تحليل – لبنان دولة مستقلة؟

معلومات دستورية وسياسية وأزمات متعاقبة

أما آن الأوان لاعتبار لبنان دولة مستقلة وقد تجاوز سنّ الطفولة والكهولة من عمره؟

ــــــــــ

الاحتفال السنوي بيوم الاستقلال في لبنان (٢٢ / ١١ / ١٩٤٣م) يجري منذ فترة طويلة وسط أزمات صارخة متعاقبة، تعبر عن المتناقضات التي حفل بها تاريخ لبنان كدولة مستقلة منذ نشأتها الأولى، وتصل به إلى وهدة جديدة بعد أخرى، بينما لا تزال خيوط اللعبة السياسية، الدموية أحيانا، خارج أيدي اللبنانيين أنفسهم.
إن المعرفة بخلفيات دستورية وتاريخية للتناقضات السياسية المتواصلة، ضرورية لمتابعة ما يقع من أزمات واستيعاب أي حدث يتقاطع مع الواقع القائم في لبنان، وهذا ما يشمل فيما يشمل التدخل الهمجي الأسدي في لبنان، وحرب لبنان الأهلية، والتدخل الإجرامي من جانب منظمة حزب الله، لاستبقاء النظام الاستبدادي في سورية المجاورة، وإجهاض الثورة الشعبية.

فرنسا في لبنان
تعتبر التدخلات الفرنسية المتكررة في لبنان (وسواها) تحت مظلة “إنذار” أو “وساطة” أو “مساعدة” على حسب الظروف، صورة معبرة عن حقيقة استقلال لبنان، وقد ظهر ذلك بقوة في منتصف عام ٢٠٠٨م مثلا، عندما اتخذ التدخل شكل “فرنسا الكبرى تزور لبنان الصغير”، أي عندما حضر الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي ومعه معظم أعضاء الحكومة، وغالبية زعماء المعارضة، فكأن المطلوب سياسيا آنذاك هو حشد ضخم لاحتلال البلد وإن دخل المحتل على سجادة حمراء! لقد بدا للوهلة الأولى كما لو أن فرنسا بكل أطيافها أرادت تشكيل حكومة تعثّر تشكيلها لبعض الوقت، كما بدا أن باريس تنافس واشنطون، على النفوذ في “بيروت”؛ ولكن أين كانت بيروت؟

بيروت السياسية رحلت يومذاك عن أرض لبنان وتوزعت بساستها أجزاء مبعثرة على واشنطون وباريس والرياض وطهران ودمشق والقاهرة، ولم تكن إلا نادرا متكاملة الأجزاء للحظة عابرة من الاستقرار الجماعي، منذ أنشأت لبنان دولةُ فرنسا الاستعمارية وأطلقت عليه آنذاك وصف (لبنان الكبير) بعد أن كان في العهد العثماني “متصرفية” بحجم أصغر، وبقي دون الولاية شكلا، ولكن كان أعلى منها قانونا، بفضل الحكم الذاتي.

المساومات الدائمة

يقضي دستور لبنان أن يكون رئيس الدولة مارونيا، ويربط كثيرا من صلاحياته بتوافقه مع رئيس الحكومة، الذي يقضي الدستور أن يكون سنيا، وأن يكون رئيس مجلس النواب شيعيا. كما يحدد الدستور (واتفاق الطائف لاحقا) توزيع المقاعد بنسب محددة بين المسيحيين – وهم ١١ طائفة – والسنة والشيعة والدروز.

ومع مرور ذكرى الاستقلال السنوية (٢٢ / ١١ من عام ١٩٤٣م) نذكر أننا لم نشهد أن لبنان حصل على استقلال ناجز في أي فترة من فترات تاريخه كدولة، وكانت البداية لذلك في السنوات الأولى لميلاده، والواقع أن يوم الاستقلال الذي يحتفل به هو يوم إطلاق الاستعمار الفرنسي سراح من سبق أن اعتقلهم آنذاك: رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، بسبب تجرؤهم على التحرك باسم الحكومة على تحويل الدستور للتعديل إلى المجلس النيابي، دون إذن “الحاكم الفرنسي”، وكان الاعتقال في أيلول / سبتمبر عام ١٩٤٣م، فاعتبر الإفراج عنهم بعد شهرين هو يوم “الاستقلال”، بينما اكتمل الانسحاب العسكري الفرنسي من لبنان في نهاية عام ١٩٤٦م.
منذ ذلك الحين كان تكوين لبنان قائما على المساومات والحلول الوسطية، وليس على رؤية جامعة “للدولة”، وكان الميثاق الوطني اللبناني الأول يتضمن تخلي المسيحيين عن مطلب “حماية فرنسا” وتخلي المسلمين عن طلب الانضمام إلى الداخل السوري، أي “المملكة السورية” التي كان يفترض أن تستقر بتنصيب الأمير فيصل ملكا عليها، وتشمل بلاد الشام، وتشهد التدخلات الفرنسية أن المطلب الأول لم يتحقق مثلما تحقق المطلب الثاني في اتفاق المساومة.

