متابعات وحواراتمع الإعلام

تحليل – ممارسة حرية الكلمة هل يمكن منعها؟

مع اليوم العالمي لحرية الصحافة

ــــــــــ

الأصل فيمن اختار لنفسه طريق الكلمة الإعلامية أو اختارته الظروف، هو أن تبقى ممارسة حق حرية الكلمة، هذا الحق الأصيل المولود مع ولادة كل إنسان فرد بلا استثناء، ممارسةً علنية مباشرة، هكذا في وضح النهار، جهارا دون تقية، فحرية الكلمة الإعلامية ليست أمرا اختياريا عند شخص إعلامي، يستمتع به أو يتخلّى عنه، إنما يحمل من يشتغل في الإعلام عن جدارة من اللحظة الأولى أمانة على عاتقه، ومسؤولية كبرى، تفرض عليه فرضا أن تكون كلمته حرة من القيود والضغوط وألوان الابتزاز المرئية وغير المرئية، وأن يكون رأيه بعيدا عن ألوان التزييف والتضليل والتنميق، كما يحمل المسؤولية الأكبر عن تحقيق ذلك من يكون في موقع المسؤولية عن وسيلة إعلامية، فهو على قدر ما يستوعب دور الكلمة الحرة، يمكن أن يجعل من الوسيلة الإعلامية أداء بناء أو هدم، إذ كانت وما تزال ممارسة حق “حرية الكلمة” هي المدخل الرئيسي والأكبر، للوصول إلى قدر أعظم من التحرر في مختلف الميادين الأخرى، بما في ذلك ميدان تحرير الإمكانات والطاقات للبناء والخروج من وهدة التخلف على كل صعيد، وميدان تحرير العقول والسواعد للتعبئة ووضع حدّ لعصر النكبات والهزائم والمآسي، فضلا عن ميادين تحرير الكرامة والإرادة الفردية والجماعية على المستوى الوطني، لتتحرر بلادنا وتتحرر كرامتها وإرادتها وقدراتها على صناعة القرار على المستوى العالمي.

حصيلة عقود ماضية
يوجد من يستخدم اسما مستعارا في كتاباته الإعلامية، لا سيّما بعد أن فتحت الشبكة الأبواب لذلك على نطاق واسع، ومن اللافت للنظر أن أول ما يخطر تعليلا لاستخدام اسم مستعار هو عنصر “خشية الكلمة الإعلامية من السلطات”، ولا يخطر في البال سبب آخر إلاّ نادرا، ولا غرابة في ذلك، إذ يبدو أننا لم نستوعب بعد، بما في ذلك كثيرون من العاملين في الإعلام، أننا خلفنا عصرا ودخلنا عصرا آخر بواقع إعلامنا العربي والإسلامي، ولقد كان من الضار ضررا شديدا لا المؤلم فقط، أن تطور الإعلام في بلادنا العربية والإسلامية بقي على مدى عقود عديدة حبيس المحاولات الدائبة والعنيفة لإخضاع قلم الإعلامي لإرادة الحاكم السياسي أو الممول المرتبط بها غالبا، أو العمل على كسره إن لم يخضع.
رغم ذلك، وقع التطور وعلينا استيعاب أبعاده ومغزاه، وربما يركز بعضنا على أسبابه التي لم نكن نملك أو تملك السلطات شيئا في صنعها أو دفعها، مثل تطور وسائل الاتصال واضمحلال مفعول الحواجز والحدود بين البلدان وداخل البلد الواحد، ولكن يغمط ذلك التركيز على جانب الوسائل التقنية حق أولئك الذين كانوا بمثابة الرواد في طليعة التمسك بقول كلمة الحق الإعلامية ونشرها مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن، ولقد دفعوا فعلا ثمن حرية كلمتهم الإعلامية في ظل أسوأ ظروف عرفتها بلادنا على هذا الصعيد، ونؤكد هنا أننا لا نميز بين تيار وتيار واتجاه واتجاه، فمن لا يعمل من أجل حرية الرأي الآخر وفق ضوابط الثوابت والقيم ومعاييرها، لا يكون هو جديرا بممارسة حرية الرأي والتعبير وفق تلك الضوابط أيضا.
لقد كانت طلائع المتمسكين بحرية الكلمة الإعلامية في العقود الماضية من مختلف التيارات، إنما ليس مجهولا من الحقائق التاريخية، أن الأعم الأغلب هو أن التيارات العلمانية بمختلف تسمياتها، قد سيطرت على زمام الأمور، وتسلطت على صناعة القرار وفرضه، في مختلف الميادين الإعلامية وسواها، فكانت فئات التيار العلماني المتعددة، هي التي تحمل المسؤولية الأولى عن حظر حرية الكلمة، عن بعضها بعضا، أو عن سواها، وعلى وجه التحديد عن التيار الإسلامي، في حقبة الصراع التاريخي المعروف معه.
وبتعبير آخر إن التطور الإعلامي الذي نعايشه في المرحلة الراهنة، باتجاه شيء من التحرر – والمشوار ما زال طويلا للغاية – ولإعادة الأمور إلى نصابها لتأخذ الحقوق والحريات مجراها الطبيعي الأصيل، إنما يعني واقعيا إخفاق التيارات المعنية وإخفاق السلطات التي احتضنتها تلك التيارات بقوة وعنف، في الحيلولة دون ذلك التطور، والعمل المضاد له عبر عدة عقود.

