العنصرين الإقليمي والدولي في نزيف المنطقة بمجموعها:

١- روسيا قادرة على إجبار بقايا النظام الأسدي في سورية وبقايا ميليشيات إيران من ورائه على متابعة الالتزام بوقف إطلاق النار المتفق عليه مع أنقرة في آذار / مارس ٢٠٢٠م، والدليل معروف فهذا الالتزام كان من البداية نتيجة خضوع تلك البقايا للقرار الثنائي، مع ما يعنيه إقدام موسكو أيضا على وقف مشاركة آلتها الإجرامية في الهجمات على المدنيين.

٢- إذن لا ريب أن انتهاك وقف إطلاق النار في مطالع حزيران / يونيو ٢٠٢٠م جرى بعلم موسكو مسبقا، بل بتوجيهها ومشاركة طائراتها المقاتلة، والسؤال: أليس هذا رسالة روسية ملطخة بدماء أهل سورية، للطرف التركي في الاتفاق الثنائي، فما الذي طرأ من أحداث ودفع موسكو إلى استغلالها على حساب قضية سورية والسوريين؟

٣- الجواب في ليبيا، ساحة المواجهة الثانية بين تركيا وروسيا، وهنا يحسن التنويه إلى أمر معروف: تركيا لا تستطيع الانفراد في مواجهة الأطماع الروسية لاستعادة نفوذها في المنطقة ونفوذها الدولي من أيام الشيوعية المنهارة. صحيح أن حرية التحرك التركي ليست مقيدة تقييدا مطلقا بأثقال التبعية للهيمنة الأمريكية، كما في بلدان إقليمية عديدة، ولكن تركيا تعول على التزامات أطلسية لحماية ظهرها عسكريا وسياسيا.

٤- هنا نستطيع استقراء “نوعية” السياسات والممارسات الأمريكية في المنطقة، فحماية الظهر المذكورة تتحكم بها واشنطون في الدرجة الأولى، فكيف تصرفت؟

– صدر شبه تأييد أمريكي محدود لتركيا مع بداية تحركها في إدلب… ولاحقا مع بداية تحركها في ليبيا
– لم يستمر هذا التأييد إلى مرحلة تحقيق هدف تركي حاسم واحد، بغض النظر عن “تقويم” أهدافها بمنظور سوري وليبي
– في ليبيا ظهرت سريعا حصيلة الدعم التركي لحكومة الوفاق الليبية
– فور ظهور مؤشرات تحقيق هدف حقيقي حاسم تبدل “الضوء الأخضر” الأمريكي، ويصعب إنكار علاقة ذلك مع تحرك النظامين المصري والإماراتي تخصيصا (ولو اقترب أحدهما من تحقيق هدف حاسم لكانت معاملته بطريقة مشابهة)

٥- وعلى خلفية الموقف الأمريكي في ليبيا جاء التحرك الروسي في شمال غرب سورية واستهدف الضغط على التحرك التركي في ليبيا، وهنا أيضا لا يغيب ما يسمى “الضوء الأخضر” الأمريكي تجاه موسكو أيضا، عبر تصريحات أحيطت صياغتها بالضباب بعد نقلها عن المبعوث الأمريكي (جيفري) وانطوت على التلويح بقابلية الحد من مسار الضغوط الخانقة لبقايا النظام الأسدي.

. . .

إن لعبة الهيمنة الدموية الأمريكية على حساب ليبيا وأهلها وسورية وأهلها وكذلك على حساب تركيا وسواها، هي جزء من مشهد متكامل بجوهره وأحداثه وإخراجه، يشمل التعامل الدولي مع كافة قضايا بلادنا الأخرى، ومن عناوينه الآنية دون تفصيل:

١- تجديد التواصل الأمريكي الجزئي مع إيران
٢- تعديل التموضع العسكري الأمريكي في العراق
٣- استمرار عبثية التعامل مع أزمة مجلس التعاون الخليجي
٤- مزيد من خطوات تصفية قضية فلسطين عبر تطبيع آثم يرافق التبجح بمزيد من الاغتصاب الآثم
٥- مزيد من المشكلات بين مصر والحبشة والسودان
٦- ما يثار داخليا في السودان وتونس وربما في سواهما قريبا

. . .

المشهد بتفاصيله يبيح الحديث عن “لعبة سياسية متكاملة ماكرة” لا علاقة لها بعدل ومبادئ وقانون دولي ولا علاقة لها بإرادة الشعوب وتحرير الأوطان، ولا يمكن تفسيرها موضوعيا بمصالح مشروعة، ذاتية ومتبادلة، وإن محور تلك اللعبة الماكرة هو التعامل الأمريكي مع كافة أطراف الصراعات المتعددة في المنطقة، إذ يفتح الطريق أمام كل طرف منها على حدة، ثم يقطعه لإضعافه، والهدف هو استمرارية تعطيل التوازنات العسكرية والسياسية لتكتسب مفعولا سلبيا وهي تتقلب على حافة الهاوية، وتحول دون تحقيق أهداف أي دولة أو أي فريق من الدول، من بين جميع الأطراف ذات العلاقة بقضايا إقليمية وإنسانية وسياسية وقانونية، بدءا بتركيا، مرورا بمصر والإمارات والسعودية وقطر، انتهاء بإيران وروسيا، ناهيك عن أطراف ذات أدوار ثانوية في اللعبة الدولية، مثل بقايا القوى المهترئة في هذا البلد أو ذاك.

. . .

والتساؤل موجه – ربما دون جدوى – إلى المسؤولين عن التبعيات الأجنبية في هذه المنطقة المنكوبة في معظم دولها بأنظمة متسلطة، إلى متى؟
أما آن الأوان أن تدركوا أنكم تتحركون زرافات ووحدانا في سياق لعبة دموية خاسرة؟
ألا ترون أن الخسارات المتراكمة لا تتحول أبدا إلى مكاسب مستقرة؟
ثم (وأنتم تتابعون الثورة على بقايا العنصرية والتمييز العنصري ضد من يعتبرون أنفسهم أسيادا على سواهم داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها) ألا يجدر بكم التخلص أو مجرد محاولة التخلص من ربط أنفسكم ورؤاكم وتحركاتكم وسياساتكم بسيدكم الأمريكي، وأن تعملوا بدلا عن ذلك للتخلي عن الاستبداد والفساد، كي تستقووا بالشعوب، وبالتعاون الإقليمي، لتحرير قضايانا المصيرية وتحرير شعوبنا وأوطاننا، من دوامة التبعية والهيمنة بزعامتها الأمريكية، لا سيما وأن تلك الزعامة الأمريكية نفسها توشك أن تنهار بسبب أمراضها الذاتية والداخلية.

نبيل شبيب

إغلاق