وقفة تاريخية
يتألف لبنان من مناطق جبلية شرق البحر الأبيض المتوسط، ويشغل حوالي ١٠٥٠٠ كيلو متر مربع، ويسكن فيه زهاء ٤ مليون نسمة، ويتميز بتعدده الطائفي، وهذا ما يصنّفه اتفاق الطائف بين:
١- مسيحيين (موارنة، وروم أرثوذوكس، وأرمن أرثوذوكس، وأرمن كاثوليك، وسريان أرثوذوكس، ورومان كاثوليك، وسريان كاثوليك، وكلدان كاثوليك، وأقباط أرثوذوكس، وبروتستانت، ونسبتهم معا ٣٧ في المائة.
٢- مسلمين وطوائف بخلفية إسلامية (السنة، الشيعة، الدروز، العلويون) بنسبة تناهز ٦٣ في المائة.

٣- ثم اليهود والآشوريون وفريق دون انتماء طائفي، وجميعهم دون ١ في المائة.

وقد نشأت الدولة بقرار ضمن اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية (١٩١٦م) وتولى الاستعمار الفرنسي تنفيذ ذلك فاستكمل “توليد الدولة” عام ١٩٣٦م، باسم جمهورية لبنان، وكانت تحمل من قبل وصف “منطقة جبل لبنان”.

وحكم جبل لبنان باسم الخلافة العثمانية آنذاك فخر الدين الأول ثم فخر الدين الثاني من “الأسرة المعنية”، ولكن القرن السادس عشر الميلادي شهد نزاعات متكررة بين الوالي ومقر السلطنة. ثم تولت الحكمَ الأسرة الشهابية حتى منتصف القرن الميلادي التاسع عشر، وكانت حقبة حافلة بالثورات وبالصراعات الطائفية، ومن أشدّها ما عرف بانتفاضة ١٨٢٠م ومذابح ١٨٤٥م، وفي تلك الفترة ظهر أثر التعدد الطائفي بلبنان، كطائفة الدروز بزعامة آل جنبلاط، والمارونيين بزعامة آل كسروان، إضافة إلى تعدد الفرق ضمن كل طائفة دينية، لا سيما فرق المارونيين والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، وهو ما ساهم في إيجاد الذرائع لتدخلات أجنبية، كالتدخل الإيطالي عام ١٩١٢م، واتخاذه حجة للتدخل الفرنسي من بعد.

وأدّت اتفاقية سايكس بيكو أثناء الحرب العالمية الأولى إلى تقسيم إرث الدول العثمانية في المنطقة، ومنها بلاد الشام، ممّا انتهى إلى وضع الحدود بين سورية ولبنان وفلسطين وشرقي الاردن، وسيطرة الاستعمار البريطاني والفرنسي عليها، فأعلن الفرنسيون رسميا عن تأسيس دولة “جمهورية لبنان” عام ١٩٣٦م وبقيت مستعمرة حتى استقلال لبنان شكليا في ٢٢/ ١١/ ١٩٤٣م.
وأبرز المحطات التاريخية الحديثة: الحرب الأهلية ١٩٧٥-١٩٩٠م، والغزو الإسرائيلي ١٩٨٢-٢٠٠٠م، والعدوان الإسرائيلي عام ٢٠٠٦م.
ويؤرّخ لبداية الحرب الأهلية بمحاولة فاشلة لاغتيال الزعيم الماروني بيار الجميل يوم ١٣/ ٤/١٩٧٣م، ثم مذبحة “عين الرمانة” التي قتل فيها ٢٧ فلسطينيا. وعند اندلاع الحرب استدعيت سورية للتدخل من جانب أطراف مسيحية لبنانية، ودخلت قواتها لبنان بمباركة من القمة العربية عام ١٩٧٦م، فبقيت السيطرة على لبنان بيد النظام الأسدي حتى ٢٠٠٥م، عند صدور قرار مجلس الأمن الدولي واغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري.

الاصطفافات الحزبية
يتطلب استيعاب الوضع الحاضر إلقاء نظرة على ما استقر في خارطة الأحزاب السياسية، وأبرزها ما يسمى

“قوى ١٤ آذار”، وقد أطلق هذا الوصف (أو الغالبية أو الموالاة) للتعبير عن مجموعة الأحزاب والزعماء والفئات السياسية اللبنانية التي تلاقت بعد اغتيال رفيق الحريري وجعلت هدفها الأول آنذاك “خروج القوات السورية من لبنان”، وتعود التسمية إلى “المظاهرة المليونية” التي نظمتها “الأحزاب المعارضة للوصاية السورية آنذاك”، وبدأت بها حركتها التي عُرفت أيضا باسم “ثورة الأرز”.