عزلة من يحاصر الكلمة
ينبغي أن نستوعب أن ساحتنا الإعلامية لم تعد تشهد “إرهاصات تغيير” فحسب، وفق تعبير طالما استخدمه المتفائلون لبث الأمل في النفوس في ساعات الظلمة الحالكة، بل دخل عالم الإعلام العربي والإسلامي في مرحلة التغيير، وبدأ التحول يأخذ مجراه، وما بقي لا يعدو أن يكون من المشكلات الجانبية والتفصيلية، وتلك هي التي تنعكس في أن بعضنا ممن لا يريد استيعاب التطور الواقع أو لا يستطيع، ما زال يتمسك بأساليب عتيقة، ويكرر تجارب فاشلة، ويسبب عقبات مزعجة، ومع ذلك فهي مشكلات جانبية فحسب، فزوال تلك العقبات محتم أيضا، ووصفها بالمشكلة يعني فقط أنها مشكلة مَن يصنعها ويتمسك بها، فمصيره سيكون كمصيرها إن لم يتخلّ عنها.
والأمثلة كثيرة، ويكفي التنويه إلى مقولات تظهر وكأنها من كوكب آخر، على ألسنة مسؤولين، في أعقاب تصويت مزيف، أو لتسويغ محاكمات جائرة، أو لإغلاق الأبواب أمام فضائية ما وكأنها لا تصل عبر “الفضاء”.

إن كثيرا من العقبات الجانبية الراهنة منشؤها وهم كبير يستبد ببقايا موروثة عن أساطنة الاستبداد السياسي من العقود الماضية، فما يتشبثون به من أساليب ووسائل، لم يأكل الدهر عليها ويشرب فحسب، بل أصبح التمسك بها كالقابض على ريح في يده، فإن فتحها أدرك ما يعنيه وهمه.
على سبيل المثال: إلى وقت قريب كان اللجوء إلى إغلاق صحيفة، أو إلغاء برنامج إذاعي أو تليفزيوني، أو طرد محرر، أو حتى اغتيال قلم من الأقلام بقتل صاحبه، كذلك مقص الرقيب دون اعتراض، والكمامات على الأفواه دون تأوّه.. كان ذلك جميعا وأمثاله من الإجراءات التي حسب من مارسوها أنها ستضمن سيطرتهم على صناعة الإنسان وفكره، وصياغة إرادته وعقله، بل وإنتاج ذوقه وميوله، حتى ينشأ جيل لا ينقطع عن تقديس من لا يجوز تقديسهم من أفراد حاكمين، وطاعة ما لا تجوز الطاعة فيه من إهدار لمصالح الأمة وتفريط بمقدساتها وأرضها وحاضرها ومستقبلها، ثم ماذا كانت النتيجة؟ 