أهم أحزاب هذا التحالف:
١- تيار المستقبل: أسسه رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وتزعمه ابنه سعد الحريري من بعده، ويعتبر على علاقات وثيقة بالسعودية.
٢- الحزب التقدمي الاشتراكي: حزب يضم القطاع الأكبر من الطائفة الدرزية، من أشهر مؤسسيه كمال جنبلاط (اغتيل سنة ١٩٧٧م) ويتزعمه ابنه وليد جنبلاط، وكان مع أحزاب أخرى في “الحركة الوطنية اللبنانية” من خصوم التكتل المسيحي في الحرب الأهلية، ومن أنصار سورية داخل لبنان لفترة طويلة.
٣- القوات اللبنانية: (ميليشيا) أسسها بشير الجميّل (اغتيل ١٠٨٢م) في مطلع الحرب الأهلية، واستقلت عن “الجبهة اللبنانية” تدريجيا، وتزعمها سمير جعجع.
٤- الكتائب اللبنانية: أسسها بيار جميل وآخرون سنة ١٩٣٦م.
٥- حزب الوطنيين الأحرار: أسسه كميل شمعون ١٩٥٨م، وضعف الحزب عبر صراعات مع الكتائب وغيرهم أثناء الحرب الأهلية.
ويضم التحالف أيضا “لقاء قرنه شهوان” و”التجدد الديمقراطي” و”حركة اليسار الديمقراطي” و “الكتلة الوطنية اللبنانية”.

وظهر بالمقابل تحالف “قوى ٨ شباط” ويطلق هذا الوصف على عدد من القوى السياسية اللبنانية المعارضة المعروفة بموالاة النظام القائم في سورية، وأهمّ عناصرها منظمة “حزب الله”، و”التيار الوطني الحر”.
١- منظمة حزب الله: نشأ مواكبا للثورة الإيرانية بزعامة الخميني، وكان أول ما ظهر بوضوح على السطح بعد صدامات عنيفة مع حركة أمل (بزعامة نبيه بري) الشيعية أيضا.
٢- التيار الوطني الحر: نشأ تدريجيا بعد عام ١٩٩٠م بعد نفي العماد ميشال عون إلى باريس، وظهر كحزب علني قوي عام ٢٠٠٥م بعد انسحاب القوات السورية من لبنان وعودة عون إليه.
وتشمل قوى ٨ شباط أيضا تيار المردة بزعامة سليمان فرنجية، و”الحزب السوري القومي الاجتماعي / لبنان” برئاسة علي قانصو، وغيرهما.

وتوجد أحزاب أخرى، إذ تضمّ خارطة لبنان السياسية الحزبية عموما ما لا يقل عن ثلاثين حزبا وجماعة حزبية وكتلة سياسية، منها إضافة إلى من سبق ذكره التنظيم الشعبي الناصري، الحزب الديمقراطي اللبناني، اتحاد قوى الشعب العامل، الحزب الشيوعي اللبناني، المؤتمر الشعبي اللبناني، جبهة العمل الإسلامي، الجماعة الإسلامية في لبنان، حزب البعث اللبناني، حزب لبنان الاشتراكي.. وغيرهم.

متى يستقل لبنان؟
أما آن الأوان لاعتبار لبنان دولة مستقلة وقد تجاوز سنّ الطفولة والكهولة من عمره؟
ليست مشكلة لبنان مشكلة نفوذ خارجي فحسب، بل هي مشكلة القدرة على تجاوز سنّ الطفولة وبلوغ سنّ الرشد على أيدي اللبنانيين، ولن يبلغها لبنان طالما بقي فيه من يتعلّق بأذيال أمريكا أو فرنسا، وبهذه الدولة أو تلك من الدول الإقليمية، ولا يعني ذلك إنكار أهمية التعاون المصلحي المتبادل المتوازن.
يوم يجتمع “الأولاد” جميعا، ويقرّرون الاعتماد على أنفسهم، وعلى التفاهم فيما بينهم، دون الحاجة إلى حماية عاصمة خارجية.. آنذاك يستقل لبنان ويتوحد، ويتحوّل ضعفه إلى قوة، فيفرض إرادته مهما كان صغيرا على الكبار، ومن يشتهون أن يكونوا كبارا، فهؤلاء لم يملكوا في الماضي، ولا يملكون اليوم، ولن يملكوا غدا، وسيلة للنفوذ داخل لبنان، إلا عبر ركائز من داخل لبنان، ممّن يتصرّفون كالأطفال، فإن قيل لهم افعلوا كذا وكذا فعلوا، وإن قيل لهم عرقلوا تشكيل الحكومة عرقلوا، أما إن قال لهم شعب لبنان إن كنتم صغارا فارحلوا، لم يرحلوا.

نبيل شبيب

إغلاق