إننا نعايش حقيقة وجود جيل آخر، بمواصفات أخرى، غير التي أرادوها بتلك السلوكيات، فهو جيل نرصد مثلا ونرى رأي العين، كيف لا تُفتح صناديق التصويت بين يديه مرة، في أي ميدان من الميادين، بدءا من اتحادات الطلبة مرورا بالنقابات والروابط المهنية وانتهاء بأي انتخابات عامة عرفت ولو حدا أدنى من النزاهة والضمانات، إلاّ ويظهر للعيان حجم تمرده على أولئك الذين اعتقدوا أنه سبق تطويعه لهم في محاضنهم، فمضى ليعبر عن إرادة حرة مستقلة تأبى الانصياع!
ليس هذا فقط، وهنا الشاهد في الميدان الإعلامي، أنه كان من نتائج هذا التطور ما تشهده الساحة الإعلامية بصورة مباشرة، فالإجراءات التعسفية، مراقبة أو حجرا، وإغلاقا أو طردا، لم تعد تصنع “التعتيم” الإعلامي المطلوب، بل على النقيض من ذلك، باتت تزيد الضجة الإعلامية، وتزيد ردود الفعل على مَن يمارسون تلك الإجراءات، فيزدادون عزلا لأنفسهم، بل إن الوسيلة الإعلامية التي باتت لا ترضي سوى الحاكم بأمره في جهاز سياسي، أو في مؤسسة تمويلية، أو حتى في دار النشر الإعلامية نفسها، وتغفل عن إرضاء الإرادة الشعبية، والتطلعات الشعبية، والآمال الشعبية، أصبحت تلك بحكم الوسيلة الميتة، وإن لم توضع في الكفن بعد  فاستمر وجودها طافية على السطح، كالزبد على وجه مياه تيار متدفق.
حرية الكلمة حق لا مكرمةلقد كان بعضنا يشكو إلى وقت قريب أنه إذا أمسك القلم ليكتب، شغله اختيار العبارة المناسبة أكثر من العثور على الفكرة الصائبة، ناهيك عن قضية صاخبة تفرض نفسها، فهو – إذا ما كان حريصا على الوصول بما يريد قوله إلى قارئ يحترم نفسه وحريته وكرامته ويبحث عن رأي كريم حر – مضطّر إلى انتقاء الكلمة التي قد تقول ما يريد هو، ولا يفهمها الرقيب، حتى باتت هذه الرقابة الذاتية أشد وطأة من الرقابة الخارجية، أما الآن فالغالبية تكتب بغض النظر عن اتجاه صاحب القلم، وهذا مع الثقة بحتمية الوصول إلى القارئ أو المستمع أو المشاهد على أي حال، فقد تحولت القضبان التي صنعتها الرقابة، إلى قضبان تحيط بأولئك الذين صنعوها أنفسهم، وباتوا هم المنعزلين مع ذاك النمط المرفوض من الإعلام المنحرف المزيف، عن واقع بلادهم وأمتهم وقضاياهم من حولهم.
لقد أصبح كثير من المسؤولين الواعين، القائمين على وسائل الإعلام إدارة أو تمويلا، يدركون أن بقاءها رهن بأن تجد القبول لدى المستهلكين، والمستهلكون هم الشعوب لا السلطات، وعلى قدر ما يراقبون أنفسهم هم ألا يقطعوا ما بينهم وبين الشعوب، سواء لحساب أي سلطة من السلطات أو لحساب أنفسهم، يمكن أن يؤدوا أعباء المسؤولية الإعلامية الجسيمة التي يحملونها.

ونعتقد من قبل ذلك وبعده، أن الرقابة الحقيقية والنافعة التي يحتاج إليها الإعلام على الدوام، هي تلك الصادرة عن إدراك صاحب القلم أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وذاك مما يشمل ما شاع في العصر الحاضر وصفه بالتزام الثوابت والقيم والمصلحة العليا، فذاك ما لا ينبغي أن يحيد المرء عنه سواء اشتغل في الإعلام أو سواه، ومن ذلك قول الحق لا يخشى فيه لومة لائم، وفق ما يعتقده هو حقا، وما تيقن من صحته، وما يقدّر تحقيق الخير من وراء الجهر به لا الفتنة والضرر، ثم هو يحرص على تحقيق المصلحة العليا تبعا لذلك لا لتقديم مصلحة شخصية أو مصلحة من يواليه على سواها، ومن ذلك أيضا تجنب توزيع الاتهامات بلا حساب، وتعميم الأحكام دون تفكير، ورؤية مواقف الحق والاستقامة والصواب وإن صدرت عن خصم اعتاد في الأصل ألا يتجنب باطلا ولا خطأ ولا انحرافا، فإن الإعلام لا يسقط في حمأة التشهير إلا ويهبط بذلك بنفسه ومستوى صاحبه إلى الحضيض، ويصبح جسرا لنشر الأحقاد والضغائن، بدلا من السموّ بنفسه وبصاحبه إلى مستوى الرسالة المناطة به.

تلك الموازين وأمثالها، وأمثالها كثير، هي ما ينبغي أن يكون له ميثاق شرف إعلامي مشترك، مكتوبا كان أو غير مكتوب، فهي الضمان أن تكون الثورة الإعلامية التي نعايشها هذه الأيام، وعبر إعلاء كلمة الحق، الكلمة السديدة الطيبة، الصالحة النافعة، المخلصة الصادقة، ثورةً هادفة للبناء لا الهدم، والتقدّم لا التخلف، والوحدة لا التفرقة، وإن الله تعالى {يثبّت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضلّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}

نبيل شبيب

الموقع الإلكتروني | + مقالات

​- درس العلوم السياسية والقانون الدولي في بون ولم يختمها بشهادة جامعية
- مارس العمل الإعلامي الصحفي والإذاعي منذ عام 1968.
- نشط في العمل الإسلامي منذ عقود.

صدر له منذ أواسط السبعينيات عدد من الكتب، منها:
قضية فلسطين، الحق والباطل + تقييم مقرّرات كامب ديفيد + تقويم "معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية" + حقيقة التفوق الإسرائيلي + الواقع القائم وإرادة التغيير + ملحمة الشهيد (شعر) { البوسنة والهرسك + وكتيبات إلكترونية عديدة منها: تحرير المعرفة – الجهر بالحق.
- كما نُشر له عدد كبير من المقالات والدراسات والقصائد في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الشبكية، وله مشاركات في عدد من الندوات التلفازية والمؤتمرات الثقافية.

زر الذهاب إلى الأعلى